البوابة نيوز : حكمة المتحاورين (طباعة)
حكمة المتحاورين
آخر تحديث: السبت 17/08/2019 07:57 م
فيصل الأحمر فيصل الأحمر
فذلكة
يمكّنك الفيسبوك والميسنجر وباقى برامج التواصل الاجتماعى من إحياء فن المحاورة... ذلك الفن الذى عمل القرن العشرون تأسيا بالقرن التاسع عشر على قتله إلى درجة كبيرة بإيعاز من المدح المفرط للفردية والعزلة والانعزالية والفردية... قيم دارت الحداثة حولها مؤلهة ذلك الفرد المتفرد الذى يعمل جاهدا على المحافظة على فردانيته داخل الجماعة التى تشكل دائما خطرا على قيم الفرد.
إن تطور الإنسان قد سار به طيلة هذين القرنين الشاذين صوب الخروج التام من الدائرة الجماعية على أساس كونها تشكل خطرا معينا على سلامة فكره ونزاهة روحه التى هى روح متفردة متميزة ذات بصمة ينبغى الدفاع عنها. وقد صار إنسان عصر الحداثة صامتا منغلقا على نفسه مقدسا لحالات كالقلق والغثيان والخدر الحسي، ورافضا للاجتماع والحوار والتواصل والنظر إلى الذات فى مرايا لآخرين. أنتج كل ذلك مقولات الغربة والتغريب، والوحشة، والجنون، والريبية المطلقة، وتقديس الفوضى واللانسقية والنزعة الثورية المبالغ فيها بسبب اعتبارها أى شكل من أشكال الانضباط المجتمعى أو الالتزام الفكى أو الانصياع السياسى قيمةً سلبية، وفى هذا تعميم، وخلف كل تعميم تعتيم كما هو معروف.
تنويعات
- المحاورة لدى فيلسوف مثل سقراط أو تلميذه الفذ أفلاطون هى كشكل لممارسة فعل التفكير، بحيث إننا اليوم لا نملك عملا لسقراط مثلا ولكننا – مع ذلك - نستخلص آراءه الهامة من الآثار التى تركها من خلال تركيزه الكبير على المحاورة كطريقة فى التفكير، وعلى يقظته المبكرة التى جعلته شديد الحذر من النزعة الاكتفائية القاتلة التى يقود إليها التمركز حول الذات، والتفكير على صعيد فردي. يقودنا الحوار إلى النتيجة الهامة التى هى أن الحقيقة لا تغدو تلقينا بل نتيجة لبحث مشترك يلعب فى المحاور دورا لا ريب فيه. وليس هذا المسعى لدى سقراط ببعيد عن الموقف المعادى الواضح الذى اتخذه سقراط وأتباعه من التعالى الفكرى للسوفسطائيين الذين نسبوا لأنفسهم المعرفة وأقروا استحواذهم التام على الحقيقة. تهمنا اليوم العودة إلى المبدأ السقراطى الذى جره – وينبغى أن يجرنا – صوب الإعلان الشجاع: «كل ما أعرفه هو أنى لا أعرف شيئا !!»... وهى دعوة صريحة صوب ضرورة ضخ التفكير بالحس نقدي، وهو ذلك الموقف العقلى الذى يدفع صاحبه إلى الحذر والتريث فى الخضوع للمسلمات والمعارف الجاهزة قبل إخضاعها للفحص والتحليل.
يحيلنا هذا بغرابة وبمتعة على إضافة فلسفية من القرن العشرين؛ والمقصود طبعا هو فلسفة التواصل لدى يورغن هابرماس؛ الفيلسوف الأمانى الكبير الذى كسر البروج العاجية للفلاسفة داعيا الجميع إلى إخضاع الفكر لامتحان الواقع، وكاسرا يقينية الميراث الفلسفى لفائدة مقاربة تذكر بجون ديوى والبراغماتية الواقعية الحديثة، مقاربة يسميها «التواصلية» فحواها أن ادعاء الحق الذى يولع به الفلاسفة فى كل فترة ولعا مبنيا على نبذ الآخر وإثبات الذات، وبدلا من ذلك يدعو هابرماس إلى قيم التواصل التى لا تقوم على الغلبة وهاجس الهيمنة، والعالى المعرفى والرؤيوى والبلاغى أيضا، من منطلق ملاحظته للسحر الكبير الذى تسلطه صياغات فلسفية معينة بسبب بلاغتها العالية وأساليبها التى تأخذ الألباب، فى مقابل كل ذلك يقوم قوام فلسفة التواصل على المحاججة والإقناع، ومقارعة الحجج بعضها ببعض لكى تكون الغلبة للأقوى لا للأحلى أو الأطلى... ولأجل ذلك استعاد هابرماس مفهوما كانطيا هاما هو «مفهوم الفضاء العمومي» الذى يبشر بالممارسة الديمقراطية، وبنوع من إشاعة تداول المعنى بين الناس.
أمارس هنا لذة أدبية على حواشى تأملاتى الفلسفية ناقلا عصارة جيدة مما ورد فى محاوراتى على مواقع التواصل الاجتماعى مع أصدقائى وشركائى المعرفيين وطلبتى المتميزين وأصدقائى الذين أحترم رأيهم وأشاركهم لذة المحاورة بحثا عن الهدف المطلق للإنسان فى الحياة: البحث عن الحق وبلوع الحكمة، «ومن يؤت الحكمة فقد أوتى خيرا كثيرا» – صدق الله العظيم- 
من القطوف الجميلة فى علب المحادثة:
- لماذا لا نملك ناقدا عربيا مثل هنرى غييومان؟ H. Guillemin الفرنسى المختص الكبير والذى لا يضاهى فى القرن التاسع عشر يعيد النظر فى أكبر القناعات وأكثر الأحكام رسوخا فيما هو متعلق بهذا القرن مما هو احكتم نقدية راسخة ودروسا أدبية متكررة فى المدارس... هل يمكنك أن تتصور يا أستاذ مفكرا فى الجزائر ينتقد الأمير عبدالقادر ومصالى الحاج وفرحات عباس وعبدالحميد بن باديس، كما يعيد قراءة بكر بن حماد وابن رشيق فى ضوء مذهب متشكك فى المكاسب التى غالبا ما نتعامل معها على أساس كونها قناعات «تاريخية»؟...هل يمكنك أن تتصور رجلا يتعامل مع التاريخ بريبية كبيرة ويفضل تأريخا نسبيا بدلا من التاريخ اليقينى الذى نعرفه؟
- البلاد أكبر من الأعلام... وأكبر بكثير من تصرفات رجال السياسة الحاليين... رؤساء الأحزاب المكلفين بمهام سيئة واضحة... رجال الأعمال الذين يدخلون السياسة لهدف واحد فقط: التكتل لتشكيل جماعة ضاغطة لا هدف لها سوى المحافظة على مصالحها... والكتاب والمفكرون والشعراء خاصة غالبا ما كانوا يعملون على جعلنا ننسى الظلام المهيمن ونتذكر الضوء... ذكريات النور الجميلة التى تجعلنا نعى بأن الظلام ليس قدرا بل مرحلة سبقها النور ولا بد أن يلحق بها نور ولو بعد حين... الحلم أسمنت الواقع... والواقع بلا حلم/أمل/خيال يصبح كابوسا.
- يروقنى التفكير ضد التيار، الخروج التام عن الطرق التى جرت العادة أن تكون طرق الناس المتبعة... تصبح الثقافة بخير حينما يأتى رجل يحول اتجاه السفينة من النقيض إلى النقيض؛ تماما كما فعل رائد الزنوجة إيمى سيزير المارتينيكى وهو يقلب قراءة التاريخ رأسا على عقب فى 1950 قائلا فى أعطاف «خطاب ضد الاستعمار»: «يستحق الأمر إجراء دراسة سريرية بالتفصيل حول نهج هتلر والحركة الهتلرية. دراسة تكشف لبورجوازى القرن العشرين، شديد التميز والأناقة والمسيحى إلى حد بعيد، أنّه يحمل فى داخله هتلر لا يعرف نفسه، أنّ هتلر يسكنه، أنّ هتلر هو شيطانه (...) وأنّه فى الحقيقة، ما لم يغفره لهتلر، ليس الجريمة بحد ذاتها، الجريمة ضد الإنسان بل الجريمة ضد الرجل الأبيض، وإذلال الرجل الأبيض، وكونه طبّق على أوروبا أساليب استعمارية لم تكن تطبّق إلا ضد عرب الجزائر وعمال الهند وزنوج أفريقيا».
خلاصات
كلما تابعت الأنباء فى العالم؛ أو ما يسمى «أنباء الساعة» وجعلت أحللها محاولا الانتقال من المظاهر صوب الجواهر، وجدت نفسى مقتنعا بأن مسيرة التطور البشرى تحتاج إلى قليل من التخلف... وإن كانت الدعوة إلى التخلف عسيرة بعض الشيء... والأفضل هو جعلها دعوة للتريث على الأقل... دعوة إلى قراءة التاريخ... إلى فهم تجربتى الأندلس وصقلية الأوروبيتين... والتواصل مع الشخصيات التاريخية ذات الطابع العالمي: الإسكندر المقدوني، الخليفة العباسى المأمون، ابن رشد، غوته... الشك فى العلم... كسر شوكة الرأسمالية الإمبريالية... استعادة الشعور بالإيمان والخوف من الله (مهما كانت طبيعة الدين ونوعه) لأن الإنسان الذى لا يخشى الله على أى مذهب من المذاهب هو إنسان متحجر القلب لأنه مغرور ويحلّ نفسه محل الله... كل هذه الأفكار تأتينى وفيها جميعها نزوع صوب استعادة نمط من الحياة قديم... والخلاصة سؤال (أليس السؤال خير مناورة لأجل ضمان حياة المحاورة؟): هل تكون أهم أجوبة المستقبل كامنة فى الماضى؟