البوابة نيوز : مدرسة البدري فرغلي! (طباعة)
مدرسة البدري فرغلي!
آخر تحديث: الإثنين 22/02/2021 07:51 م
علي الفاتح علي الفاتح
بقدر احتياج الوطن إلى مشروعات اقتصادية عملاقة ونظام تعليمى متطور، يحتاج إلى مدرسة تبني كوادر سياسية تدعم أركانه وتكون صمام أمان في وجه كل محاولة للنيل منه.
لم يكن الراحل البدرى فرغلى مجرد مناضل أو سياسى معارض نذكر مواقفه ومآثره الوطنية الشريفة بعد رحيله عن عالمنا؛ فقد قدم نموذجًا يستطيع كل سياسى شريف مؤيدًا لسياسات النظام وبرامج الحكومة أو معارضًا لهما، أن يحتذيه ويتعلم منه الكثير ليضيف للوطن خبرة جديدة.
لم يتخرج فرغلى في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بل حتى لم يستكمل دراسته بعد المرحلة الابتدائية حيث اضطرته ظروف أسرته الفقيرة إلى الالتحاق بالعمل في الشحن والتفريغ بميناء بورسعيد؛ ومع ذلك فاز بلقب "زعيم المعارضة الشعبية" وحاز حب الملايين وأولهم من خالفوه الرأى قبل من وافقوه.
عاصر العدوان الثلاثى في 1956 وشارك في المقاومة الشعبية في حروب 67 و73، بدأ رحلته مع القراءة والمعرفة وهو في سن الثانية عشرة وكان من مؤسسى حزب التجمع صاحب التاريخ الوطنى العريق.
لا تتسع سطور هذه الزاوية لسرد التاريخ السياسى والوطنى لمناضل بدرجة عاشق بحجم البدرى فرغلى، غير أن الوفاء له يقتضى التذكرة بما هو أكثر من مواقفه سياسيًا وبرلمانيًا لأربع دورات متتالية.
البدرى فرغلى في رأيي أسس مدرسة في الممارسة السياسية الشريفة المؤسسة على منهج علمى منضبط؛ ذلك أن ورغم اشتهاره بحدة مواقفه واستجواباته النارية إلا أنه لم يزايد يومًا على أحد من خصومه السياسيين والمعارضين لمواقفه سواء من الوزراء والمسئولين أو زملائه البرلمانيين من أعضاء الحزب الوطنى، والسبب في ذلك أنه لم يقدم يومًا استجوابًا أو طلب إحاطة، ولم يعلن موقفًا من قضية بعينها غير مؤسس على معلومات وحقائق مجردة لذلك لم يخسر قضية ولعل انتصاره في قضية أموال أصحاب المعاشات خير شاهد على ذلك.
البدرى فرغلى مذ دخل عالم السياسة وحتى رحل عن عالمنا لم يتخل عن صهوة جواده الذى صال وجال به كارًا لا فارًا شاهرًا سيف الحق في وجه الظالم لا الوطن ليقدم لنا خطابًا سياسيًا راقيًا يميز بين الخيط الأبيض والأسود، بين المعارضة والمناهضة.
حدة مواقفه لم تدفعه يومًا للتحريض على الدولة ولم يشوبها شائبة الدعوة إلى الفوضى أو العنف بحجة التغيير.
كان يدرك أن للكلمة ميزان وللموقف معيار وهذا ما نفتقده بسبب ضعف الخبرة السياسية لدى كثيرين.
هناك معارضون شرفاء في هذا الوطن لكن ضعف خبرتهم وقلة معرفتهم قد تقودهم لاستخدام خطاب يناهض ولا يعارض، يحرض ولا يحفز، وليس أخطر على الوطن من أن تغيب السياسة فيه عن فرسانها، حينها لن تجد إلا مؤيدًا مندفعًا بعواطفه ومشاعره لا إيمانًا واقتناعًا بما لديه من علم ومعرفة وقدرة على فهم الحقائق والمعلومات؛ وفى المقابل لن تجد إلا معارضًا لا يميز سيفه بين خصمه السياسى وعدو الوطن، ولايغادر جواده إلا عندما يسقط في هاوية سحيقة تختلط فيها مفاهيم الشرف والخيانة.
صحيح أن هذا البلد في أمس الحاجة إلى من يحترفون الإدارة معتمدين على العلم بكل مفرداته المعلوماتية والتكنولوجية غير أنه لحاجة أيضًا لمن يحترفون السياسة، فليس من حكومة تعمل بكل هذا الجد والنشاط إلا قد تخطئ وتذل بقدر ما تصيب وتنجح؛ وحتى تجد هذه الحكومة من يصحح خطأها ويعارض ذللها برشد فلا بد من مدرسة يتعلم فيها الناس كيف يمارسون السياسة التى بدونها لا ضمان لمستقبل كل إنجازاتها.
وفاءً للبدرى فرغلى هذا المناضل الذى مارس السياسة بشرف الفارس، لا بد وأن تنشط لجان التثقيف والتجنيد السياسى داخل جميع الأحزاب لبناء جيل جديد من السياسيين الشرفاء، ولعل حزب التجمع مدعو إلى نقل خبرته في هذا المجال بالتعاون مع غيره من الأحزاب العريقة إلى باقى الأحزاب السياسية حديثة النشأة التى تفتقد بياناتها الصبغة السياسية وتفتقر إلى الموقف الفكرى والاجتماعي والاقتصادى وتتسم في أغلب الأحيان بطابع بيانات العلاقات العامة.
غير أنى اقترح أيضًا أن تقوم أكاديمية تدريب وتأهيل الشباب المنبثقة عن البرنامج الرئاسى بتأسيس مدرسة تحمل اسم البدرى فرغلى لتدريب الشباب على الممارسة السياسية تضاف إلى برامجها ويستعان بها بالخبرات المتراكمة داخل أحزابنا العريقة مثل حزب التجمع والوفد إلى جانب السياسيين والمفكرين الكبار بوزن د.مفيد شهاب ود. على الدين هلال وآخرين ممن تربوا سياسيًا في الاتحاد الاشتراكى وليس المهم الأيدلوجية لكن الخبرة السياسية العريضة التى لا تزال الدولة المصرية تستفيد منها حتى الآن.