البوابة نيوز : على باب الله.. أن تكون ماسح أحذية (طباعة)
على باب الله.. أن تكون ماسح أحذية
آخر تحديث: الأربعاء 22/05/2019 07:04 ص تامر أفندي
على باب الله
على باب الله
الناس كُتب، بعضها تقرأه لمرة وتتركه، وبعضها تعاود قراءته مرارا دون ملل، ويبقى الاحتمال الثالث هو أن ترى العنوان فلا تقرأ الكتاب. طيلة حياتى أتمعن فى تفاصيل الناس وأؤمن أنه دائما لديهم ما أحتاجه، فلربما قال أحدهم كلمة غيرت مزاجى الشخصي، ولربما منحنى أحدهم جرعة أمل ساعدتنى فى تدريب الصبر، الذى أتدرب عليه يوميا، فأنا قط لا أروض نفسى على أن الحياة آمنة، لم أفرح يوما بما هو آت ولم أحزن على ما مضى، ومن فرط ما مررت بتجارب اعتاد ذهنى دائما على فرض أسوأ الاحتمالات، لذا قد هيأت نفسى على أن أقتات من أى عمل إذا ما أغلقت صاحبة الجلالة أبوابها فى وجهي، لكن معضلة أن تقنع نفسك بذلك أمر أشبه بالمستحيل، فهناك فى خلجات كل نفس يكمن جزء من الكبر -زاد أو قل- لكنه حتما موجود، ومن باب توقع الأسوأ وأثناء ممارسة عملى الصحفي، أضع نفسى محل هؤلاء أصحاب المهن الأخرى، واليوم حكايتى مع ماسح الأحذية، الذى وجدته صدفة، شاب ثلاثيني، يحمل سمات الجمال وإن كان يداريها.. جلبابه الرث وحذاؤه البلاستيكي، للوهلة الأولى أدركت أننى أمام الصنف الثانى من أنواع الكتب، فقررت أن أقرأه، لكن صفعنى هذا الشاب بردة فعله الثائرة؛ إذ إنه رفض فى بادئ الأمر الكلام، وقال: «أنا عليا تار لا هتكلم ولا هتصور»، وبعد مناقشة أدركت أن هذا الشاب بعنفوانه يكشف الغطاء عن الحقيقة، وهى أن الكثير منا يصطنع الرضاء لأنه ليس باليد حيلة، والحديث فى مواضع كثيرة، عن الكسب من عرق الجبين والكفاح والنجاح والرضا بالمقسوم غيمات دون حبات مطر تُرطب القلب، نعم نحن لا نختار أقدارنا، لكنا نصنعها إذا أردنا ذلك، وأدركنا السبيل، «محمد أحمد» واحد من شباب الصعيد الذين فروا فى القطار من أقاصى الجنوب، لأن شبح الفقر احتل القرى والنجوع هناك، لم تعد كسرات الخبز تكفى لسد رمق الجميع، فكان الحل فى المدينة، خرج الشاب من قريته بلا مؤهلات وبلا يقين وبلا حلم، فحط برحاله تحت أقدام المدينة بوجهها العابس وبزحامها الطاحن، فلم يجد فيها مبتغاه، وحده صندوق الورنيش من رآه فى ذهنه، فأقدم عليه بنفس غير راضية «شغلانة والسلام»، سرقته السنوات وبرغم لمعة وجهه من انعكاس أضواء المدينة، إلا أن شيئا ما ينقصه، ربما بحث عنه فلم يجده، فرفع الراية واستسلم لـ«الكيف»، وكيف؟ هذه مسبباتها كثيرة، يسأل عنها من تسبب فى انكفاء هذا الشاب على صندوق الأحذية ورمى بالسبب على القدر، «محمد» يخفى عمله حتى عن أهله؛ لذا لا يرغب فى التصوير، ربما خدعهم وقال لهم إنه وجد عملا فى إحدى الشركات حتى لا يُحمّل والده همًا فوق همه، أو ربما خاف أن تتركه حبيبته، التى ترك لها هناك القميص والبنطال ووعدها أنه سيعود بالأستاذية، «محمد» أشعرنى بمرار وقد كنت أبحث لديه عن زود من الرضا، أدركت أن الأمر غاية فى الصعوبة أن تعمل ماسح أحذية، وتخيلت من حولى حينها، من سيتركنى ومن سيبقى معي.. هل ستتركنى حبيبتي؟ هل سأخفى الأمر عن أسرتي؟ ماذا سيكون حالى إذا كانت إحدى الأقدام الممدودة على الصندوق لمرءوس كان معى فى العمل؟ غصة فى الحلق أصابتنى لولا أن هاتفا همس فى أذنى كن دائما حسن الظن بالله، فكانت تلك المقولة هى الثمامة التى علقت بها روحي، فآفة محمد ليس فقط فى عدم تعليمه مهنة، ولكن فى عدم تعليمه الرضا، فدربوا أنفسكم وأبناءكم على «الرضا»، فهذا وإن أمعنا التفكير، الميزة الربانية بين ماسح الأحذية وأصحابها.