الإثنين 17 يونيو 2024
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
عبدالرحيم علي
رئيس التحرير
داليا عبدالرحيم
رئيس مجلسي الإدارة والتحرير
عبدالرحيم علي
رئيس التحرير
داليا عبدالرحيم

آراء حرة

تامر أفندي يكتب: الـ"أكتر من كده" بين الـ"هاللو" والـ"جود باي"

تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق google news

في محاولة لضبط مؤشر "الراديو" بين فواصل "الكاميرات" التي زُرعت على الطريق، تصببت عرقًا فلا "الإريل" يلقط الإشارة.. ولا "الراديو" يكف عن "الدوشة" وما بين "هاللو" و"جود باي" اللتان تظهران على الشاشة مع كل "ضغطة زر"، ثمة معاناة متكررة لا يشعر بها إلا صاحب مزاج تربى على "صوت الأثير" و"عضعضة الحجاير".. بعد محاولات فاشلة.. خرجت بعض الكلمات متقطعة قبل الصمت التام:  "أكتر من كده إيه!".. ولا أعرف إذا كانت هذه الكلمات لسان حال "الراديو" الذي تجاوز عمره الافتراضي فنطق بعدما فقد صبره، أو هي جملة اعتراضية أرسلها "الإريل".. لكنها مست شغاف قلبي هذه المرة برغم أنني أعرفها وسمعتها وغنيتها.. لكن هنا أدركت أن "أكتر من كده" ليست ثلاثة كلمات بل هي حد فاصل بين الممكن واللاممكن.. بين الجائز وغير الجائز.. بين ما يُستطاع ومالا يستطاع.. بين حقك وحق غيرك.

هذه الـ" أكتر من كده" إما زيادة عن الحاجة أو الإرادة أو الإمكانات والإمكانيات.. "أكتر من كده".. هي انتقاص من حق وزيادة في غير حق.. هي آخر خطوة في مشوار الاحتمال.. بعد الـ"أكتر من كده" تتبدل المعاني والمشاعر وتتحول الحدائق إلى صحاري.. تجف ينابيع الصبر فتنمو حشائش الغضب تأكل ما تبقى من حياء ورحمة في وجه الأرض.

"أكتر من كده"..هي العبارة الوحيدة التي يستخدمها البشر ربما لمرة واحدة قبل تفكيكها وإعادة حروفها لترتيبها في الأبجدية، فلا فائدة من بقائهم في شكلها وتشكيلها بعد قولها.

"أكتر من كده".. هي الحد الفاصل لدركة الانهيار بعد اكتمال الركض في دوائر الحياة من حب وعطاء وإخلاص وتضحية وحتى بيع وشراء.

"أكتر من كده".. هي العقاب البشري والجائزة الربانية التي ليس لبشر القدرة على منحها أو اكتسابها، فإذا ما حاول بشر تخطيها سقط وتحول كل ما بذله من باء إلى ياء.. نٌقطة تحول الانبهار إلى انهيار.

لا حبيب يُفارق إلا بعد "أكتر من كده"، لا حليم يغضب إلا بعد "أكتر من كده".. ما قبل "أكتر من كده" هي حدود التكليف الرباني.. هي حدود القياس اللإهي لتحمل النفس البشرية.. "أكتر من كده" هي معنى لا النافية والناهية في "لا يٌكلف الله نفسا إلا وسعها".. هي اللحظة الفاصلة بين نهاية ابتلاء أيوب وشفائه، هي حركة شفاه عيسى قبل النُطق في المهد، هي آخر نقطتي التاء المربوطة في حيرة موسى قبل أن يُشق البحر، هي موضع آخر إصبع لـ«دي أرتشياك» قبل أن يقذف في نهر السين، هي آهة توماس أديسون التي لم يجد لها شفاءً، هي خطأ نظرية برايس، هي طعم السيانيد على لسان فكتور ماير.. هي "أكتر من كده إيه" أو بمعنى أدق "أكتر من كده" هو "المفيش" أو "اللاشئ" أو الشئ الذي لا يملكه إلا الله".. 
وأخيرًا.. لا تجعل أحدًا يصل إلى هاء الثلاث كلمات.. فليس بعدها حروف لتٌعطي معنى.. أو ربما ما كان بعدها هو معنى "الموت"