البوابة نيوز : نجيب محفوظ.. ظلام الغريزة وثورة العقل في "قلب الليل" (طباعة)
نجيب محفوظ.. ظلام الغريزة وثورة العقل في "قلب الليل"
آخر تحديث: الأحد 30/08/2020 06:00 ص محمود عبدالله تهامي
نجيب محفوظ
نجيب محفوظ
في روايته "قلب الليل" سرد أديب نوبل نجيب محفوظ قصة جعفر الراوي الذي بدأت مع ذهابه إلى موظف وزارة الأوقاف للمطالبة بأملاك جده لأنه الوريث الوحيد لها، لكن الموظف يخبره أنه لا يملك ذلك لأن جده أوقف ثروته على أعمال الخير.
الناقد الأدبي الدكتور محمد حسن عبدالله في كتابه "الإسلامية والروحية في أدب نجيب محفوظ" وخلال فصل له بعنوان "من ظلام الغريزة إلى ثورة العقل" يعد هذه الرواية بمثابة الضوء المباشر، ويرى أن الرمز فيها غاية في الشفافية أو هو معدوم، على كثير مما خاض فيه النقاد حيال "أولاد حارتنا" و"الطريق" وما قد يخوضون فيه بالنسبة لملحمة "الحرافيش" أيضا، فضلا عن عدد من القصص القصيرة التي اهتمت بالجوانب الميتافيزيقية وتفسير الأخلاق والسلوك الإنساني واحتمالات المستقبل العقيدي".
وفي محاولة للتقريب بين عملين مثل "أولاد حارتنا" و"قلب الليل" يلفت "حسن عبدالله" إلى أن الرواية الأخيرة نجد فيها الحارة القدمية أو التاريخية لا تختلف عن حارة الجبلاوي في مدلولها وإن غابت تفاصيلها المادية.. وأن أطراف الصراع هنا يتخلفون عنهم هناك، لقد ثار الصراع في "أولاد حارتنا" بين دعاة الإصلاح وطلاب العدالة وبين الظلم والجبروت ممثلا في ناظر الوقف في حين يتضور أحفاد الجبلاوي جوعًا".
ويتابع أنه في "قلب الليل" فإن حفيد الراوي يعاني المسغبة والضياع بين أعوام من السجن بعثرات ماضية قضت على مستقبله، أما الطرف الآخر في الصراع فهو الوزارة وهي لا تستأثر بالوقف، وهو الاستثناء الوحيد لهذه القاعدة، ومن ثم فقد ظل ريعه يذهب إلى الحرمين الشريفين ومسجد الإمام الحسين بالإضافة لجمعيات خيرية ومدارس وتكايا وأسبلة".
ويوضح له الموظف أن الوقف لا يمكن أن يئول إلى شخص بحال من الأحوال، ويرد جعفر محددًا وجه المشكلة: "ولكني حفيد الراوي ووريثه الوحيد وإني في مسيس الحاجه إلى مليم على حين أن الإمام الحسين غني بجنات النعيم".
ولكن وسط هذه الأزمة وهذه المشكلة التي تبدو مادية في المقام الأول للبطل، والتي يعرض لها محفوظ.. ما هي الأزمة الحقيقية التي ينظر إليها من خلف "رمز غاية في الشفافية" في روايته "قلب الليل"؟
الناقد الراحل رجاء النقاش أشار في كتابه "في حب نجيب محفوظ" إلى أن أعمال أديب نوبل تعبر بشكل دائم عن "مأساة عنيفة وكبيرة"، وفي توضيحه لهذه المأساة شرح دور نشأة محفوظ وسط الطبقة المتوسطة وتوالي عدد من الأزمات عليها منها الاقتصادية والاجتماعية وغيرها، لذا تأثر الروائي الكبير بمثل هذه النشأة حيث تولى التعبير عنها في صور متعددة.
يقول "النقاش" إن "أي قراءة سريعة لأدب نجيب محفوظ تؤدى على الفور غلى الشعور بأنه أدب تراجيدي أو أدب يعبر عن مأساة عنيفة كبيرة.. إن نجيب محفوظ واحد من هؤلاء الفنانين الكبار الذين تنجبهم الحياة وكأنها تريد بظهورهم أن تحافظ على وجودها فلو لم يوجد نجيب محفوظ لما أتيح للمجتمع الحديث أن يجد تسجيلا لعواطفه وأزماته وتطوراته الروحية بكل هذه الخصوبة والعمق.
ويتابع "النقاش": أي تفكير في بيئة نجيب محفوظ وشخصيته الفنية يفسر لنا اتجاهه إلى المأساة في أدبه، فنجيب ولد ونشأ في القاهرة وولد ونشأ في الطبقة الوسطى الصغيرة وعاش فردا من أفراد هذه الطبقة ومعظم رواياته وخاصة في مرحلته الأولى مكتوبة عن هذه الطبقة.. ووقعت تلك الطبقة في أزمة كبيرة وبدأت الأمراض النفسية والاجتماعية تغزوها من كل جانب".
إشارة "النقاش" إلى المأساة في أعمال محفوظ كانت في غاية الأهمية، لأن المأساة تلك كانت على عدة مستويات وأبرزها هنا في "قلب الليل" مأساة الإنسان العاقل، حيث يسقط العقل أمام تحدى العقل نفسه، ومأساة عبور الإنسان من دوافع الغريزة إلى ثورة العقل. ولأن محفوظ ينفذ إلى مأساة الإنسان وأزمته مع العقل وربط ذلك مع التاريخ الديني فإن الدكتورة سناء شعلان لفتت إلى ربط محفوظ المكان في روايته "قلب الليل" بالأسطورة. 
في كتابها "الأسطورة في أدب نجيب محفوظ" تقول "سناء": المكان في رواية "قلب الليل" مكان يوهمنا بواقعيته ومعاصرته، إلا أننا نحار في حقيقته، عندما نعرف أنه يعج بالعفاريت والملائكة والشياطين، فهو مكان ينفتح على أبواب غامضة، تتسلل منها الشياطين، ثم يجيء إبليس نفسه في موكبه الناري يحف به القضاة ورجال الشرطة والسجانون في حين أن العفاريت تسكن في "قرار" بيت "جعفر الراوي" وهم عفاريت يمتازون وفق رأي جعفر بالدعابة "فكانوا يميلون بطبعه للدعابة ولا يصدر عنهم أذى حقيقي، يخلطون المش بالعسل، أو يخفون السمن لاستعمالهم الشخصي، أو يطفئون المصباح بيد الماشي ليلا وأسوأ مزاحهم تحويل الأحلام إلى كوابيس". 
هذا الربط العجيب بين بيت الراوي الكبير وبين الصورة الغرائبية للشياطين والعفاريت، وأيضا مع التاريخ الديني، يجعل من السهل على المتلقي الوصول إلى غاية محفوظ في رصد دوافع الغريزة لدى الإنسان التي تتحكم فيه وصولا إلى تحكم العقل وثورته ووقوعه أيضا في مصادرة الراي والتعصب.
في "الإسلامية والروحية في أدب نجيب محفوظ" يتابع حسن عبدالله رصد تلك الرحلة التي خاضها جعفر الراوي، فيقول: "بدأ التمرد بالاشتهاء والتطلع، ها هي ذى الغرائز بدأت تفرض نفسها ولقد بدأ يشتهى الجمال في بيت الجد نفسه ولكن رئيسة الوصيفات تقول له: لا تعرض نفسك للهوان جدك يعتبر جميع ما في البيت امتدادا لشخصه والمساس بأي منها مساس بذاته المصونة.
وتتحدث الرواية عن الإنسان الإلهي الذي ورد ذكره على لسان الراوي الجد: "عليك أن تكون إنسانا إلهيا إني لا أدعوك للزهد فإن عملي الأول هو إدارة الأملاك".
 ويعلق "حسن عبدالله" على ذلك: "إذن فالإنسان الإلهي من وجه نظر الراوي ليس الإنسان الزاهد في الحياة إنه يمكن أن يملك وأن يحكم وربما تجبر "قاطع طريق" ولكنه يفعل لا حبا في الحياة لذاتها وإنما ليحاول إعادة تشكيلها لتوافق العقيدة، أما الإنسان الدنيوي فهو الذي يحتفظ بالدين كإطار وعلاقة رسمية ويحتفظ للدنيا بالمعايشة، أي يتصرف فيها بمنطقها الخاص الذي يسوقه إلى مغادرة الرؤية الدينية الخالصة بمزجها أو التوفيق بينها وبين العلم والفلسفة".
بطل الرواية الذي يهجر جنة الأمان والراحة ليمشي خلف "مروانة" يخوض تجربة لا يرضى عنها، لكنه عندما يعرف المشاعر الصادقة يتحرك باتجاه العمل وفي طريقه ناحية المعرفة الصحيحة يصاب عقله بمزيد من الحيرة وذلك كما يراه هو من أجل استبداد الغريزة وتضليل العاطفة.
يشرح "حسن عبدالله" لتلك الرحلة قائلا: "استهدف جعفر للإغراء والتمرد وهجر جنة الأمان والراحة والتأمل من أجل مروانة أو الغرائز وتخبط في أعمال من إيحاء تلك الغرائز لها دلالة الحرية والإرادة، كما أن لها دلالة البطالة المقنعة لكنه حين عرف العواطف الأصلية عرف العمل.. العواطف الصادقة قادته إلى العقل ولقد اصطحب درس الغريزة معه وأراد أن يطبقه على العاطفة، وحين أراد أن يعرف قادته العاطفة إلى المعرفة.. لكن استبداد الغريزة وتضليل العاطفة أو عدم انضباطها جعلت من الإنسان العاقل مأساة.
كما يلفت إلى أن العقل خلال هذه الرواية قد سقط أمام تحدى العقل نفسه، وقد ظهر ذلك واضحًا عندما سقط سعد كبير قتيلا بيد تلميذه جعفر الراوي، لأنه اتهم مذهبه الثلاثي بالتلفيق ولم ير للعدالة طريقا غير الماركسية.. فهو يسقط في وهدة التعصب وهو ما يضاد العلمية والموضوعية معا..
ويختتم "حسن عبدالله" بكلمة جعفر الراوي التي يقول فيها: "ياعقلي المقدس.. لماذا تخليت عني"، ويتابع: تلك أولى الدروس المستفادة من تجربة جعفر إنه التمرد أبدا بدوافع الغريزة وبدوافع العقل فلم يعصمه العقل عن الجريمة حتى وإن كانت الجريمة عاقلة فإنها ستبقى جريمة".