الثلاثاء 23 أبريل 2024
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
عبدالرحيم علي
رئيس مجلسي الإدارة والتحرير
عبدالرحيم علي

البوابة القبطية

قصة كنيستين.. الروسية والقبطية الأرثوذكسية ألف عام من التقارب

قداسة البابا تواضروس
قداسة البابا تواضروس
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق google news

الكنيسة الروسية الأرثوذكسية البطريركية، وتعرف أيضًا بكنيسة روسيا الأرثوذكسية المسيحية، هى أكبر كنيسة أرثوذكسية شرقية مستقلة، حيث يربو عدد أتباعها على 150 مليون شخص.
ووصلت المسيحية للبلدان السلافية الشرقية بفضل جهود يونانيين بُعثوا من الإمبراطورية البيزنطية فى القرن التاسع الميلادي، وفى عام 988م قام فلاديمير الأول أمير كييف (المعروف لاحقا بالقديس فلاديمير) باعتناق المسيحية على المذهب الأرثوذكسى داعيا جميع رعاياه على الدخول فى هذه الديانة أيضا، ومع قدوم القرن الرابع عشر استقر مقر رئيس أساقفة كييف وعموم روسيا (رئيس الكنيسة الروسية) فى موسكو، واحتفظت الإمارات الروسية الغربية بأبرشيات مستقلة ولكنها خضعت بدورها فى وقت لاحق لسلطة موسكو.
واعتبر الروس الأرثوذكس موسكو بأنها روما الثالثة (بعد القسطنطينية روما الثانية) وبأنها آخر حصن للعقيدة الأرثوذكسية، وهكذا فى عام 1589 نال رئيس الكنيسة الروسية لقب بطريرك واضعا نفسه بمرتبة بطاركة القسطنطينية، الإسكندرية، أنطاكية وأورشليم.
وتسببت إصلاحات البطريرك بانقسام فى جسم الكنيسة الروسية، نيكيتا مينون (1605- 1681) وفى عام 1721 قام الإمبراطور بطرس الأول بإلغاء البطريركية جاعلا الكنيسة من مؤسسات الدولة يدير شئونها مجلس للأساقفة.
أعيد تأسيس البطريركية عام 1917 قبل شهرين من بدء الثورة البلشفية وذلك بتنصيب تيخون كبطريرك للكنيسة، ولكن تحت الحكم السوفييتى كانت الكنيسة محرومة من حقوقها القانونية وتعرضت لعملية قمع واضطهاد وخسرت الكثير من أتباعها نتيجة سيادة الفكر الإلحادى فى الاتحاد السوفييتى وفى عام 1925 سجن البطريرك وقتل بأمر السلطات، ولكنها شهدت نهضة روحية كبيرة عقب انهياره عام 1991 حيث عاد إليها الملايين من الروس. 
خلف البطرير تيخون عدة بطاركة لرعاية الكنيسة فى تلك الحقبة الصعبة، وهم: البطريرك سيرجيوس (1943-1944)، البطريرك اليكسيوس الأول (1945-1970)، البطريرك بيمين (1971-1989)، البطريرك أليكسى الثانى من 7 يونيو 1990 حتى تاريخ وفاته فى 5 ديسمبر 2008، البطريرك كيريل الأول 2009 وما زال.
للكنيسة الروسية اليوم 150 أسقفية و242 ديرا، وانفصلت الكنيسة الروسية الأرثوذكسية فى الولايات المتحدة عن الكنيسة الأم فى موسكو عام 1970، ويتبع للكنيسة الروسية الأرثوذكسية عدة كنائس أرثوذكسية خارج روسيا، أبرزها: الكنيسة اليابانية الأرثوذكسية، الكنيسة الأوكرانية الأرثوذكسية، الكنيسة الصينية الأرثوذكسية والكنيسة الكورية الأرثوذكسية
فى 13 سبتمبر 1922 منح رجال الدين الروس الأرثوذكس فى صربيا بركتهم لإنشاء سنودس أساقفة روسيا فى الخارج، فكان هذا التاريخ هو تاريخ ميلاد الكنيسة الروسية الأرثوذكسية خارج روسيا، وفى شهر نوفمبر من نفس العام عقدت الكنيسة الروسية الأرثوذكسية فى الولايات المتحدة سنودس انتخب لرئاسته الميتروبوليت بلاتون كرئيس لكنيسة روسية مستقلة فى الأمريكييتين، والتى تعرف اليوم بالكنيسة الأرثوذكسية فى أمريكا، شهدت تلك الفترة صراعات دارت فى الولايات المتحدة بين الكنيسة الروسية فى الخارج ومع الكنيسة الحية (المنظمة من قبل الحكومة السوفييتية)، والتى كانت تطالب بأنها تملك كل ممتلكات الروس الأرثوذكس بالمهجر،واعتبرت الكنيسة الأرثوذكسية خارج روسيا -والتى تمركزت فى نيويورك- نفسها بأنها ممثلة للروس الأرثوذكس فى المهجر وبأنها الصوت الحر للكنيسة الروسية الأم الواقعة تحت سلطة الحكم السوفييتي.
عقب انهيار الاتحاد السوفييتى حافظت كنيسة خارج روسيا على استقلاليتها عن بطريركية موسكو، وذلك لحجج عديدة أهمها أن الكنيسة داخل روسيا لا تزال خطرة وتعانى من تبعات الحكم السوفييتي. وذهبت بعض من تلك الحجج بعيدا لتقول بأن الهيكل التنظيمى للكنيسة الروسية بأكمله مخترق ويعج بعملاء الكى جى بي. 
وخلال السنوات اللاحقة كانت هنالك بعض الاتصالات الإيجابية السرية بين الطرفين، وفى عام 2001 تبادلت بطريركية موسكو وكنيسة خارج روسيا الزيارات الرسمية.
وكانت كنيسة خارج روسيا قد بدأت بعد انهيار الاتحاد السوفييتى بتأسيس عدة رعاية تابعة لها فى روسيا والدول الاشتراكية السابقة بلغ عددها المائة يديرها أربعة أساقفة. اثنان منهم خرجوا عن الـ (ROCOR) فى أبريل 1994 وأسسوا لنفسهم إدارة مستقلة دعوها بالكنيسة الروسية الأرثوذكسية الحرة، ورسموا لها ثلاثة أساقفة جدد. ولكن الأسقفان عادا لكنيسة خارج روسيا فى نوفمبر/تشرين الثانى 1994 واعتبرت رسامة الأساقفة الثلاثة الجدد باطلة.
انفصال كنيسة أوكرانيا عن روسيا، ويعود ذلك إلى 15 ديسمبر 2018، حينما عقد نحو 190 أسقفًا وكهنة وقادة من الكنيسة فى أوكرانيا اجتماعًا امتد ساعات طويلة داخل كاتدرائية «سانت صوفيا» بحضور الرئيس الأوكرانى لانتخاب رئيس الكنيسة الأوكرانية الموحدة الجديد المطران إبيفانيوس، معلنين «تأسيس كنيسة أرثوذكسية مستقلة خاصة ببلادهم»، ليغيروا تقليدًا دينيًا يمتد عمره إلى قرون طويلة، إذ كانت كنيسة كييف تابعة إلى موسكو.
وفى أعقاب ذلك سافر المطران المُنتخب إلى إسطنبول، حيث البطريركية القسطنطينية المسكونية (المقر التاريخى للكنيسة الأرثوذكسية الشرقية) ليحصل على «أمر رسمي» يمنح كنيسة كييف «الاستقلال».
أثار الأمر غضب الكنيسة فى روسيا التى أعلنت قطع العلاقات مع بطريركية القسطنطينية فى إسطنبول احتجاجًا على موافقتها على طلب أوكرانيا إقامة كنيسة مستقلة، ووصفت التحرك بأنه «أكبر انشقاق فى المسيحية منذ ألف عام».
وشبَّهت الاستقلال بالانشقاق العظيم الذى حدث بعد مجمع خلقدونية ذلك المجمع نعقد سنة 451م يُعتبر من أهمّ المجامع، إذ نجم عن هذا المجمع انشقاقٌ أدّى إلى ابتعاد الكنائس المشرقيّة عن الشراكة مع الكنيستين الرومانيّة والبيزنطيّة الذين يرون أن مجمع خلقيدونية هو المجمع المسكونى الرابع. الكنائس المشرقيّة رفض القرارات الصادرة: العقيدة الخلقيدونية، وإصدار 28 قانون، وا اصطلاح «طبيعتين».
الانشقاق العظيم
مما تقدم نستطيع أن نقول أنه نتج عن مجمع خلقيدونية انشقاق الكنيسة الواحدة إلى مجموعتين من القرن الخامس الميلادى وحتى الآن وهما، أولًا: الكنائس اللاخلقيدونية وتتمثل فى:
الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، وكنيسة الحبشة، وكنيسة أنطاكية، وكنيسة الهند، وكنيسة اتشمبازين، كنيسة انتلياس، كنيسة اريتريا، ويرأس كل كنيسة من الكنائس السبع بطريركًا.
ثانيًا: الكنائس الخلقيدونية وهي:
أ- الكنائس البيزنطية (الروم الأرثوذكس) وتتمثل الآن فى تسعة عشر كنيسة هي:
القسطنطينية، الروم الأرثوذكس بالإسكندرية، إنطاكية، أورشليم، روسيا،صربيا، رومانيا، بلغاريا، جورجيا،قبرص، اليونان، تشيكوسلوفاكيا حتى بعد الانقسام بين السلاف والتشيك، بولندا،البانيا، جبل سيناء، وفلندا، واليابان، وأمريكا، والصين، وانقطعت العلاقة بين الكنائس اللاخلقدونية الستة بقيادة الكنيسة القبطية الأرثوزكسية، والكنائس الأرثوزكسية التى اعترفت بقرارات مجمع خلقودنية الـ 19 بقيادة الكنيسة الروسية الأرثوزكسية، بالطبع هناك فرق ألف أم بين كنيسة روسيا الأرثوزكسية وكنيسة مصر القبطية الأرثوذكسية التى تأسست من ألفى عام.
ومن هذه الخلافات اللاهوتية نستطيع أن نتفهم أشياء كثيرة، وموقف الكنيسة القبطية الأرثوذكسية من اتجاهات الكنيسة الروسية:
من جهة أخرى ومنذ فوز ترامب فى رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية صعدت أممية دينية مسيحية، خاصة بعد التفاف كل الكنائس الأمريكية على اختلافاتها العقيدية حوله، وكانت الخريطة الدينية فى العالم بدأت تتغير، ومن ثم نتوقف بالدراسة للموقف فى ضوء محاولات الكنيسة الأرثوذكسية الروسية استقطاب الكنيسة القبطية الأرثوذكسية نحو تحالف أرثوذكسى من منطلق سياسي.
على مدى التاريخ تم استخدام الأديان فى الصراعات السياسية، وفى القرن الماضى بدأ الغرب فى استخدام الدين فى الحرب الباردة، ورسم استراتيجيته مستغلين فى ذلك مجلس الكنائس العالمي، فى ضوء هذه الخبرة التاريخية للكتلة الشرقية مع استخدام الدين فى الحرب الباردة أصبح من الواضح أن الرئيس الروسى فلاديمير بوتين سيستخدم الكنيسة فى مخططه الاستراتيجى للدولة الروسية وأمنها القومي، بدا ذلك بالاهتمام بعقد المؤتمر المسكونى للكنائس الأرثوذكسية، هذا التحرك يؤكد أن هناك تصورا واضحا للدولة الروسية وكنيستها للتوجه الاستراتيجى الذى يخدم أمن البلاد القومى.
منذ منتصف الثمانينيات بدأ البطريرك المسكونى للكنيسة الأرثوذكسية من مقره الأوروبى فى جينيف محاولة لإنهاء الخلافات بين العائلتين الأرثوذكسيتين وعمل على صياغة اتفاقية للاعتراف اللاهوتى المتبادل، وبدأ فى عرضها على الكنائس المختلفة للحصول على موافقتها وقد وافقت عدة كنائس على الاتفاقية منها الكنيسة القبطية، جاءت الموافقة على أساس أن الاتفاقية تقر ما تؤمن به الكنيسة القبطية، كما أنها لا تمس بأى شكل من الأشكال استقلال الكنيسة، غير أن الكنيسة الروسية كانت أبرز المعارضين للاتفاقية وقادت حملة لمنع الكنيسة القبطية من أن تكون ضمن الكنائس الأرثوذكسية المعترف بها عالميًّا، وهو أمر لا يزعج الكنيسة القبطية على الإطلاق، إذ تعتبر نفسها أهم كنائس العالم كونها كنيسة الإسكندرية العظمى، وما زال الموقف المعلن للكنيسة الروسية من الاتفاقية كما هو لم يتبدل.
وفى السنوات الأخيرة بدأ الموقف فى الكنائس الأرثوذكسية البيزنطية يتبدل، فنحن نلحظ اهتمامًا غير عادى من المؤسسات المسيحية فى روسيا وبلدان أوروبا الشرقية بكل كنائس المنطقة الأرثوذكسية، فى سوريا ولبنان والأردن وفلسطين والسودان فضلًا عن مصر.
وعلى سبيل المثال كان استقبال الكنيسة الروسية للبابا تواضروس فى زيارته الأخيرة إلى موسكو استقبالًا حافلًا وكبيرًا، وأكد أن هناك تغيرًا إيجابيًّا ما فى الموقف الروسى من انضمام الكنيسة القبطية للأرثوذكسية العالمية، وتم عقد اجتماع كبير للكنائس الأرثوذكسية فى الأسبوع الثانى من شهر مارس 2015 اتفق فيه الحاضرون على استمرار النقاش فى الكثير من الملفات الحساسة مثل العلاقة مع الغرب والعلاقة مع الإسلام، والأهم أنهم اتفقوا على عقد المجمع المسكونى للكنائس أرثوذكسية فى عام 2016 الذى كان مفروضا  عقده لأول مرة منذ 2020 عام يتعثر انعقاد المؤتمر نتيجة لوجود مشكلات داخلية بين الكنائس المشتركة.
المؤشرات كلها تؤكد أن هناك رغبة من الكنيسة الروسية على فرض زعامتها للأرثوذوكسية العالمية وضم الكنائس المشرقية لها بتنازلات ترضيها.
وأهم ما نرمى إليه هنا أن ندرك كيف يتحرك الآخرون، سواء كانوا حلفاء أو أعداء، خاصة أنه لا خوف من الكنيسة القبطية وحركتها، فهى حساسة جدًا لكل ما يمس استقلالها وهى كنيسة لا يمكن أن تدور فى فلك أى كيانات خارجية مهما كان حجمها وقوتها، وهذا الموقف للكنيسة القبطية ليس نابعا من قوة قادتها وإنما التراث القومى لهذه الكنيسة هو الذى يملى على قادتها ما تفعله.
نحن بحاجة إلى قراءة مستفيضة للفضاء الدينى الأرثوذكسى وتأثيراته المحتملة، وفى الوقت ذاته وبنفس القدر من الأهمية إعادة النظر فى استراتيجيتنا فى التعامل مع القضايا التى تهم الأقباط فى اللحظة الراهنة وتأثيرها على المستقبل. أيضا هناك أهمية للتمييز بين المسار السياسى والمسار اللاهوتى، والبحث عن طريق لبناء قوة لكنيستنا القبطية الأرثوذكسية إقليميا ودوليا، وابتكار آلية جديدة للتفكير بين الأزهر والكنيسة بعيدا عن الآليات السطحية مثل بيت العائلة، لدراسة موقف الكنيسة والأزهر بعد تأسيس الأممية الدينية لترامب وصعود اليمين الدينى الأمريكى، وأثر ذلك على كل الأوجه.
هكذا نحن أمام ثلاث أمميات دينية مسيحية، الأولى كاثوليكية فاتيكانية وتبدت فى وثيقة «الأخوة الإنسانية» التى بدأها البابا فرنسيس فى الإمارات 2019.
وأممية ترامب الإنجيلية 2016، ثم الأممية الأرثوذكسية التى يسعى لها بوتين منذ 2015، ولكن الكنائس المصرية على مختلف عقائدها تغلب الاتجاه الوطنى عن الدخول فى أى أمميات دولية.
ولازالت محاولات التقارب بين الكنيسة القبطية الأرثوذكسية والكنيسة الروسية الأرثوذكسية قائمة على الخلاف.