الأحد 14 أغسطس 2022
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
عبدالرحيم علي
رئيس التحرير
داليا عبدالرحيم
رئيس مجلسي الإدارة والتحرير
عبدالرحيم علي
رئيس التحرير
داليا عبدالرحيم

البوابة القبطية

البابا فرنسيس لـ«المجريين»:لا تخافوا من مجتمع متعدد الثقافات

البابا فرنسيس
البابا فرنسيس
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق google news

زيارة تاريخية لدولة معادية للاندماج.. ولقاء مع «الغجر» المظلومين
بابا الإنسانية ضد تيار المخاوف الأوروبية
البابا فرنسيس لـ«المجريين»: لا تخافوا من مجتمع «متعدد الثقافات»
البابا لـ«السلوفاك»: السبيل إلى التعايش السلمى هو التكامل وليس الانعزال

أصداء زيارة البابا فرنسيس الثانى للمجر وسلوفاكيا، فى الفترة من 12 إلى 15 سبتمبر الحالى، ما زالت حاضرة.. إختلافات وتباينات عديدة فى هذه الزيارة عن زياراته السابقة لدول العالم، ولكن يبقى العنوان الأساسى للزيارة أنها دعوة للاندماج المجتمعى والتنوع الثقافى وقبول الآخر، كما يمكن أن نعتبرها تدشينًا جديدًا لرؤية البابا رسول الإنسانية.
من خلال الدفاع عن التعددية الثقافية والتنوع الديني؛ وجه البابا فرانسيس رسالة جريئة إلى قادة أوروبا وشعوب البلدين.
الشعار الشهير ليوحنا بولس الثانى «لا تخافوا!»، الذى تم إطلاقه خلال القداس الافتتاحى لحبرته فى أكتوبر 1978، ظل محفورًا فى ذاكرة البابا فرنسيس، لكنه لم يستخدمه بنفس الصيغة خلال زيارته الأسبوع الماضى. ومع ذلك، كانت كل كلماته تهدف إلى إنعاش ذاكرة جميع الأوروبيين، وليس أولئك الموجودين فى وسط أوروبا أو الكاثوليك فقط.
قال لهم من حيث الجوهر، فى مواجهة التحديات المعاصرة التى ابتليت بها القارة: لا تتركوا الخوف يهيمن عليكم. لن يجعلكم ذلك غير مخلصين لأنفسكم فحسب، بل سيعزلكم أيضًا عن «مجتمع أخوي» نريده للإنسانية كلها.
وفى مواجهة تيار المخاوف الأوروبية؛ حاول رئيس الكنيسة الكاثوليكية التركيز على أهمية التنوع الثقافى والاجتماعى.. وبالذهاب إلى «جيتو» الغجر فى كوسيتش بسلوفاكيا، أراد أن يُظهر أن هذه التعددية هى من مكونات أوروبا، حتى لو لم يكن من السهل تنفيذها أبدًا، وعلى الرغم من أنها تنطوى على جهود «تكامل» مستمرة.
مَنْ، بخلاف هذا البابا، ما زال يجرؤ على المطالبة بهذا المصطلح «التعددية الثقافية»؟، لقد تخلت عنه الحكومات منذ فترة طويلة، مع تصاعد التوترات بشأن الهجرة داخل ناخبيها. ومع ذلك، فقد فعل ذلك أمام الأساقفة المجريين بالإشادة بـ«البيئة متعددة الثقافات».
وخلال هذه الأيام الأربعة، لم ينطق البابا فى كثير من الأحيان كلمة «مهاجر»، لكن الجميع سمعها بطريقة أو بأخرى من خلال صوت يؤمن بالإنسانية التى لا يمكن أن تدوم دون احتضان كل الثقافات والمكونات المتعددة للشعوب.
وحاول البابا فرانسيس أيضًا إقناع مسيحيى البلدين أنه إذا كانت لديهم ذكريات سيئة فى مسائل الحرية الدينية، فلا ينبغى حرمان الآخرين من هذه الحرية اليوم.. كانت كلماته «فى المجر تحديدًا» ترد بشكل غير مباشر على سياسة رئيس الوزراء فيكتور أوروبان، بطل الحركة المناهضة للهجرة، والذى يرفض بشكل قاطع قبول المهاجرين من دول العالم الإسلامى، كما يتضح ذلك من تصريحاته المتعددة ومن موقفه فى اجتماعات الاتحاد الأوربى ومن تأثيره على المجتمع المجرى بما يشمله من كنائس كاثوليكية أو غيرها.
وقال البابا بذكائه المعهود للأساقفة المجريين: لا ينبغى النظر إلى التنوع الدينى والعلمنة الحالية على أنها تهديدات بل «رسائل انفتاح وسلام.. تمسك المرء بجذوره يكون منطقيًا فقط إذا كان المرء يعرف فى نفس الوقت كيفية النظر إلى المستقبل».. لا يكفى الاستفادة من رمز الصليب، كما يفعل بعض السياسيين مثل ماتيو سالفيني، زعيم اليمين المتطرف فى إيطاليا، ليكونوا أوفياء لرسالة الشخص الذى صلب قبل ألفى عام.
وعندما وصل البابا فرنسيس إلى بودابست، فى زيارة مكرسة للقداس الختامى للمؤتمر الإفخارستى الدولي، وهو حدث للاحتفال بعقيدة الحضور الحقيقى للمسيح فى العالم يتم كل أربع أو خمس سنوات فى بلد مختلف، كانت كل الأنظار تتجه نحو اجتماعه القصير مع فيكتور أوروبان، حيث لا تزال خلافاته مع رئيس الوزراء، خاصة بشأن قضية الهجرة، حادة للغاية.
ولم يكشف البابا عن تفاصيل ما دار خلال لقائه مع فيكتور أوروبان، لكن التصريحات ذهبت إلى حد القول أن الطرفين تجنبا الحديث عن قضية الهجرة.
وأصر البابا على رؤيته الإنسانية.. أمام نحو 75000 شخص شاركوا فى القداس الذى أقامه، دعا البابا المجريين إلى «الانفتاح على الجميع»، فى إشارة مستترة إلى سياسة رئيس الوزراء فيكتور أوروبان المناهضة للهجرة، وقد كان أوروبان نفسه من الحاضرين «من أصول كالفينية لكن زوجته كاثوليكية».
واصل البابا: «المشاعر الدينية هى شريان الحياة لهذه الأمة المرتبطة بجذورها. الصليب مغروس فى الأرض، بينما المسيح يرفع ذراعيه ويمدها نحو الجميع. أتمنى أن تكون على هذا النحو: راسخًا ومنفتحًا، متجذرًا ومحترمًا».
وقبل هذا القداس، أجرى البابا مقابلة غير رسمية مع فيكتور أوروبان. وقد وصف الفاتيكان الاجتماع، الذى استمر نحو أربعين دقيقة، بأنه «ودي». فى الصور التى بثتها قناة الفاتيكان الرسمية، ظهر الحبر الأعظم مبتسمًا، فى حين بدا أوروبان أكثر تحفظًا بعض الشيء.
من جانبه؛ نشر أوروبان، على حسابه على فيسبوك، صورة لمصافحة زعيم الكاثوليك الذين يبلغ عددهم 1.3 مليار حول العالم، لكنه لخص اللقاء فى تعليق له مغزى: «طلبت من البابا فرانسيس ألا يهلك مسيحى المجر لتكون الصورة واضحة للجميع».
كما التقى البابا بالأساقفة، ثم ممثلين عن مختلف الطوائف المسيحية والجالية اليهودية، وهى الأكبر فى أوروبا الوسطى بنحو 100 ألف عضو وفقًا للتقديرات. وأشار بهذه المناسبة إلى «خطر معاداة السامية الذى لا يزال منتشرًا فى أوروبا وأماكن أخرى»، معتبرًا أنه «فتيل ينبغى إخماده».
وأضاف البابا، وهو مدافع كبير عن الحوار بين الأديان «إن أفضل طريقة لنزع الفتيل هى العمل معًا بطريقة إيجابية، من خلال تعزيز الأخوة».
كما قال البابا فى اجتماع الأساقفة: «لقد حولت المجموعات العرقية والأقليات والطوائف الدينية والمهاجرون هذا البلد إلى بيئة متعددة الثقافات. هذا الواقع جديد وقد يكون مخيفًا فى البداية على الأقل، فدائمًا ما يكون التنوع مخيفًا بعض الشيء لأنه يزعزع الإنجازات ويثير تساؤلات حول الاستقرار الذى تم الحصول عليه».
واستدرك قائلا: «فى مواجهة التنوع الثقافى والعرقى والسياسى والديني، يمكن أن يكون لدينا موقفان: ننغلق على أنفسنا فى دفاع صارم عن هويتنا المزعومة، أو ننفتح على لقاء الآخرين وننمى معًا حلم المجتمع الأخوي» وطلب من الأساقفة المجريين أن يكونوا «بناة الأمل» فى «هذه المغامرة الجميلة».
ودعا ممثلى «ديانة الأغلبية» إلى ألا يكونوا أداة لتقسيم وإقصاء الآخر. «من واجبك تعزيز الظروف بحيث يتم احترام الحرية الدينية وتعزيزها من قبل الجميع. ولديك دور نموذجى تجاه الجميع: لا يستطيع أحد أن يقول إن الكلمات التى تفرق بين أفواه رجال الله، إنما فقط رسائل الانفتاح والسلام».
مثلما اهتم البابا فى زيارته للمجر، بالتأكيد على التنوع الثقافى، حرص فى سلوفاكيا على زيارة «أكبر جيتو للغجر فى أوروبا»، ودعا إلى أهمية «اندماجهم» فى المجتمع وندد بالتمييز الذى تعانى منه هذه الأقلية فى البلاد.
تكدس نحو 4300 شخص من أصول غجرية أمام ساحات المبانى، وانتشر البعض وقوفًا فى الشرفات أو يطلون من النوافذ لإلقاء نظرة على البابا فرنسيس. وكان آخرون، قادمين من المناطق المحيطة، على مسافة من المنصة التى أقيمت للترحيب برئيس الكنيسة الكاثوليكية، تعلوها لافتة «مرحبًا بكم»، وذلك فى ضواحى كوسيتش، ثانى أكبر مدينة فى سلوفاكيا.
واختار البابا هذا المكان الرمزى للتنديد، بحالة هؤلاء السكان، فى سلوفاكيا وخارجها، وللمطالبة بإدماجهم.. يسكنون فى مبانٍ بنيت فى سبعينيات القرن الماضي، وتركزت فيها الغالبية العظمى من الغجر.. بسبب عدم وجود بنية تحتية وانعدام الصيانة، فإن حالتها تتدهور منذ ثلاثين عامًا. لا يوجد غاز، والمياه والكهرباء قليلة، والواجهات مظلمة. البطالة هى القاعدة والوظائف هى الاستثناء.
كانت الزيارة مؤثرة إلى حد كبير. قال البابا: «وضع الناس فى جيتو لا يحل أى شيء. عندما تغذى الإغلاق، عاجلًا أم آجلًا، يشتعل الغضب. إن السبيل إلى التعايش السلمى هو التكامل»، قال البابا أيضًا: «لا ينبغى لأى شخص فى الكنيسة أن يشعر وكأنه فى غير مكانه أو أنه مهمل. نعم، الكنيسة هى بيتك.
لا تدع أحدًا يتركك أنت أو أى شخص آخر خارج الكنيسة»، وتابع فى محاولة لـ«تطييب الخواطر»: «فى كثير من الأحيان، كنت موضع تحيزات وأحكام قاسية، وقوالب نمطية تمييزية، وكلمات وإيماءات تشهيرية»، وقد فسر العالمون بتاريخ البابا ذلك كونه، واحدًا من أحفاد مهاجرين استقروا منذ زمن فى الأرجنتين.
انطباعات الناس تعبر عن فرحة بلا حدود.. عبرت امرأة أربعينية تدعى سونيا عن سعادتها بقدوم رئيس الكنيسة الكاثوليكية، وقالت إنها تعتقد أنه سيجعل «الناس يروننا» وسيؤدى ذلك إلى «وقف العنصرية عندما يتعلق الأمر بالغجر».
وقال ميروسلاف، الذى يعيش جوار الغجر: «من الجيد أن يختار خليفة القديس بطرس المجيء إلى هذا النوع من المجتمع، وليس فقط لأولئك الأكثر بريقًا».. الكاهن ماريان دراهوس يعمل مع مجتمعات الغجر الأخرى فى المنطقة، يقول بصراحة: «مجيء البابا مفيد لهؤلاء الناس، الذين لا يعتقدون أنهم قادرون على الاندماج فى المجتمع، حتى لو كانوا يهتمون بذلك. إنه مفيد أيضًا لنا جميعًا، لأننا غالبًا ما نكون عنصريين عندما يتعلق الأمر بهم».
باختصار، كانت أربعة أيام أكد ت من جديد، رسالة البابا الداعية للسلام والمحبة والتعايش، سبيلًا لارتقاء الشعوب.