رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
عبد الرحيم علي
رئيس التحرير التنفيذي
داليا عبد الرحيم
د. نهلة الحوراني
د. نهلة الحوراني

الدولار المنخفض واقتصاد أمريكا

الجمعة 03/أبريل/2020 - 08:15 م
طباعة

بدأ هذا العام بمشهد درامى ورثه عن العام الماضي. تصدرت بطولة هذا المشهد العديد من عملات العالم التى كانت تتسابق نحو الهبوط الحاد بشكل كبير. حذر الكثير من الاقتصاديين بأن الركود يهدد عددًا ليس بقليل من اقتصادات الكرة الأرضية، وأن العالم ليس في أحسن حالاته اقتصاديًا، بدت على الأرض ملامح المعاناة من الصراعات السياسية الحادة والاحتجاجات الشعبية المتكررة والخطوات الاقتصادية غير الاحترافية التى شهدها العقد الثانى من القرن الحادى والعشرين، كما بدت ملامح أنين متكرر من ظاهرة شجعها العالم كثيرًا، وهى التكتلات التجارية، فقد اتجه عدد كبير من الشركات الكبرى للاستفادة من المزايا التى تتيحها اتفاقية التجارة العالمية "الجات" للشركات الكبرى، فاندمجت أكثر من شركة متوسطة معًا لتصبح شركة كبرى، وقامت بعض الشركات الكبرى بضم شركات أصغر لها تعمل في مجالات ذات طابع لوجيستى مثل شركات النقل لتوزيع منتجاتها داخل دول أخرى، ومن ثم تزايد حجم بعض التكتلات الاقتصادية إلى حد جعلها تتحكم باقتصادات بعض الدول وربما تتفوق عليها ميزانية عائدًا اقتصاديًا. وأصبحت هذه التكتلات جماعات ضغط تتحكم في البورصة وفى السوق عرضًا وطلبًا، وبما أنها صاحبة أرصدة عملاقة في البنوك فهى تتحكم أيضًا في الحياة المصرفية، ومن هنا تحكمت في كثير من الأحوال في أسعار العملات. ظهر أشخاص بعينهم يمكنهم التحكم بقرار في اقتصاد الأرض نسبيًا. ولم يكن هذا منتظرًا. 
قبل انتشار الوباء، في شهر يناير 2020م، قام أكثر من 30 بنكًا مركزيًّا حول العالم بتخفيض أسعار الفائدة في محاولة يائسة لتجنب الوقوع في الركود، مع معدلات الفائدة المنخفضة تعنى عادة عملة ضعيفة، حيث يمكن للمستثمرين الحصول على عائد أفضل على أموالهم في مكان آخر. ظل الدولار الأمريكى هو الأقوى، على الرغم من أن مجلس الاحتياطى الفيدرالى خفض أسعار الفائدة ثلاث مرات في العام الماضى مع تباطؤ الاقتصاد.
في حين شهد الجنيه البريطانى عامًا وعرًا، لكنه أنهى 2019 بارتفاع، كما ظل الدولار الكندى قويًّا، وضعفت قيمة اليوان الصينى والروبية الهندية، وكانت عملة البيتكوين في كل مكان كالمعتاد. 
أشارت تقارير الاقتصاديون في مطلع العام الحالى إلى أن أسعار العملات تتوقف بشكل كبير هذا العام على أداء الدول الصراعى في سياساتها مع الآخرين أكثر من الأداء الاقتصادى، فالأفراد يعول عليهم إلى حد كبير بعد أن أصبحوا مؤثرين باستثماراتهم في اقتصاد الدول، ولديهم مخاوف جيوسياسية تنشأ عن الخلافات السياسية بين الدول، لأنهم يخافون من الاستثمار في دول قد تتحول صراعاتها مع دول أخرى فجأة لمحور حياتها فتنكل بكل من ينتمى لتلك الدولة أو يحالفها، وربما تقع ضمن عقوبات اقتصادية معلنة أو غير معلنة فجأة، أو تحرم من مزايا التعاون الاقتصادى مع دول أخرى. جاء على رأس لائحة المخاوف الجيوسياسية، الخوف من عواقب الصراع الأمريكى الإيرانى، الذى أثر بشكل كبير في أسعار النفط والعملات وأدى لهجرة الاستثمارات من مناطق لأخرى وفقًا لتوجهات الخوف المختلفة، وبعد ظهور الوباء توقف الاقتصاد كليًا مخلفًا وراءه هبوطًا حادًا في كل الوظائف الحيوية للعملة الإيرانية، وشبه ثبات وهمى في العملة الأمريكية، إذ أن الحياة الاقتصادية المتوقفة لا يمكن معها التكهن بالغد، لا سيما وأن حالة التوقف هى حال عالمى مستمر إلى أجل غير مسمى. وكانت القرارات الاقتصادية الأخيرة التى أطلقتها مصر سببًا كبيرًا في ارتفاع كبير في أسهم البورصة المصرية نتيجة لبث الطمأنينة الجزئية في حال الاقتصاد داخل مصر، إبان أزمة لم ينشر فيها أحد الطمأنينة، مما عبر عن خطوة اقتصادية سياسية ناجحة إلى حد بعيد في ظل اقتصاد أزمة. 
يمكن أن نتذكر أزمة الرهن العقارى التى ضربت الولايات المتحدة والعديد من القوى الاقتصادية بين عامى 2007 و2008، لتترك تداعياتها ما زالت قائمة حتى الآن في العديد من العواصم العالمية. كانت تلك الأزمة حالة جزئية من تدهور الاقتصاد في مجالات اقتصادية ونطاقات جغرافية، بينما نحن الآن نعانى من اقتصاد متوقف في العالم كله في جوانب كثيرة بصفة شبه تقريبية، على الرغم من كل هذه الضربات إلا أن الدولار الأمريكى لا يزال يتصدر عملات العالم. 
استمد الدولار الأمريكى قيمته الاقتصادية العالية من هيمنة الولايات المتحدة الأمريكية على العالم بعد خروجها منتصرة مسيطرة من الحرب العالمية الثانية على رأس الحلفاء المنتصرين، لكن هذا دفع بالدول الأخرى لتخفيض قيمة عملاتها أمام العملة الأمريكية للاستفادة من مزايا الاستثمار الأمريكى داخل أو خارج أمريكا، مما أضر بالولار الأمريكى نفسه، لأن المنتجات الأمريكية صارت أغلى ثمنًا وأصعب تصريفًا في بعض الأسواق، لهذا ضغط وما زال يضغط الرئيس دونالد ترامب على البنك الاحتياطى الفيدرالى الأمريكى لتخفيض سعر الفائدة، لا سيما بعد أن أثبتت الصين خلال الأعوام الأخيرة أن المكانة الاقتصادية الدولية لم تعد ترتبط بقيمة عملة البلاد، إذ تقدمت الصين اقتصاديًا ولا تزال قيمة عملتها منخفضة نسبيًا، فتخفيض سعر العملة سياسة تتجه إليها الكثير من الدول في خطوة مهمة لحماية اقتصادها ثم النهوض به بما يُسمى "إفقار الجار" ومن الدول التى لجأت لذلك ألمانيا التى ضغطت على الاتحاد الأوروبى لتخفيض سعر اليورو لذات الأسباب. 
يبدو أن العالم يغير سياساته عبر تغيير أسعار عملاته ولن يحرص أحد على سعر عملة أعلى في الفترة القادمة، وإنما على انتشار منتجاتها في دوائر أكبر من أسواق العالم. غيرت الصين مفهوم الاقتصاد في العالم مرتين، مرة قبل الوباء حين كانت قوية برفع أسعار الجمارك والرسوم المفروضة على البضائع الأجنبية، ومرة أخرى في ضعفها بتأثير الوباء، حين قرر منافسوها تخفيض الفوائد من أجل اقتحام الأسواق التى تملؤها السلع الرخيصة في عالم سيكون أفقر اقتصاديًا بمرور كل يوم تحت قيود حظر الخروج من البيت ومن ثم العمل كليًا أو جزئيًا.

الكلمات المفتاحية

"
هل توافق على استمرار قرارات حظر التجوال؟

هل توافق على استمرار قرارات حظر التجوال؟