الخميس 22 فبراير 2024
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
عبدالرحيم علي
رئيس مجلسي الإدارة والتحرير
عبدالرحيم علي

بروفايل

نجيب سرور.. منين يجيب ناس

البوابة نيوز
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق google news
في ذكرى ميلاده التي تحل اليوم الثلاثاء الأول من يونيو، يبقى الشاعر الكبير الراحل نجيب سرور كأبرز من يمكن أن نطلق عليهم "شعراء الرفض". حيث عاش حياته ثائرًا متمردًا في مواجهة الظروف العصيبة التي أولدت معاناة يمكنها تحطيم عشرات غيره، لكنه استطاع أن يحولها لإبداع حفظ مكانه الخاص بعد رحيله.
في الأول من يونيو عام 1932 ولد نجيب في قرية إخطاب بمركز أجا بمحافظة الدقهلية، وكان ابنا لأسرة بسيطة ذات عيشة متواضعة؛ لذلك لم ينس أبدًا - وهو لا يزال طفلًا- موقف والده أمام عمدة القرية الذي ضربه بالحذاء، لذلك خلّد ذلك الموقف بعد عقود في قصيدته الشهيرة "الحذاء". ورغم تعليمه الحكومي المتواضع كأغلب جيله وظروفه الاجتماعية في ذلك الوقت، إلا أن نجيب انجذب إلى الأدب والمسرح، فترك دراسته الجامعية في كلية الحقوق قبل التخرج بقليل، ليلتحق بالمعهد العالي للفنون المسرحية، الذي تخرج منه وهو في سن الرابعة والعشرين.
انضم نجيب في بداية حياته الأدبية إلى جماعة "حدتو" الشيوعية، ولكنه أخفى ذلك قبل سفره في بعثة حكومية إلى الاتحاد السوفييتي لدراسة الإخراج المسرحي، وهناك ظهر ميله الواضح للماركسية، فقام زملاؤه بتلفيق تقارير ضده وإرسالها إلى الأجهزة الأمنية بالقاهرة، وفي عقب عودته إلى مصر انفجرت موهبته ولمع اسمه في الحياة الثقافية، حيث شارك في الحياة الثقافية كشاعر، وناقد، وباحث، وكاتب مسرحي، وممثل ومخرج، حتى أصبح أحد إعلام المسرح العربي المعاصر.
التقارير التي سبقت عودة نجيب من موسكو فتحت له باب الجحيم، فسُجن وعُذب العديد من المرات، وتم نفيه في سرنديب، ثُم أودع بمستشفى الخانكة أكثر من ثلاثة أعوام، وتم تشريده وزوجته الروسية من أجل كتاباته الجريئة؛ لكنه مع هذا كان يسخر دوما بطريقته المسرحية، ففي أحد الأيام فوجئ به أصدقاؤه يلف حول عنقه خيط دوبارة بدلًا من رابطة العنق، فضحك الجميع وسألوه فأجاب أنه "يخشى أن يفتح الدوبارة فينفتح معها لسانه الذي لا يُرضي الحكومة".
بدأت حياة نجيب سرور الفنية والأدبية بعمل مسرحي هو "ياسين وبهية" والذي أخرجه الراحل كرم مطاوع، ثم كتب مسرحية "يا بهية وخبريني" للمخرج نفسه، وأعقبها بـ"آلو يا مصر" وهي مسرحية نثرية، ثُم "ميرامار" وهي دراما نثرية مقتبسة عن رواية نجيب محفوظ وقام بإخراجها بنفسه، كذلك قدم من تأليفه وإخراجه المسرحية النثرية "الكلمات المتقاطعة"، والتي تحولت فيما بعد إلى عمل تليفزيوني من إخراج جلال الشرقاوي، ثم أعاد إخراجها للمسرح شاكر عبد اللطيف، وكذلك مسرحية "الحكم قبل المداولة"، و"البيرق الأبيض"، وفي عام 1970 قدّم "ملك الشحاتين"، وهي كوميديا غنائية مقتبسة عن أوبرا "القروش الثلاثة" للشاعر الألماني بريخت، و"الشحاذ" لجون جاي من إخراج جلال الشرقاوي؛ والمسرحية الشعرية "منين أجيب ناس"، ومسرحية نثرية لم تعرض "النجمةْ امُّ ديل"، ثم الدراما الشعرية المقتبسة عن مسرحية هاملت لشكسبير "أفكار جنونية في دفتر هملت"، ومعظم هذه الأعمال طبعت ونشرت بشكل فردي؛ وكذلك ضمن مجموعة الأعمال الكاملة التي صدرت عام 1997.
أغلب أعمال نجيب سرور الشعرية تم جمعها في دواوين أو مجموعات، فالمجموعة الشعرية "التراجيديا الإنسانية" التي كتب بعض قصائدها في مصر، وضمّنها قصائد أخرى كتبها في موسكو، والمجموعة الشعرية "لزوم ما يلزم" التي كتب قصائدها في هنغاريا، و"بروتوكولات حكماء ريش" وهي عبارة عن أشعار ومشاهد مسرحية و"رباعيات نجيب سرور"؛ أما أعماله الشعرية في موسكو وبودابست، والتي سمَّـيت في مجموعها "عن الوطن والمنفى" فلم تُنشر، وكذلك "الطوفان الكبير" وديوان "فارس آخر زمن"، ولكنهما لم يُنشرا حتى صدرت أعماله الكاملة؛ كما كتب قصائد هجائية باللغة بالعامية المصرية أشهرها "الأميات" التي تناولت غيظه وحقده على الكذب والنفاق والخداع الذي اتسمت به السياسة العربية بعد حرب يونيو67، وكذلك رفضه لتحولات مجتمعية رآها تنتشر حوله؛ ورغم شهرتها فإنها تُعّد أقل أعمال سرور قيمة فنية، وأقربهم إلى الصراخ العصبي الذي أصاب نجيب بعد الإحباط النفسي والإفلاس المادي.
إضافة إلى موهبته ككاتب ومخرج، فإن لسرور كذلك باع كبير في النقد الأدبي والمسرحي. فإضافة إلى عمله "رحلة في ثلاثية نجيب محفوظ"، كتب الكثير من المقالات النقدية مثل "تحت عباءة أبي العلاء"، و"هكذا قال جحا"، و"حوار في المسرح"، و"هموم في الأدب والفن" وغيرها مما نشر في الصحف والمجلات المصرية واللبنانية وغيرها.
شهدت السبعينيات كذلك أقسى فترات سرور، الذي دأب على كتابة قصائد انتقد فيها بشكل لاذع سياسة ونظام السادات تجاه الوطن والشعب، وخاصة قمع الحريات العامة، وحرية التعبير، وتحاملت أجهزة السلطة في حينها عليه، فلفقت له الكثير من التهم وساقته إلى مستشفى الأمراض العقلية، وقد تكرر ذلك لتحطيم نفسيته، حتى توّفيَّ في 24 أكتوبر 1978 في مدينة دمنهور.