رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
عبد الرحيم علي
رئيس التحرير التنفيذي
داليا عبد الرحيم

"كورونا" يغلق الحدود ويحاصر العولمة.. الفيروس يعيد الدول القومية والحدود المادية بشكل أكثر قوة من ذى قبل.. إلغاء 200 ألف رحلة طيران على مستوى العالم

الخميس 19/مارس/2020 - 10:27 م
البوابة نيوز
كتبت - ريم عبدالمجيد
طباعة
ركزت العديد من النظريات الاجتماعية على العولمة كتحول واضح في الأبعاد المكانية والزمنية للحياة الاجتماعية، وبشكل أكثر تحديدًا، يجادل المنظرون الاجتماعيون بأن سرعة الحياة الاجتماعية على مدى العقود القليلة الماضية قد ازدادت إلى حد كبير بحيث أصبحت المسافة الاجتماعية «مضغوطة» أو ملغية، كما رأى روبرتسون الذى عرف العولمة بأنها انضغاط العالم
على سبيل المثال، سمحت التقنيات الرقمية مثل الإنترنت بالتواصل فعليًا مع أي شخص في العالم في أي وقت «In Real time». وقد اتفق المنظرون على أن التقدم في تكنولوجيا الاتصال، والانتقال إلى نمط «post-Fordist» من الإنتاج والاستهلاك الاقتصادى هي العوامل الرئيسية المؤدية إلى انضغاط المسافة ومن ثم استشراء العولمة. ففيما يتعلق بتكنولوجيا الاتصال، أصبح الناس يتفاعلون في العالم الرقمي، عبر الأقمار الصناعية، أو الهاتف، والإنترنت، وذلك حتى في الدول الفقيرة، وفيما يتعلق بالاقتصاد فإن الانتقال إلى نمط «post-Fordist» يُشير إلى الابتعاد عن الإنتاج الضخم للسلع في مكان واحد، فأصبح لدينا ما يسمى المصنع العالمي، واقترن هذا التحول في الاستهلاك أيضًا.

كورونا يغلق الحدود
ويشير مصطلح «انضغاط المسافة والوقت» الذى صاغه ديفيد هارفى أحد منظرى العولمة، إلى الطريقة التى يؤدى بها تسريع الأنشطة الاقتصادية إلى تدمير الحواجز والمسافات المكانية.
فيرى هارفى أن رأس المال يتحرك بوتيرة أسرع من أى وقت مضى، حيث إن إنتاج وتداول وتبادل رأس المال يحدث بسرعات متزايدة باستمرار، وخاصة بمساعدة تكنولوجيا الاتصالات والنقل المتقدمة، فالوقت الذى تستغرقه المؤسسات للانتقال من الإنتاج إلى التبادل إلى الربح يكاد يكون غير موجود، وهذا هو انضغاط الوقت والمسافة في النشاط الاقتصادى الذى هو القوة الدافعة للعولمة.
النتيجة الثانية لإلغاء المسافة والوقت - بجانب تسارع إنتاج وتداول وتبادل رأس المال - هى اختفاء الحدود المادية، أى اختفاء قدرة الدولة القومية على السيطرة على حدودها بل واختفاء الدولة القومية نفسها لتحل محلها دولة متعددة الثقافات. ففى هذا الصدد رأى Castells أننا نعيش في مجتمع شبكى Network Society والذى تتكون بنيته الاجتماعية من شبكات مدعومة بالإلكترونيات الدقيقة وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات والتى سمحت له بنشر نفسه على نطاق واسع متجاوزًا العلاقات والتنظيمات والتفاعلات الاجتماعية التقليدية، متجاوزًا أيضًا الحدود المادية بشكل يمكن الأشخاص من التفاعل في ذات الوقت، مع إلغاء المسافات. بحيث يصبح مجتمع الشبكى هو الشكل الجديد للتنظيم الاجتماعي في عصر المعلومات، ليحل محل المجتمع الصناعي. ويتميز هذا المجتمع بمرونته وقابليته للتوسع وللبقاء، مع عدم التمركز فهو يضم مجموعات كبيرة متنوعة الثقافات ومع ذلك يبقى قادرًا على التكيف، وتزداد فيه أهمية المعلومات والمعرفة.
ومع انتشار فيروس كورونا في أغلب دول العالم لوحظ وجود تداعيات خطيرة على العولمة إلى حد قول البعض إنه سيقضى عليها نتيجة قيام عديد الدول بإغلاق حدودها، وقف التبادلات التجارية ووقف حركات التنقل منها وإليها بحيث أصبحت معزولة عن غيرها من الدول، بما يشير إلى عودة المسافة والوقت كما كانا مسبقًا بعد أن تم انضغاطهما أو إلغاؤهما إن صح التعبير، وكذلك عودة الدول القومية والحدود المادية مرة أخرى بشكل أكثر قوة من ذى قبل. ومن هذا المنطلق سيتم عرض انتشار فيروس «كورونا» في دول العالم، وتداعياته على الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للعولمة.

كورونا يغلق الحدود
انتشار كورونا
يستمر ما يسمى بفيروس كورونا (COVID-١٩) في الانتشار. في جميع أنحاء العالم، أصيب بالفعل أكثر من ٨٢٠٠٠ شخص وتوفى أكثر من ٢٨٠٠ منهم (اعتبارًا من ٢٧ فبراير ٢٠٢٠). في الصين، تم عزل ملايين الأشخاص. ومنذ يناير، تم إلغاء ٢٠٠ ألف رحلة طيران على مستوى العالم ومئات سفن الحاويات راسية. يتم إغلاق المدارس في اليابان (ثانى أكبر اقتصاد في آسيا) حتى نهاية مارس، وفى إيطاليا، فرنسا، مصر وغيرها من دول العالم. في كوريا (ثالث أكبر اقتصاد في آسيا)، أصبحت أحزمة العديد من الشركات في حالة جمود ويزداد عدد المصابين بسرعة (١،٥٩٦). لأول مرة هناك حظر تجول في أوروبا وإيطاليا لـ ٥٠.٠٠٠ شخص وإغلاق للحدود الأوروبية كاملة. هناك أيضًا مرضى في أمريكا الجنوبية وأستراليا والولايات المتحدة الأمريكية، إيران، مصر، فرنسا وغيرها من الدول. ومنعت الكثير من الدول مثل الولايات المتحدة وأستراليا بالفعل المسافرين من الصين من دخول البلاد في نهاية يناير. كما يتم استبعاد المواطنين والأشخاص الذين يحملون تصاريح إقامة دائمة. ومع ذلك، عندما يعودون إلى البلاد، عليهم أن يذهبوا إلى «الحجر الصحى الذاتي» لمدة أسبوعين. تأثرت أكثر من ٣٢ دولة في جميع قارات العالم بالفيروس الذى يستمر في الانتشار في جميع أنحاء العالم.

كورونا يغلق الحدود
البعد الاقتصادي: تراجع الاقتصاد العالمى وتحول نمط الإنتاج
مع عولمة الاقتصاد التى بدأت بعد سقوط جدار برلين في عام ١٩٨٩، كان هناك تقسيم عالمى للعمل ونمط معين للإنتاج «post-Fordist» وفيه تقوم الشركات العالمية بإنتاج السلع في أكثر من دولة، بحيث يتم شراء الخامات من منبعها الأصلى بأرخص الأسعار، ويتم تصنيعها حيث يوجد عمالة رخيصة وأسواق استهلاكية كبيرة، وتتحرك سلاسل التوريد عبر القارات في فترات متقاربة للغاية - «انضغاط الوقت والمسافة».
على سبيل المثال، تحتوى السيارة العادية حاليًا على قطع غيار من ٣٥ دولة مختلفة يتم تركيبها في جميع أنحاء العالم، وينطبق الشيء نفسه على الهواتف التى تشتريها في مصر التى قد تكون عبرت ١٥ حدًا على الأقل في وقت شرائها. هذا الوضع إلى وجود ترابط كبير بين دول العالم اقتصاديًا، فإذا حدثت اختناقات في أى دولة، تتأثر جميع الدول والذى يُعرف بتأثير الدومينو. هذا ما أدى إلى تعثر الاقتصاد العالمى بسبب انتشار فيروس «كورونا» في الصين بشكل أساسي. على سبيل المثال كان لانتشار فيروس «كورونا» في إيطاليا - إحدى أهم الدول اقتصاديًا - آثارًا خطيرة ليس فقط عليها ولكن أيضًا للشركات الألمانية، فقد أوشكت إيطاليا على الإفلاس بما أثر على أكثر من ١٥٠٠ شركة ألمانية لديها فروع فيها.
وفى هذا الصدد، ظهرت تنبؤات عدة بأن الاقتصاد العالمى سيعانى من أضرار جسيمة في جراء انتشار فيروس «كورونا» الحالي. ففى بداية العام، بدا الاقتصاد العالمى في حالة جيدة، وتوقع صندوق النقد الدولى في مطلع يناير بانتعاش النمو العالمى لعام ٢٠٢٠، ولكن تفشيCovid-١٩ قد غيّر كل هذا. ففى الصين، نتيجة تعطيل النشاط الاقتصادى ضمن إجراءات مكافحة الفيروس، انخفض معدل النمو إلى ما دون معدل النمو الرسمى للعام الماضى ٢٠١٩، البالغ ٦.١٪. وخلال الاجتماع الأخير لوزراء مالية مجموعة العشرين، راجع صندوق النقد الدولى توقعاته للنمو في الصين إلى ٥.٦ في المائة للعام الحالي، وسيكون هذا هو أدنى مستوى منذ عام ١٩٩٠.
ولأن الاقتصاد العالمى يعتمد بشكل أكبر على الصين أكثر من أى وقت مضى، يمكن أن يتباطأ النمو العالمى إلى حد كبير. ففى عام ٢٠٠٣، كانت الصين تسهم بنسبة ٤ في المائة فقط في الناتج المحلى الإجمالى العالمي، أما اليوم، أصبحت تسهم منفردة بنسبة بلغت ١٧ في المائة. بالإضافة إلى ذلك، فإن الاضطرابات في الصين ستقوض الإنتاج في مكان آخر لأن العديد من سلاسل التوريد العالمية تتقارب مع الصين. ومن المرجح أن يكون مصدرو السلع - بما في ذلك أستراليا ومعظم البلدان في أفريقيا وأمريكا اللاتينية والشرق الأوسط - هم الأكثر تضررًا لأن الصين أكبر عميل لهم. هذا لا يعنى أن الضرر سيقع عليهم فقط، بل على جميع الشركاء التجاريين المهمين. كما أن الدول المصابة بالفيروس مثل فرنسا، بريطانيا، إيطاليا، الولايات المتحدة، وغيرها التى تراجع نموها اقتصاديًا سيؤثر على باقى الدول كما أثرت الصين. ومن المرجح أن ترتفع تكاليف النقل بجانب انخفاض التجارة عبر الحدود بما قد يؤدى إلى انهيار الاقتصاد العالمى وبالتبعية العولمة في بعدها الاقتصادى إذا لم يتم احتواء الخطر الذى يشكله فيروس «كورونا».
هذه الأضرار المحتملة ستدفع الشركات إلى تغيير نمط الإنتاج واستبدال الإنتاج الوطنى المحلى بالإنتاج العالمى بحيث تصبح أكثر استقلالية عن الاقتصاد العالمي. بعبارة أخرى، ستقوم بالتركيز الجغرافى لتصنيع المنتجات عبر إعادة مصانع الإنتاج إلى الدولة الوطنية بما يقضى على فكرة المصنع العالمى ويكسر سلاسل التوريد. هذا يؤثر بشكل أكبر على الدول الصناعية الكبرى حيث سيعود الإنتاج الصناعى بشكل متزايد إليها بعد أن كانت تنتج خارج حدودها في الدول النامية، كما سيتعين عليها خلق بدائل للحد من التبعية بما سيرفع تكلفة الإنتاج بعد أن كانت قليلة بفضل المصنع العالمى بما قد يدفعها إلى خفض الإنتاج ومن ثم سيتراجع نموها اقتصاديًا.

كورونا يغلق الحدود
البعد الاجتماعي الثقافى: عودة الحدود المادية وإلغاء الفعاليات
ركيزتا العولمة هما حرية وسرعة انتقال الناس والبضائع التى ازدادت بشكل متسارع نتيجة التقدم التكنولوجى الهائل الذى جعل العالم كله قرية واحدة، وجعل سكانه أجمع أفرادًا في مجتمع واحد أطلق عليه منظرى العولمة «المجتمع الشبكي» الذى اختفت فيه الحدود المادية للدول. ولكن انتشار فيروس «كورونا» بسبب حرية وسرعة الانتقال أجبر الحكومات على السيطرة على حدودها وإغلاق معابرها في وجه الأجانب. فسرعان ما أغلقت كوريا الشمالية وروسيا حدودهما مع جمهورية الصين الشعبية بعد انتشار فيروس «كورونا» فيها ومن المفارقات، أن الاثنين من أقرب أصدقاء الصين الدوليين. وقامت دول مثل اليابان وأستراليا ونيوزيلندا وسنغافورة وإيطاليا والولايات المتحدة بفرض قيود على السفر.
ومع تفاقم عدد المصابين بالفيروس وتسارع انتشاره في كثير من الدول، اتجهت الدول إلى منع الانتقال منها وإليها وأغلقت حدودها. فأعلن الاتحاد الأوروبى عن إجراءات جديدة للحد من الحركة بين الحدود داخل الاتحاد الأوروبى بعد أن كان ينتقل المواطن إلى أى دولة داخل الاتحاد بحرية، مع قيود مبدئية ستستمر لمدة ٣٠ يومًا. وأعلنت روسيا، التى تشترك في حدودها مع دول مختلفة في الاتحاد الأوروبي، إغلاقها للحدود أيضًا مع الصين وإيران وبولندا وألغت جميع الرحلات الدولية حتى شهر مايو. وأعلنت المملكة المتحدة عن المزيد من القيود على السفر، وكذلك كندا.
واستمرت عمليات إغلاق الحدود عبر أمريكا اللاتينية ومنطقة بحر الكاريبى ضمن إجراءات مكافحة انتشار الفيروس، فأعلنت كولومبيا بعد التنسيق مع البرازيل وبيرو والإكوادور منع الأجانب من الدخول ومنع المواطنين من مغادرة البلاد بدءًا من ١٧ مارس وحتى ٣٠ مايو. وقامت بنجلاديش، الكويت، قطر، عمان، بوتان، تركمنستان، بحظر دخول المسافرين من الاتحاد الأوروبي، وحظرت اليابان، طاجيكستان، جزر المالديف، أنتيغوا وبربودا وجزر البهاما ومونتسيرات، سانت فنسنت وجزر غرينادين، أنغولا والكونغو وموريشيوس وسيشيل دخول المسافرين من الصين وإيران وإيطاليا. وأغلقت باكستان أجزاء من حدودها. وفرضت بعض الدول الأفريقية مثل إثيوبيا، أوغندا، بنين، بوتسوانا، جمهورية الكونغو الديمقراطية، رواندا، موزمبيق، جزر القمر، إريتريا الحجر الصحى على المسافرين الذين كانوا في الدول المتضررة.
لم يقتصر الأمر على إغلاق الحدود بل وإلغاء الفعاليات الرياضية والثقافية العالمية والمحلية. فعلى الصعيد المحلى قامت دول مثل فرنسا بحظر الأنشطة الثقافية والرياضية والتجمعات الكبيرة، فتم إغلاق متحف اللوفر في باريس ومتحف الفن الحديث في نيويورك والتى أوقفت عرض ٣١ مسرحية وعرض موسيقى لمدة شهر، وألغت إيطاليا وإيران الأحداث الرياضية. وعلى الصعيد الدولى تم إلغاء العديد من رحلات السياحة وإغلاق المناطق الأثرية بجانب تأجيل الفعاليات الرياضية فقامت الفيفا بتأجيل التصفيات الآسيوية لكأس العالم لعام ٢٠٢٢. كما تم تعليق بطولات الدورى الرائدة في أوروبا، وتم تعليق حلبة التنس للرجال لمدة ستة أسابيع، وأغلقت NHL في أمريكا الشمالية.
"
هل توافق على استمرار قرارات حظر التجوال؟

هل توافق على استمرار قرارات حظر التجوال؟