رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
عبد الرحيم علي
رئيس التحرير التنفيذي
داليا عبد الرحيم
اغلاق | Close
فيصل الأحمر
فيصل الأحمر

العودة الفلسفية من صقلية

السبت 07/ديسمبر/2019 - 07:19 م
طباعة
فى مسافة ما بين الحياة العقلية والواقع الضخم الذى يجتهد المفكرون كثيرا كى يغيروا جوهره تحت عناوين متنوعة تعمل جميعها على خلق تلك المسافة التى وقف عندها مارتن هاديغير بين اللغة والأشياء عدة مرات، فى هذه المسافة التراجيدية تقع فى الحيرة حول أشكال الخيبة الكثيرة التى تنتج من خلال تقفى آراء المفكرين اللامعين فى الوضع السياسى المهيمن على أزمانهم.
يستوقفنا دوما سؤال كارل ياسبرز لصديقه هايديغير فى مرحلة انتشار هيمنة الحزب النازى على الحياة السياسية فى ألمانيا وما سايره من وضع بائس للنزعة الإنسانية: هل يعقل أن يحكم أمة كأمتنا الألمانية رجل بهذه الوحشية وهذه الفظاظة؟
كان هايديغير يجيبه: لا تهتم بالثقافة، ليست الثقافة أمرا أساسيا، تأمل يديه!
تروى الأخبار عن أفلاطون أنه قد ذهب لطلب الحظوة لدى الملك المستبد المتوحش ديونيزوس الصقلى ثلاث مرات متتالية، مع كل الخطر الكامن فى هذا الذهاب. أكبر فيلسوف فى عصره يذهب إلى أكبر وحش فى وقته يطلب الحظوة عنده، يطلب أن يكون مستشاره الأول، وهذا الملك الذى يرفض عرض الفيلسوف العظيم.
فى عام ١٩٣٣ تم تعيين هايديغير رئيسا للجامعة، وكان لا بد من إعداد تقرير أمنى حوله من قبل الحزب الحاكم، كتب رجال الجيستابو حول رئيس الجامعة الجديد الذى كان يتزين بالصليب النازي: «مارتن هايديغير نازى متفرد، لا ترجى منه أية فائدة». 
الأسئلة الأساسية: ماذا يفعل المفكرون فى بلاطات الملوك المتوحشين؟
ماذا كان الفيلسوف النازى ينتظره من يدى هتلر؟
ما نوعية العلاقة التى كان أفلاطون يطمع فيها قرب ديونيزوس الصقلي؟
تنويعات
صديقى أستاذ الفلسفة المتيم جدا بهايديغير والذى يكرر كثيرا كلمة الدازاين بدون شرح، مغرما بجانبها الغامض السحري، والذى يهتم بالشأن السياسى بشكل ينسيك دائما بأنه أستاذ فلسفة، يجعلك باستمرار تتذكر بأنه أستاذ للفلسفة حينما يستدرجك لكى تمارسا فعل المشى على طريقة الفلاسفة القدامى الذين لم يكن يهمهم الشأن السياسى لأن السياسة كانت فى عرف ذلك الزمان من شأن العامة ومن يفوقون العامة بقليل، ولا صلة للطبقة المتميزة بالفلسفة عدا كون بعض الساسة قديما خطباء أفذاذا، فالخطيب هو النخبوى الوحيد من بين الساسة الذى يليق الحديث عنه وسط الفلاسفة، فالخطيب سياسى قادر على التفلسف؛ من منطلق كون الفلسفة فى العرف العام كلاما يدور حول نفسه، وكون الفلسفة فى العرف الحالى خطابات نشكلها حول موضوعات معينة لا دور لها سوى الدلالة على مرحلتنا، وتحديد كون مرحلتنا هى التى أنتجت الخطابات التى نعرفها، فكل حقيقة لا تعدو كونها طريقتنا «المعينة» للحديث حول شيء بعينه.
وأنتما تمارسان رياضة المشى متراوحان بين إحداثية فهم الرياضة على أنها تدريب الجسم من منطلق القاعدة الفلسفية (العقل السليم فى الجسم السليم) وبين إحداثية عد العربية للرياضة نمطا من الحساب، الرياضة التى هى الرياضيات... يحدث أن يستدرجك الصديق الفيلسوف صوب مجلس للساسة القدامى الذين يصبغون شنبهم مع كل حملة انتخابات لكى يظهر صغر سنهم واستعدادهم المنطقى للعمل ولتقديم النفس والنفيس ما دامت الصحة جيدة؛ ولنتذكر دائما بأن العقل السليم لا مهرب له من الجسم السليم.
يحدث كثيرا أن يفضى المشى الجميل على وقفة مهمة فى السير والمسيرة والمسار معا؛ وقفة تساير الفترات الانتخابية أين يتخلى صديقى الفيلسوف عن حديث الجابرى وابن سينا وشوبنهاور الذى هو مغرم به وابن سينا الذى يحفظ كثيرا من نصوصه ويعده ظاهرة متفردة فى الزمان والمكان، صديقى هذا الذى جمعته مجالس كثيرة مع طه عبدالرحمن (الفيلسوف العربى الهاديغيرى الكبير)، تجده صدفة يتحول إلى جندى منضبط تحضيرا لاستحقاقات انتخابية معينة، وتجده يمطط مدائح الحزب الحاكم ومستحثات سياسية أخرى من حساسيات سياسية ظرفية أخرى بشكل يضحى تماما بالنزعة النقدية التى زرعها فيه فولتير الذى يتلذذ بذكر اسمه تلذذا شبيها بالتلذذ الجنسي: «فولتييييييير... يا دين الله!»..
تستدرجه إلى حديث حميمى يكرهه متسائلا: ألا تعتقد يا شيخ بأن هنالك إسفافا معينا عند جماعتك؟ ألا ترى بأن أستاذا جامعيا مشارفا على التقاعد (أو ربما التقاعس ) مجبر بشكل معين على إدانة المهزلة السياسية فى بلاده، وعلى إدانة الحمق البشرى فعليا بعد الغرق لعقود طويلة فى إدانتها فى بطون الكتب؟ على الأقل بشيء من التخلى عن الخوض فى البشاعة التى تعم الجو العام. وهو فعل بسيط أفضل من التعامل بلسانه وبقلبه؛ وذلك فى البلدان المتقدمة هو أقوى الإيمان: الإدانة والفضح وأخذ موقف واضح يتحول إلى رسالة تبقى للأجيال المستقبلية؟
وكان هذا هو الإشكال الذى استنهضه محبو هاديغير المحرجون من مواقفه الموافقة للحزب النازى المتطرف، الم يكن من واجبه التاريخى العودة بعد نهاية الحرب على مرحلته النازية بشيء من التفسير أو الاعتذار أو التراجع أو حتى الاعتراف بالخطأ؟
ساعتها فقط يظهر الوجه الذى يفسر خيبتنا الوطنية غير الديمقراطية والتى تنفجر فى وجه الجبهة الشعبية بسبب تقاعس النخب... يقول صديقى مدرس الفلسفة بصوت لا يظهر كثيرا: دعك من المثاليات يا رجل... أنت مثقف وتعرف من أين تؤكل الكتف... فى نهاية الأمر كل واحد يحتال لكى يأخذ حصته من البلاد بما يملكه من حيل... أنا أستاذ فلسفة أستطيع فقط أن أتفلسف...
هل هى نزعة إنسانية متجذرة يظهرها السياق العربى المتخلف أكثر من السياق العالمى للبلدان المتكورة التى من حسن حظها أنها تراكم تقاليد كثيرة من الممارسات تصبح تمنع الانزلاقات الخطيرة بفضحها السريع والمباشر ما استطاعت إلى ذلك سبيلا. كثيرا ما تفعل. مما يحدد كثيرا من حجم الانجراف التراجيدى للنخب.
هل ما يقوله صديقى هو نفسه ما حدث مع هاديغير، وبعده مع سارتر الذى اقترف أكبر عدد ممكن أن يحققه عقل كبير من الأخطاء السياسية بسبب دفاعه عن الحرب الشيوعية مغمضا عينيه على كوارث الأنظمة الشمولية. 
هل ما يقوله صديقى هو نفسه ما قاله هاديغير، قبله أفلاطون وهو يتمسح بالحاكم القوى قبل عودته من صقلية التى كاد فى الرحلة الثالثة أن يفقد فيها حياته؟
ساعتها فقط تفهم جيدا سبب وجود كثير من الفلسفة ومن الحداثة ومن التفكير التراثى فى بلادنا دون أن نجد أثرا لا لتفلسف ولا لحداثة ولا لأصالة ولا تأصيل...
من الصيغ التى يرددها صديقى دائما نقلا عن ميلاد الفلسفة الإسلامية: تأييس الأيسات... ويتأسى على أننا لم ننجح فى غرز صيغة «أيس» للحديث عن تحقيق الوجود لغويا، وإيجاد صيغة لغوية للوجود بدلا من وجود الليسات وثقافة «الليس» التى تدل فقط على النفى الذى يعادل الانعدام أو السير اللغوى نحو العدم...
والظاهر أن صديقى - حاله فى ذلك حال النخب المحلية - يؤمن بغلبة ليس على الأداة اللغوية المتروكة فى ثقافتنا «أيس»... وذلك جوهر المسألة.
خلاصات
إذا عدنا بعد اكتمال الجولة على الأقدام رفقة صديقى أستاذ الفلسفة إلى حوار ياسبرز وهاديغير سوف يستوقفنا التسطيح العمدى للإجابة التى تبدو إجابة سياسية أكثر منها فلسفية.
ستكون جذاذات الإجابة كامنة فى التعليقات اللاحقة لمن عرف وعايش هايديغير.
المسألة الأولى التى دار حولها الجدل حول موقف هايديغير من اليهود لم تعد مطروحة، أو لم يستطع القوم إقامتها لأن عدد اليهود من الذين أطرهم فى الجامعة، ممن رعاهم وحضنهم فكريا وسياسيا وحتى فعليا عدد كبير جدا. بما فى ذلك الفلاسفة والكتاب الذين حملوا المشعل من بعده وحتى على أيامه ممن يذكرونه صراحة كمرجع مطلق لهم: هربرت ماركيوز، ليفيت، بولاك، ليو شتراوس، ليفيناص، حنة ارندت، كارل ياسبرز، ديريدا، وولتر بنيامين، بول تشيلان،...الخ
ربما تكون فى رأى غدامير حول هاديغير أشياء جديرة بالوقوف عندها. فقد حضر الجدل الضخم الذى دار حول هذه المسائل بمناسبة مئوية هايديغير فى ماربورغ، وقد قال فى حقه: لا داعى للإكثار من الكلام، هو فيلسوف خارق للعادة يسكن نفس رجل حقير.
لقد وقع هاديغير فى الإشكالية القديمة لتحرج المفكرين من القدرة الكبيرة لبعض الساسة الكبار ( بعيدا عن حكمنا عليهم) على التصرف، على التدخل المباشر فى العالم وفى الشأن المباشر المرتبط بالحياة بعيدا عن الحدود النتى تضعها اللغة أمام النخب الفكرية والتى يبدو الساسة متخففين منها تماما.
يذكر أنه بعد تركه رئاسة الجامعة، كان تلامذته فى فريبورغ يرمون فى وجهه الملاحظة القارصة الحامضة: ها قد عاد أفلاطون من صقلية إذن!
وهنا يأتينا الصوت القوى لكيركغارد الذى كان يسأل بعمق كبير: أطلب دوما من كل فكرة هو الثمن الواجب دفعه لقاء الإيمان بها.
ads
"
من يحسم السوبر الإفريقي؟

من يحسم السوبر الإفريقي؟