الأربعاء 17 أبريل 2024
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
عبدالرحيم علي
رئيس مجلسي الإدارة والتحرير
عبدالرحيم علي

البوابة القبطية

الأنبا مكاريوس أسقف المنيا يكتب : أبشِّركم بفرحٍ عظيم

الأنبا مكاريوس
الأنبا مكاريوس
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق google news

مع أن الهدف من التجسد هو الفداء وتجديد الطبيعة البشرية، إلّا أن ميلاد المسيح له بهجة خاصة بسبب طول الانتظار في ظلام وترقُّب الأجيال المتعاقبة مجيء المسيح، هكذا نشعر في عيد الميلاد برضى الرب «رضيت يارب على أرضك».
تقول القصة إن شابًّا مات أبوه وترك له دَيْنًا كبيرًا، ولمّا لم يستطع أن يوفيه فقد وُضِع في السجن، وكان يعاني الذلّ والهوان والحرمان من النور والحرية، وكان سجّانه يضايقه كثيرًا، ولم يكن يكفُّ عن البكاء والصراخ متوسلًا إلى الله أن ينقذه.. وذات يوم جاءه من يزوره وقال له إنه سمع عن شخص عظيم سوف يأتي ليدفع عنه الدَيْن ويخرجه من السجن، ولكنه لا يعرف متى ومِن أين يأتي، وتظهر بارقة الأمل له.. ولكن يمرّ وقت طويل قبل أن يأتي زائر آخر ليؤكد له أن العظيم آتٍ لا شك، فقد وصل صراخه إليه وهو عازم على المجيء، غير أنه أيضًا لا يعرف عنه وعن ظروف مجيئه إلّا القليل.. ويمر وقت آخر، وتشتدّ المعاناة بذلك السجين، وتتكرّر الزيارات ويتجدد الأمل. وعندما وصلت به المحنة أشدّها جاءه في محبسه من يخبره أن مأمور السجن يستدعيه، وفي مكتبه تقابل مع شخص عظيم مهيب لم يرَ في حياته مثله، ورغم عظمته فقد كانت له ملامح طفل بريء،تشيع رؤياه الراحة والسلام. وما إن رآه حتى ضمّه إلى حضنه بقوة، ثم أخبره أنه أتى ليدفع عنه الدَيْن، ولم تسعه الفرحة، وبينما كان يشكره لأنه سيخلّصه من سجنه، قال له العظيم: "بل سآخذك معي إلى قصري، تحيا معي هناك دائمًا".
هذه هي مشاعر البشر بميلاد المسيح، وما كانت زيارات الأمل في السجن سوى تأكيد الأنبياء على مجيء المُخلِّص، وذلك من خلال أكثر من ٣٠٠ نبوة عن التجسد والميلاد؛ والفرق بين العدالة البشرية والعدالة الإلهية هو أن الأولى تقتصّ للقانون فقط، بينما الثانية تعيد إلى المرتبة الأولى، بل أفضل من الأولى، ليس فردوسًا أرضيًا بل فردوس النعيم بل ملكوت السموات.
أو بتشبيه آخر مثل قافلة تسير في نفق طويل مظلم، يبرق داخله النور الخافت بين وقت وآخر: فهذا نبي صادق، وذلك ملك صالح، وهذا ملاك سمائي، هذه نبوة، وتلك إشارة، وهذا رمز... ولكن في نهاية النفق الطويل يلوح نور، وإن كان غير واضح تمامًا متى يدرك السائر نهايته، هكذا قال بلعام بن بعور: «أراهُ ولكن ليس الآنَ. أُبصِرُهُ ولكن ليس قريبًا» (عدد٢٤: ١٧)، ونقول في ثيئوتوكية الاثنين: "آدم بينما هو حزين، سُرَّ الرب أن يردّه إلى رئاسته"، وفي ذكصولوجية باكر: "أتيتَ إلى العالم بمحبتك للبشر، وكل الخليقة تهلّلت بمجيئك".
فقد كان آدم حزينًا بسبب ما سبَّبه للبشرية، لذا فقد فرح بولادة "آدم الثاني" لأن اللعنة ستزول والصكّ سيتمزق. كذلك تفرح حواء بـ"حواء الجديدة"، أم الأحياء، والتي منها أتى فرح الأجيال، وفي الإبصالية الخاصة بالعيد نرتل: "افرحوا وتهلّلوا يا أجناس آدم مع والدة الإله ابنة يواقيم".
النور والفرح
يرتبط النور بالفرح، ولنتخيل الآن أن الأنوار أُطفِئت لعطل في الشبكة، سيخيِّم على الفور شيء من الوجوم يعقبه الترقُّب ثم الإلحاح في أن يعود النور من جديد، وما أن ينفجر النور حتى ترتفع الصيحات ويعمّالفرح والراحة الوجوه، هذا على الرغم من أنه نور أرضي محدود، فكم بالأحرى النور الإلهي حين يشرق في القلب بخبر مجيء المخلص! لقد ارتبطت بشرى الميلاد بالنور «وَمَجْدُ الرَّبِّ أَضَاءَ حَوْلَهُمْ» (لوقا ٢: ٩)، أي أن البشرى صاحبها النور. كذلك فإن البشرى للمجوس صاحبها النجم العظيم الذي تقدّمهم حتى مكان الصبي في بيت لحم: «فلمّا رأوا النَجمَ فَرِحوا فَرحًا عَظيمًا جِدًّا» (متى ٢: ١٠)، ومن ثّمَّ ارتبط عيد الميلاد بشجرة الميلاد المنيرة والأضواء. كما ارتبط الميلاد بالشمس والشروق لأن المسيح بمجيئه أشرق على الجالسين في الظلمة وظلال الموت، «بأحشاءِ رَحمَةِ إلهِنا الّتي بها افتَقَدَنا المُشرَقُ مِنَ العَلاءِ» (لوقا ١: ٧٨)، وفي سفر ملاخي نقرأ: «ولكُمْ أيُّها المُتَّقونَ اسمي تُشرِقُ شَمسُ البِرِّ والشِّفاءُ في أجنِحَتِها» (ملاخي ٤: ٢). ونقول في القداس الإلهي: "وفي آخر الأيام ظهرتَ لنا نحن الجلوسَ في الظلمة وظلال الموت".
وظلال الموت وصف أُطلِق على النفق الضيّق الذي تسير فيه القافلة في شقٍّ جبليّ غائر، فيه الكثير من المخاطر بين النتوءات الصخرية وخطر اللصوص واحتمال سقوط الصخور والظلام الدامس، وما أن يبصر السائرون في ظلال الموت شعاع النور حتى يتجدّد الرجاء فيهم؛ هكذا وصف الآباء حال البشرية بشكل بديع.
فرح الاجيال
نصف العذراء بأنها فرح الأجيال، أو منها أتى فرح الأجيال، وقال القديس بولس الرسول عن سحابة الشهود إن جميعهم ماتوا ولم ينالوا المواعيد، بل من بعيد نظروها وصدّقوها وحيّوها، وسلّموا الرجاء لمن بعدهم. وكان الأمر أشبه بسلعة يُعلَن عنها ولكنها غير متوافرة أو غالية الثمن، إلى مثل ذلك أشار السيد المسيح حين قال: «أبوكُمْ إبراهيمُ تهَلَّلَ بأنْ يَرَى يومي فرأى وفَرِحَ» (يوحنا ٨: ٥٦)، وبالطبع كان الفرح بمجرّد الرمز وهو إسحق. نقول في ثيئوتوكية الاثنين: "الروح القدس أيقظ داود قائلًا: قم رتِّل لأن النور قد أشرق"، وفي ثيئوتوكية الثلاثاء: "افرح اليوم يا آدم أبونا وهابيل ابنك وجميع الشيوخ المختارون.."، وفي يوم الأحد نقول: "السلام لكِ يا مريم فرح الأجيال"، وفي ثيئتوكية الأربعاء: "اليوم فرح في السماء وعلى الأرض من أجل المسيح ملك المجد الذي وُلِد في بيت لحم".
ومن دواعي الفرح انفتاح السماء على الأرض، وبداية المصالحة، وبداية رحلات الملائكة في بعثات للأرض: بشارة زكريا ثم العذراء ثم يوسف النجار ثم الرعاة وهكذا. وهوذا الجنين يركض بابتهاج، ومريم تبتهج بالمخلص، ونشيد مجد وسلام ومسرّة.
العيد والهدايا
كما ارتبط العيد بالهدايا، حيث قدّم المجوس في زيارتهم للمولود هدايا:ذهبًا ولبانًا ومُرًّا. وفي التقليد اللاحق ظهر سانتا كلوز أو بابا نويل، يوزِّع الهدايا ليضفي على العيد بهجة خاصة، ولكنها مرتبطة بميلاد المسيح كما أسلفنا؛ ولكن الهدية الأعظم هي أن الله أعطانا نفسه أعظم هدية أو تقدمة (ذورون = عطية وهدية بالقبطية).
الخبر السار
كلمة إنجيل تعني: "الخبر السار" أو "البشرى المفرحة" (ايف= جميل، آنجيليون= خبر أو بشارة)، هكذا قال الملاك للرعاة: «ها أنا أُبَشِّرُكُمْ بفَرَحٍ عظيمٍ...»، وصرنا نتغنّى بهذا الخبر في جميع ليتورجياتنا: "وَلَدَته وخلّصنا" (آس ميسي إمموف آف سوتي إممون)، فكل التسابيح والتماجيد والشكر والسعادة سببها أنه "أتي وخلّصنا". مريم العذراء عندما سمعت تلك البشرى الخالدة هتفت على الفور: «تُعَظِّمُ نَفْسِي الرَّبَّ، وَتَبْتَهِجُ رُوحِي بِاللهِ مُخَلِّصِي»، كما أن الرعاة عادوا من زيارة الطفل يسوع وهم في حال غير الحال، كان عملهم رعاية الخراف التي تُقدَّم ذبائح،وجميعها رمز وإشارة للحَمَل الحقيقي الذي يرفع خطية العالم، كما صرّح يوحنا المعمدان لاحقًا فعادوا وهم منبهرون: «ثُمَّ رَجَعَ الرُّعَاةُ وَهُمْ يُمَجِّدُونَ اللهَ وَيُسَبِّحُونَهُ عَلَى كُلِّ مَا سَمِعُوهُ وَرَأَوْهُ كَمَا قِيلَ لَهُمْ».
أمّا حنّة النبية فحالما علمت لم تستطع أن تحتفظ بالخبر السار وحدها،بل راحت تكرز به: «فَهِيَ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ وَقَفَتْ تُسَبِّحُ الرَّبَّ، "وَتَكَلَّمَتْ عَنْهُ" مَعَ جَمِيعِ الْمُنْتَظِرِينَ فِدَاءً فِي أُورُشَلِيمَ». لقد كانت درجة الوعي عالية جدًا عند المنتظرين فداءً، وبينما أسعدت تلك الأخبار السارة كثيرين، فقد أزعجت هيرودس حتى اضطرب جدًا. حقًّا قال سمعان لأمه مريم: «هَا إِنَّ هذَا قَدْ وُضِعَ لِسُقُوطِ وَقِيَامِ كَثِيرِينَ فِي إِسْرَائِيلَ، وَلِعَلاَمَةٍ تُقَاوَمُ».
ويرد في إشعياء النبي: «ولَكِنْ لاَ يَكُونُ ظَلاَمٌ لِلَّتِي عَلَيْهَا ضِيقٌ. كَمَا أَهَانَ الزَّمَانُ الأَوَّلُ أَرْضَ زَبُولُونَ وَأَرْضَ نَفْتَالِي يُكْرِمُ الأَخِيرُ طَرِيقَ الْبَحْرِ عَبْرَ الأُرْدُنِّ جَلِيلَ الأُمَمِ، اَلشَّعْبُ السَّالِكُ فِي الظُّلْمَةِ أَبْصَرَ نُوراً عَظِيماً. الْجَالِسُونَ فِي أَرْضِ ظلال الْمَوْتِ أَشْرَقَ عَلَيْهِمْ نُورٌ، أَكْثَرْتَ الأُمَّةَ. عَظَّمْتَ لَهَا الْفَرَحَ. يَفْرَحُونَ أَمَامَكَ كَالْفَرَحِ فِي الْحَصَادِ. كَالَّذِينَ يَبْتَهِجُونَ عِنْدَمَا يَقْتَسِمُونَ غَنِيمَةً» (إشعياء ٩: ١-٣).
الفرح والتسبيح
يرتبط التسبيح بالفرح، والفرح الروحي بالتسبيح، فقد رافقت البشرى جمهور(جوقة) من الملائكة تسبّح النشيد الخالد والمُستخدَم في جميع الكنائس التقليدية وغير التقليدية: «المَجدُ للهِ في الأعالي، وعلَى الأرضِ السَّلامُ، وبالناسِ المَسَرَّةُ»، هكذا شاعت المسرّة بين الناس بميلاد المسيح، ففرح العبيد لأنه قد جاء مُحرِّرهم، وكذلك الفقراء لأنه قد جاء مَنْ يشاركهم،والحزانى لأنه أتى سرّ فرحهم، والمُتسلِّط عليهم إبليس يرفعون رؤوسهم، هوذا ناصرهم قد ظهر.
هكذا، ومع أن القيامة هي الحدث الأعظم في المسيحية، إلّا أن الميلاد هو الفاتحة والبداية، تمامًا مثل أب طال غيابه، فما أن يظهر أمام أولاده حتى يعانقوه ويقبّلوه ويهلّلوا له، وذلك قبل أن يفتح حقائبه ويخرج كنوزه، فما دام قد وصل فالباقي مضمون، ومن هنا نسبّح قائلين: "افرحوا وتهلّلوا يا جنس البشر لأنه هكذا أحب الله العالم..."، لقد شقّ جدار الزمن وأشرق علينا، هكذا نرتل في ثيئوتوكية يوم الاثنين القطعة الثامنة: "كل الأنفس تفرح وترتل مع الملائكة مُسبِّحين الملك المسيح، وصارخين قائلين: المجد لله في الأعالي وعلى الأرض السلام وبالناس المسرة، لأنه حلّ الحاجز، وقتل العداوة بالكمال، ومزّق كتاب يد العبودية التي لآدم وحواء وحرّرهما، الذي وُلِد لنا في مدينة داود مخلصنا يسوع كقول الملاك".. اليوم فرح وسرور ومجد...
في هذه المناسبة، نطلب من الله محب البشر الذي أتى متجسدًا لأجل خلاصنا، أن يحل بسلامه على أراضينا، ولا سيما أرض فلسطين، الموضع الذي وُلِد فيه بالجسد، ليعود السلام إلى أراضيها التي تعاني ويلات الحرب، من قتل وإصابات وتدمير وتشريد وجوع وعطش. وأن تتحقق هذه الأمنية والتي رسمها سفر نشيد الأناشيد كلوحة جميلة، وتعبّر عن زوال الخطر وعودة السلام والطمأنينة: «فالشِّتاءُ عبَرَ ووَلَّى، والمَطَرُ فاتَ وزالَ. الزُّهورُ ظهَرَت في الأرضِ وآنَ أوانُ الغِناءِ. صوتُ اليمامةِ في أرضِنا يَملأُ المَسامِع، التِّينَةُ أنضَجَت ثِمارَها، والكُرومُ أزهَرَت وفاحَت» (نشيد الأنشاد ٢: ١١-١٤).

نطلب من الله أن يحل بسلامه على أراضينا.. وبالأخص أرض فلسطين فقالَ لهُمُ المَلاكُ: «لا تخافوا فها أنا أُبَشِّرُكُمْ بفَرَحٍ عظيمٍ يكونُ لجميعِ الشَّعبِ...»(لوقا 2 : 10)

 

lxqsjLhz_400x400
lxqsjLhz_400x400