رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
عبد الرحيم علي
رشا يحيى
رشا يحيى

الجاحدون تلهيهم الدنيا وتفسدهم النعم

الإثنين 20/أغسطس/2018 - 10:24 م
طباعة
أستمتع كثيرًا بآراء العالم والمفكر الكبير د.مصطفى محمود أحد كتابى المفضلين.. فدائمًا تأتى كلماته عميقة المعنى وسلسة الأسلوب، لتجعلنا نتأمل فى أنفسنا وفى خلق الله والعالم من حولنا، وتنشط كلماته العقول وتنير البصائر، لعل القلوب تعقل وتهتدي.. ومن كلماته التى استوقفتنى من كتابه «فى الحب والحياة» رغم بساطة التعبيرات: «أنت لا تحس بالفانلة على جسمك إلا فى اللحظة التى تلبسها.. وفى اللحظة التى تخلعها.. أما فى الساعات الطويلة بين اللحظتين.. وهى على جسمك فأنت لا تحس بها.. إنها على جسمك.. تلامس جلدك وتلتف حول صدرك وظهرك وذراعيك ولكنك لا تحس بها ولا تشعر بوجودها.. والمرأة بالمثل تحس بها وأنت تشرع فى الزواج منها فى فترة التعارف والخطوبة وكتب الكتاب وشهر العسل.. فإذا لبستها تماما كالفانلة وأحاطت بصدرك وذراعيك فقدت الشعور بوجودها.. وأصبحت مثل قطعة أثاث فى البيت تدخل كل يوم لتجدها فى مكانها.. مثل المنظر تطل عليه من نافذتك يثيرك للمرة الأولى ثم يصبح عاديًا ثم تنساه تمامًا.. وتظل المرأة منسية كالفانلة.. حتى تأتى اللحظة التى يدب فيها الخلاف بينك وبينها ويتأرجح الزواج على هاوية الطلاق وتبدأ فى خلعها كما تخلع فانلتك.. وفى تلك اللحظة تعود للشعور بها بعنف وترتجف من خشية فراقها.. إن الزواج الذى يسمونه الزواج السعيد.. الزواج الذى يدوم فيه الوداد وتنتظم فيه العلاقة بين الزوجين فى سياق رتيب هادىء.. يفتر فيه شعور كل واحد بالآخر وينطفئ الوهج من قلب الاثنين.. ما السر؟.... السر فى كيمياء الأعصاب.. إن أعصابنا مصنوعة بطريقة خاصة.. تحس بلحظات الانتقال ولا تحس بالاستمرار.. حينما تفتح الشباك فجأة تسمع دوشة الشارع تملأ أذنيك.. ثم تخف الدوشة شيئًا فشيئًا حينما يستمر صخبها فى أذنك.. وحينما تركب الأسانسير تشعر به فى لحظة تحركه.. وفى لحظة توقفه.. أما فى الدقيقة الطويلة بين اللحظتين فأنت لا تشعر به لأن حركته تكون مستمرة.. وحينما تنظر للشمس لأول مرة تغشى عينيك ولكنك حينما تتعود عليها تبحلق فيها دون أن تتأثر.. وحينما تعيش متمتعًا بصحة مستمرة لا تحس بهذه الصحة.. ولا تتذكرها إلا حينما تمرض.. وحينما تدخل السجن تفقد وزنك فى الشهور الأولى، لأنك تحس بالفارق بين هواء الحرية وهواء الزنزانة.. ثم تتعود على الزنزانة فتفقد إحساسك بضيقها.. وتبدأ تأكل بشهية وتسمن.. إن الدوام قاتل الشعور.. لأن أعصابنا عاجزة بطبيعتها عن الإحساس بالمنبهات التى تدوم.. نحن مصنعون من الفناء.. ولا ندرك الأشياء إلا فى لحظة فنائها.. نشعر بثروتنا حينما تفر من يدنا.. ونشعر بصحتنا حينما نخسرها.. ونشعر بحبنا حينما نفقده.. فإذا دام شىء فى يدنا فإننا نفقد الإحساس به».. هكذا عبر بكلماته عن طبيعة أغلب البشر، ليس فى الحب والزواج فقط، ولكن مع كل النعم، والتى يعتادونها فيشعرون أنها حق مكتسب، ومضمونة مدى الحياة، ويتناسون أنها عطايا ربانية، كما منحها الله قادر أن يسلبها، هؤلاء من تفسدهم النعم، فبدلا من أن يستشعروا بها ويؤدوا شكرها، يجحدونها ويتكبرون ويتجبرون بها، حتى ينتهى الاختبار الربانى ويفيقون بعد فوات الأوان، بعد أن يكون قد سلبها الله منهم.. فكما يقال:
«يمنحك الله دائمًا فرصة أخيرة، لكنك لاتدرك بأنها كذلك إلا حين تمضي».. فيا ليتنا جميعا نستشعر نعم الله قبل أن نفقدها.. فكما قال الشيخ محمد متولى الشعراوى رحمه الله: «إن تمنيتُم شيئًا، فتمنّوا من الله ألا يُريكم قيمَة الأشياء بعد زوالها».
"
هل تؤيد قرار منع التدخين والمحمول في المدارس؟

هل تؤيد قرار منع التدخين والمحمول في المدارس؟