الإثنين 27 سبتمبر 2021
رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
عبد الرحيم علي
رئيس التحرير التنفيذي
داليا عبد الرحيم
رئيس مجلس الادارة والتحرير
عبد الرحيم علي
رئيس التحرير التنفيذي
داليا عبد الرحيم

آراء حرة

إرهاصات في زمن الكورونا

تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق google news
بعد التأكد من الإصابة بفيروس كورونا بالتحاليل والآشعة المقطعية، بدأت رحلة العلاج مع السادة الافاضل اساتذة الامراض الصدرية، وهالني هذا العدد الكبير من الأدوية التي وصفها لي الزملاء. وفي فجر ثاني يوم رمضان حدث نقص في نسبة الاكسجين في الدم الي أقل من ٩٠٪؜، مما استدعى نقلي الي المستشفى. دخلت الي العناية المركزة مصحوبا بالأهل والزملاء، وكان القرار ضرورة البقاء في المستشفي ونقلي الي غرفة داخلية. بعد عدة ساعات وربما بسبب نومي وخروج أنبوبة الأكسجين من الانف، انخفضت نسبة الأكسجين الي اقل من ٩٠٪؜ مرة اخري، مع سماع صوت إنذار من الاجهزة، وعندها شعرت باحساس ان الموت قادم لامحالة.
وفي هذه اللحظة، حدث لي ماقرأت عنه كثيرا، وهو الارهاصات التي تحدث في عقل من هم مقدمون علي الموت، والتي تتمثل في شكل شريط سينمائي تراه امامك لعدة لحظات. هذه اللحظات رأيت فيها مشاهد لكل مراحل حياتي، منذ ان كنت طفلا صغيرا ربما اصغر من ٥ سنوات. ومحطات عامة وخاصة من حياتي حتي يومنا هذا.
المشهد الاول: تذكرت أول يوم دراسة سنة ١٩٦٩. كان عمري ٥ سنوات و٨ اشهر وكان القانون يشترط ٦ سنوات. اصطحبني والدي رحمه الله الي المدرسة الابتدائي وانا ارتدي المريلة واحمل الشنطة ومعي ساندوتش اعدته امي رحمها الله. ذهبنا الي الفصل الأول الابتدائي فلم نجد اسمي بالكشوف، وذهبنا لمقابلة الناظر فنظر في الكشوف وقال لوالدي؛ ابنك لسه صغير ياحاج وملوش مكان في المدرسة السنة الحالية، وعليك الانتظار الي العام القادم. نظر والدي الي الناظر وقال؛ ابني عنده ٥ سنوات وثمانية أشهر ولن أنتظر حتي العام القادم لانه سيكون اكبر من الست سنوات المطلوبة بثمانية اشهر كاملة. نظر الناظر وقال؛ لا مش ثمانية اشهر دول ٧ اشهر و٢١ يوم. الكلام لم يعجب والدي ورد عليه؛ حضرتك ابني مش هايضيع عليه سنة علشان ٤ اشهر، والولد مش هايرجع البيت تاني. تأزم الموقف وتدخل بعض المدرسين لنصرة الناظر، وتدخل بعض أولياء الأمور ممن لهم نفس المشكلة مع والدي، وأنا استمع وأراقب. أصر الناظر علي موقفه وأصر والدي علي موقفه، ثم ترك مكتب الناظر وهو يقول: هاأروح الادارة في دكرنس والمديرية في المنصورة، ولو احتاجت هااروح أقابل الرئيس جمال عبد الناصر علشان ابني مايفقدش سنة. وتحت اصرار والدي الشديد علي الالتحاق بالمدرسة ورفعه عدة التماسات، الا إن المدرسة تمسكت بتنفيذ القانون ووضعتني علي قائمة المستمعين لفترة تقترب من الشهر في انتظار خلو اي مكان، وهو مالم يحدث. عدت الي المنزل وكان عليً الانتظار الي العام ١٩٧٠ للالتحاق بالصف الأول الابتدائي. هذا الموقف شاهدته بالصوت والصورة وكأنه حدث بالأمس القريب.
المشهد الثاني: تذكرت جنازة الزعيم الراحل جمال عبد الناصر الذى رحل يوم ٢٨ سبتمبر سنة ١٩٧٠. تذكرت صوت الرئيس الراحل محمد انور السادات وهو يصدر من الراديو الضخم الذي كان عندنا، وتذكرت صورة لابي وامي وخالي طالب طب المنصورة في ذلك الوقت وهم يبكون عبد الناصر بحرقة ولوعة، وتذكرت كلمات خالي رحمه الله عندما سألته ماذا حدث؛ قال لقد مات جمال عبد الناصر، مات الاب والزعيم الذي انتصر للغلابة وسمح لنا بالتعليم. ثم تذكرت مشهد أهل القرية ولمدة ٣ أيام متتالية وهم يطوفون القرية لساعات طويلة ويحملون نعشا ملفوف عليه علم مصر ويقولون "الوداع ياجمال ياحبيب الملايين". ربما كان هذا المشهد الخالد في ذاكرتي السبب الذي جعلني احب عبد الناصر حتي اليوم، ولا اثق في كل من يشكك في إنجازاته لسبب بسيط جدا وهو هذا الحب الجارف الذي شاهدته وعايشته لهذا الزعيم وأنا طفل عمري ٦ سنوات.
المشهد الثالث: تذكرت يوم السادس من أكتوبر العاشر من رمضان سنة ١٩٧٣. كنت اجلس مع خالي الذي كان يستعد لدخول امتحانات البكالوريوس في طب المنصورة. وجدته يتنقل بين محطات الاذاعة ويقول هو فيه ايه؟ ثم فجأة حدث مايشبه الانفجار بعد الاعلان عن نجاح القوات المسلحة في عبور قناة السويس وتحطيم خط بارليف. وجدت الدموع تنهمر من اعين الجميع صغيرًا وكبيراً. خرجت الي الشارع لعليً افهم ماذا يحدث وشاهدت حالة الفلاحين وهم يتوجهون الي بيت العمدة يسألون ماذا نفعل؟ ويعرضون تقديم كل مايملكون للمجهود الحربي. بعد ذلك جاء نداء من الميكرفون في مسجد القرية يطلب من البالغين القادرين علي التبرع بالدم الذهاب الي مستشفي دكرنس العام. عدت الي البيت قبل المغرب فوجدت والدي رحمه الله تعالي وخالي يستعدان للذهاب للتبرع بالدم، واخذاني معهم ورأيت آلاف المصرييين يتنافسون في التبرع بالدم. تذكرت صوت المذيع وتسلسل البيانات التي كانت تذيعها القوات المسلحة، وتذكرت الاغاني الجميلة التي كانت تذاع في الراديو. وتذكرت معركة المنصورة الجوية يوم ١٤ اكتوبر التي شاهدتها من فوق سطح بيتي. الطريف انني تذكرت حطام طائرة إسرائيلية سقطت في احد المزارع القريبة من قريتنا، وتذكرت الاغاني التي كنا نرددها وتقول؛ معانا ايه، فانتوم. في ايدنا ايه، فانتوم. مرت هذا اللحظات وكأنني اشاهد لقطات محفورة في الذاكرة كأنها حدثت بالأمس القريب.
هذه امثلة لأحداث الطفولة المبكرة التي اختزنها العقل واحتفظ بها بالصوت والصورة، وللحديث بقية.