رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
عبد الرحيم علي
رئيس التحرير التنفيذي
داليا عبد الرحيم
حسن إسميك
حسن إسميك

القوة الناعمة في شكلها السعودي.. مثال يُحتذى

الأربعاء 09/ديسمبر/2020 - 07:59 م
طباعة
لو سألنا ما هو مصدر قوة المملكة العربية السعودية، لسارعت الأغلبية بالإجابة دون تردد: النفط! وفى حين لا تحيد هذه الإجابة عن الصواب، لكن حصر عوامل قوة المملكة بثروتها النفطية فقط، هو مكمن الخطأ.
تمتَّعت السعودية بمكانة مرموقة عربيًا وإسلاميًا قبل اكتشاف النفط، وقبل أن تغطّى عائداته، في نظر البعض، على عوامل القوة الثقافية الكامنة فيها، تلك العوامل التى يوازى دورها، ويزيد ربما، دور النفط، في تفسير قوة المملكة ومكانتها الإقليمية والدولية.
شهد العالم العربى أخيرًا حالة من الفوضى والاضطرابات وحتى الحروب، من جرّاء ما سُمِّى «الربيع العربي»، والذى كان أشبه بعاصفة اجتاحته منذ مطلع العقد الثانى من هذه الألفية، فأطاحت بأنظمة، وأشعلت حروبًا وأضعفت جيوشًا كبرى، وغيرت خريطة العلاقات في المنطقة ككل، غير أن المملكة استطاعت في هذا البحر من الفوضى أن تقف صامدة وثابتة، ومع أن الثروة النفطية وما تخلقه من «قوة صلبة» قد لعبت دورًا رئيسًا في هذه الثبات، لكنها لم تكن لتنجح لولا اقترانها بالثروة الثقافية وما تخلقه من «قوة ناعمة». فقد منح توليف هاتين القوتين للسعودية قوتها «الذكية» أو «العالمية» واسعة النطاق.
تبلور مفهوم «القوة الذكية»، الذى ينطوى على مفهوم القوة الناعمة، قبل ثلاثة عقود فقط، إلا أن وجودهما في المملكة العربية السعودية، من حيث التطبيق، يعود إلى وقت سابق على ذلك بكثير. فالمملكة تشغل الجزء الأكبر من شبه الجزيرة العربية ذات الموقع الاستراتيجى الذى توسَّط قديمًا حضارات الصين والهند والحبشة، وساحل الخليج العربى والبحر الأحمر والعراق والشام ومصر، ما جعلها ممرًا تجاريًا مهمًا وطريقًا للقوافل؛ كما ازدهرت فيها حضاراتٌ مثل: المقر، ومدين، وعاد، وثمود، ودلمون، إضافة إلى الممالك العربية التى أخذت تنشأ على امتداد طرق القوافل التجارية.
ثم كانت الكعبة، قبل ظهور الإسلام، وجهة حجٍّ من جميع أنحاء شبه الجزيرة العربية، واحتوت صورًا وتماثيل للمسيحية واليهودية وحتى لديانات وثنية لبعض القبائل العربية، فتحوّلت ومحيطها إلى ملاذ لا يُنتَهك.
في مرحلة لاحقة، ظهر الإسلام في تلك المنطقة أيضًا، وأعاد النبى (ص) والمسلمون للكعبة المشرفة قدسيتها، وأزالوا كلّ صنم أو صورة داخلها أو حولها، وأسقطوا أى طقوس وثنية عن الحج، لتصير المكان الأقدس لدى جميع المسلمين. كما تحولت أم القرى بعد بناء «المسجد الحرام» إلى مكان مقدس يؤمه ملايين المسلمين كلّ عام لأداء فريضة الحج أو للعمرة أو حتى للصلاة والتقرب لله سبحانه وتعالى في ذلك المكان الذى بعث إليه ومنه الرسول الكريم، لينشر رسالة الإسلام في العالم.
وعاصمة العرب..
في السعودية أيضًا، جمع سوق عكاظ أشهر الأدباء والشعراء في تاريخ العرب. ويقال إنه تمَّ اختيار أهم القصائد في ذلك الزمن وكُتبت بماء الذهب وعُلقت على أستار الكعبة المشرفة، نظرًا لأهميتها بين العرب في الجاهلية، وعُرفت باسم المعلقات السبع. ولئن كانت هذه الرواية غير مثبتة فالثابت أنه في ذلك العصر لم يكن أى شاعر يحظى بالاهتمام ما لم يأتِ إلى مكة، ليأخذ منها الاعتراف بموهبته وبلاغته في نظم الشعر الذى لعب دورًا رئيسًا كمصدر للقوة الناعمة، فقد كان هو «الإعلام» حينها، وانتشر بين المتعلمين والأميين على حدٍّ سواء، وكثيرًا ما أشعلت القصائد حروبًا أو أخمدت أخرى، فكان أحيانًا الشعر «الناعم» أمضى من السيف «الصلب». حتى نزل القرآن الكريم فكان أعظم إعجازات اللغة العربية على الإطلاق.
ثقلٌ دولي
تعدُّ السعودية اليوم مركز أربعة «عوالم» مهمة، هي: الشرق الأوسط، والعالم العربي، والعالم الإسلامي، وعالم إنتاج الطاقة، الأمر الذى يجعلها واحدة من أهم الدول وأكثرها تأثيرًا على الصعيدين الإقليمى والدولي. تمنح هذه المركزية قوة صلبة كبيرة للدور السعودي، خاصة وأن قادة المملكة كانوا ماهرين في موازنة هذه القوة مع السعى النشط لبناء قوة ناعمة موازية في علاقات بلادهم الدولية. فلم تحاول السعودية يومًا فرض هيمنتها بالإكراه على أى من الفواعل ضمن العوالم الأربعة السابقة. ورغم تفوقها الثقافى والاقتصادى والعسكري، التزمت بالقيادة المرنة والتدخل المستنير وبالتعددية على مستوى العلاقات الدولية التى تعتبر ركيزة أساس ومصدر للقوة الناعمة، كما اهتمت ببناء الشراكات والتعاون الإقليمى والدولى لتحقيق الأهداف الجماعية. هكذا انضمت إلى الأمم المتحدة في عام 1945، وانتسبت إلى منظمات ثالوث الاقتصاد العالمى (صندوق النقد والبنك الدوليين ومنظمة التجارة العالمية)، والبنك الإسلامى للتنمية. كما أنها من مؤسسى منظمة البلدان المصدرة للنفط (أوبك)، وجامعة الدول العربية، ومنظمة التعاون الإسلامي، ومجلس التعاون الخليجي. ولطالما صرحت بدعمها لأى شكل من أشكال التعاون الاقتصادى العربى والإسلامى والعالمي.
لقد استطاعت المملكة لعقود أن تحقق توازنًا دقيقًا بين ثنائيات متضاربة وقوى متصارعة ومتنافسين معادين يحيطون بها: الغرب والعرب، الولايات المتحدة والأنظمة التى تعاديها في المنطقة والعالم الإسلامي، الإسرائيليون والفلسطينيون، الحركات الثورية والمضادة للثورة في أحداث «الربيع العربي»، بين الصقور والحمائم داخل أوبك، بين الدول المنتجة والمستهلكة للنفط... بيد أن السعودية لم تتخلَ عن مبادئها وشركائها ولا عن عمقها العربى أو الإسلامي، ويعود الفضل في نجاحها بالاستمرار من دون أى مساومة على قيمها والتزاماتها ومسؤولياتها إلى قوتها الناعمة.
كذلك في الداخل، لطالما سارت القيادة السعودية على «حبل مشدود» بين المحافظين والإصلاحيين، تميل تارة نحو الأوائل وتغازل تارة أخرى الليبراليين. إلى أن وصل الملك سلمان بن عبدالعزيز إلى سدة الحكم وعيّن الأمير محمد ابنه وليًا لعهده. 
لم تمتلك المملكة قوة ناعمة كبرى وحسب، بل غيّرت في مسلمات القوة الناعمة، التى وضعها جوزيف ناى وطورها سياسيون ومفكرون بعده، إذ أثبتت أن امتلاك القوة الناعمة ليس حكرًا على الليبراليات الديمقراطية، ولا على الجمهوريات العلمانية. لقد برهنت السعودية على أن طبيعة نظامها الملكى لا تعنى أنه غير مدعوم شعبيًا، أو أنه غير قادر على توليد بيئة داخلية مستقرة سياسيًا واجتماعيًا، في صياغة عكسية لمفهوم صموئيل هنتنغتون عن فجوة الاستقرار، فردم هذه الفجوة نتيجة الاستقرار الناجم عن توزيعٍ عادلٍ للثروة يخلق قوة ناعمة بغضِّ النظر عن طبيعة النظام الحاكم. 

"
هل يحد تغليظ العقوبة على السائقين المخالفين من حوادث الطرق؟

هل يحد تغليظ العقوبة على السائقين المخالفين من حوادث الطرق؟