رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
عبد الرحيم علي
رئيس التحرير التنفيذي
داليا عبد الرحيم
اغلاق | Close
د. نهلة الحوراني
د. نهلة الحوراني

حفلات صناعية بنكهة "السم الهاري"

الجمعة 09/أغسطس/2019 - 08:11 م
طباعة
استطاع الكثير من رواد التسويق والتنمية البشرية أن يستغلوا فكرة الاحتفال من أجل الترويج لمعتقدات كثيرة لديهم، فالاحتفال كمفهوم يجمع الكثير من المفاهيم والطاقة الإيجابية داخلك فى وضع الاستعداد للانطلاق فى شكل من أشكال التعبير عنها. عندما تحتفل تحتاج لأن ترقص وأن تغنى وأن تجهز المأكولات السكرية والشكولاتة المبهجة. تحتاج لأن تستمع لموسيقى فرحة تزيد من فرحك، وأن تجتمع مع من تحبهم كى تشاركهم الفرح.
رأينا ذلك بقوة فى «فندق الضحك»، الذى ما زال يستقبل حجزًا يمتد لأشهر ونحن نتحدث عنه الآن. نشأ ذلك الفندق فى ريف بريطانيا فى منتصف العقد الأول من القرن الحادى والعشرين. هدف صاحبه الذى بلغ سن التقاعد إلى جعل حياته أفضل. قرأ عن تمارين الضحك التى ترى أن الإنسان لو نظر فى المرآة وضحك عشر دقائق يوميًا بلا سبب لن يفقد وقاره أبدًا، بل سيكسب يومًا جميلًا، وسيشعر بذات الشعور الذى يراوده حين يحضر ساعة كاملة فى حفلة سعيدة. حينها قرر أن يبنى ذلك الفندق ليواجه به فندق «البكاء» الذى بُنى قبله حوالى العام ليوفر للنساء فقط غرفًا يبكين فيها دون تطفل من أحد، وحتى دون سبب فى رغبة من صاحبه لتخفيف الضغط عبر التعبير عنه بالبكاء، لكن فندق الضحك يستقبل الأفراد أيًا كان نوعهم أو سنهم أو طبقاتهم بأجر ليس بكبير. لا يطلب منك تأجير ليلة كاملة، فربما تحول الضحك لعادة لا معنى لها لو طال أمده. تكفيك ساعة أو حتى جزء من الساعة بأجر يستطيع الجميع دفعه. تغلق باب غرفتك لتفاجأ بمرايا حولك تراقبك وتنتظر ضحكك. لتشرع فى اصطناع الضحك حتى تفرغ. يشكو الآن النزلاء من طول مدة الانتظار حتى يأتى دورهم فى الحجز مما يقلل من فائدة الضحك، إذ إنك لن تنتظر شهرًا كى تمارس هذا الضحك المكبوت حتى ينطلق، وتدعى أنه ضحك حقيقي! لكن هل هو ضحك حقيقى فعلًا؟! إن علماء النفس يرون أن الضحك علاج مفيد للكثير من الأمراض النفسية وحتى الجسدية، إذ إنه ينشر الإيجابية فى خلاياك كلها فى ذات الوقت لدرجة أن الضحك يرفع مناعة الجسد فعلًا فى مستويات عدة حيويًا. لذا سمى صاحب الفندق الأوقات التى يقضيها نزلاؤه لديه بـ «حفلة الضحك».
انتقل الأمر لحفلات إلكترونية عدة، إذ يوجد تطبيق يُسمى «Lough Party» أى «حفلة الضحك» يقيس ضربات قلبك وأنت تضحك عبر صوت الضحكة وعدد من مؤشراتها فى لقطات فيديو قصيرة، وحين تصل لما يعبر عن الاحتفال يستخدم عددًا من تقنيات الذكاء الاصطناعى ليبهجك أكثر كموسيقى تحبها أو كلمات على غرار «أنت الآن جميل حقًا» و«أنا أحبك جدًا الآن»، وهى عبارات تعود بك لتلك التى كان أبواك يقولانها لك بعد أن تحسن التصرف حين كنت طفلًا. عبارات لا نكترث لها كثيرًا فى عالم العمل الضاغط والنضج الجاد. إلا أنها تدللك وتغريك بأن تكون أكثر إيجابية. وهو منطق يتعاون فيه الذكاء الاصطناعى مع العلوم الاجتماعية، يطلق عليه البعض «رد الفعل المتواتر»، ويشير إلى أن كل رد فعل حيوى سيتبعه رد فعل إلكترونى يحاكيه ويشبهه، وكأن التطبيق يملك عقلًا. اضحك لى كى أضحك لك، فأنا أحبك الآن أكثر. إننا نلجأ لعدد من الخطوات نتعاون فيها مع المبرمج كى يحقق لنا حالة من التناغم بين الإنسان ونفسه وليس بين الإنسان والروبوت الكامن فى التطبيق. ويشبه ذلك ما نقوم به فى العلاقات العامة حين نرسل لعملاء موقع معين يمارس البيع الإلكتروني، رسائل تغريهم بالاستجابة التى نريدها، لتجد رسائل على هاتفك أو فى بريدك الإلكترونى رسالة غريبة لكنها تغريك بما يريد من أرسلها، ربما وصلتك رسالة ذات يوم تسألك أسئلة شخصية جدًا، مثل: «لماذا تشاجرت مع زوجتك هذا الصباح» أو «يكفى حزنًا فأنت تحتاج لتغيير صديقك الذى قابلته اليوم» أو «انظر لسيارتك فهى مصابة». قد تكون هذه الجمل فى مظهرها تافهة، وقد لا تكترث لها مرات لكنها لو تكررت بذكاء قائم على تحليل تصرفاتك عبر الإنترنت قد تتحكم بحياتك فيما يريد المسوق إلى عدم عن حد ما قد لا تريده. إذ تصبح حينها تحت سيطرتها جزئيًا ولو فى جانب صغير جدًا من حياتك. إنها تدعوك للاحتفال والحب والبهجة، عبر رسالة مفادها «أنا صديقك وأفهمك وسأجعل حياتك أفضل». فماذا تريد أفضل من ذلك؟
إنك حقًا إنسان. مخلوق جميل. تحب الجمال. قد تأباه حينًا غضبًا منه أو ممن يهدونك إياه. لكنك تحب الجمال وتحب الاحتفال بالجمال. تعشق أن تضحك فى حضرة المعانى الجميلة. لكن هناك من يراقبك طوال الوقت ويعمل على تقديم ذلك الجمال لك كى تحتفل به بالطريقة التى تفيده. هو لا يحتفل معك لكن وظيفته فى الحياة أن يكسب من احتفالك. أصبح لديك متعهد حفلات فى جيبك، متى ما فتحت بريدك يقفز معلنًا وجوده يسأل عنك ويحاورك ويخبرك بذلك الجمال المنتشر حولك. شرط أن يكون احتفالك فى حديقته هو برسم دخول وخروج يراه هو. احتفل واحذر متعهدى الحفلات.

الكلمات المفتاحية

"
من ترشح لقيادة منتخب مصر؟

من ترشح لقيادة منتخب مصر؟