رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
عبد الرحيم علي

جورجي زيدان.. صانع الهلال

السبت 21/يوليه/2018 - 12:30 م
جورجي زيدان
جورجي زيدان
أحمد صوان
طباعة
كانت حياة الأديب والمفكر اللبناني جورجي زيدان حافلة للغاية، فقد تنقل بين بيروت والقاهرة، وعمل صحفيًا ومديرًا لصحيفة الزمان، ومديرًا لمجلة المقتطف المصرية، وبعدها أسس مطبعته الخاصة وأصدر مجلة "الهلال" التي قدم من خلالها أعماله الأدبية؛ وركز في مؤلفاته الأدبية على التاريخ العربي الإسلامي منذ بداية الإسلام وحتى عصر المماليك.
استقبلت العاصمة اللبنانية بيروت مساء 14 ديسمبر 1861، أولى صرخات جورجي زيدان ابن الأسرة المسيحية الفقيرة، لأب يجهل القراءة والكتابة ويملك مطعمًا صغيرًا، يتردد عليه طائفة من رجال الأدب واللغة وطلاب الكلية الأمريكية؛ ورغم جهل الأب، أرسل طفله الذي كان يبلغ الخامسة إلى مدرسة متواضعة ليتعلم القراءة والكتابة والحساب؛ حتى يستطيع مساعدته في إدارة المطعم وضبط حساباته، ليلتحق بعدها بمدرسة الشوام لتعلم الفرنسية، والتي تركها بعد فترة ويلتحق بمدرسة مسائية لتعلم الإنجليزية.
لم ينتظم جورجي في المدارس، فتركها وعمل في مطعم والده، غير أن والدته كرهت له العمل بالمطعم، فاتجه إلى تعلم صناعة الأحذية وهو في الثانية عشرة التي عمل بها لعامين، حتى أوشك على إتقانها لكنه تركها نظرًا لظروف صحية؛ ورغم ما كان يقوم به من أعمال إلا أنه كان مهتمًا بالقراءة والاطلاع؛ وأبدى منذ صغره شغفًا بالمعرفة والأدب على وجه الخصوص.
توطدت صلة الفتى بعدد كبير من طلبة الجامعة الأمريكية، ورجال الصحافة وأهل اللغة والأدب من أمثال يعقوب صروف، وفارس نمر، وسليم البستاني وغيرهم، وكانوا بدورهم يدعونه للمشاركة في احتفالات الكلية، فتاقت نفسه إلى الالتحاق بركب العلم، وبالفعل التحق بمدرسة الطب، فتحقق له مراده بعد أن اجتاز اختبارا في بعض المواد العلمية، وبعد أن أمضى في مدرسة الطب عاما كاملا تركها إلى مدرسة الصيدلة.
اعتزم جورجي زيدان الهجرة إلى القاهرة ليتم بها دراسة الطب، ولم يكن معه ما يكفي نفقات السفر، فاقترض من جار له ببيروت ستة جنيهات على أن يردها إليه حينما تتيسر له الأحوال، وعندما نزل إلى القاهرة في أكتوبر 1883، تحول عن دراسة الطب وبدأ رحلة البحث عن عمل يتفق مع ميوله، فعمل محررا في صحيفة "الزمان" اليومية التي كان يملكها ويديرها رجل أرمني الأصل يُدعى "علكسان صرافيان".
عاد إلى بيروت عام 1885، وفي بيروت انضم إلى المجمع العلمي الشرقي الذي أنشئ في سنة 1882م للبحث في العلوم والصناعات، والإفادة منها بما يعود على البلاد بالنفع والخير، وتعلم اللغتين العبرية والسريانية، وهو ما مكّنه من تأليف أول كتبه "فلسفة اللغة العربية" عام 1886، ثم زار جورجي زيدان لندن، وتردد على مكتباتها ومتاحفها، ومجامعها العلمية، ثم عاد إلى القاهرة التي تولى بها إدارة مجلة المقتطف، وظل بها عاما ونصف العام.
كان جورجي زيدان متمكنا من اللغتين الإنجليزية والفرنسية إلى جانب اللغة العربية، واسع الاطلاع بهما، خاصة فيما يتصل بالتاريخ والأدب العربيين، فأصدر عام "1889" كتاب "تاريخ مصر الحديثة" في مجلدين، و"تاريخ الماسونية والتاريخ العام"، وهو موجز في تاريخ قارتي آسيا وأفريقيا، ثم توالت كتبه: تاريخ إنجلترا، تاريخ اليونان والرومان، جغرافية مصر وطبقات الأمم وغيرها، غير أن هذه الكتب لم تلفت إليه الأنظار، ولم تلق نجاحا يذكر، إلى أن أنشأ مجلة الهلال التي ارتبطت حياته بها ارتباطا وثيقا.
اهتم زيدان بالتاريخ العربي والإسلامي، وجاءت أغلب مؤلفاته حول الدراسات التاريخية للأحداث التي مرت بها المنطقة العربية منذ ظهور الإسلام وحتى عصر المماليك، وتلقى الكثير من الانتقادات التي تقول أن معظم مؤلفاته تغلب عليها القصصية أكثر من التوثيق بسبب غياب المصادر.
اعتبر بعض المفكرين الإسلاميين أن زيدان بأعماله الأدبية يشوه بعض الحقائق في التاريخ العربي، باعتباره يقدم عملًا أدبيًا تغلب عليه النظرة الشخصية أكثر من الموضوعية، وإن كان يذكر بعض المصادر إلى جانب بعض الاقتباسات، إلا أنهم يعتبرون أن المصادر لم تكن تفصيلية وهذا ما دفع الكثيرين إلى رفض أعماله الأدبية، لكن فريقًا آخر يعتبر أن الجهد والعمل الشاق الذي قام به زيدان يستحق الاحترام، إذا ما تمت المقارنة بين عدد مؤلفاته وسنين حياته التي عاشها وبين طبيعة مؤلفاته وما جاء قبلها.
"
هل تؤيد قرار منع التدخين والمحمول في المدارس؟

هل تؤيد قرار منع التدخين والمحمول في المدارس؟