رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
عبد الرحيم علي

طاغور.. قلب نابض لم يتوقف عن الحلم

الثلاثاء 08/أغسطس/2017 - 03:04 ص
طاغور
طاغور
سميرة سليمان
طباعة
"حين تقترب من طاغور، يناسم نفسك شعورٌ أنك في معبد، فتتكلم بصوتٍ خفيضٍ، وإن أتيح لك بعد هذا، أن تتملى قسمات وجهه الدقيقة الأبية، فإنك واجدٌ خلف موسيقى خطوطها وطمأنينتها، الأحزان التي هيمن عليها، والنظرات التي لم يداخلها الوهمً، والذكاء الجريءَ الذي يواجه صراعَ الحياة في ثبات".
هكذا وصف الكاتب الفرنسي رومان رولان شاعر الهند والإنسانية بأكملها طاغور، الذي تحل اليوم 7 أغسطس ذكرى رحيله.
قامت فلسفة طاغور على نبذ العنف ونشر الحب والسلام والجمال فكان معلما روحيا وليس شاعرا فحسب، فوصفه غاندي بأنه "منارة الهند" ولنشره التسامح والمحبة حاز جائزة نوبل عام 1913، فكان أول شرقي ينالها بعدما سحر الغرب بكتاباته، وانتشرت ترجماته في العالم كله، لذلك بكاه الجميع عند رحيله.
رحلة الميلاد
ولد طاغور في السادس من مايو عام 1861، لأسرة هندية عريقة، وكان أصغر أخواته السبعة، أطلق عليه والده اسم "رابندار" ويعني "الشمس" تيمنًا بأنه سيشرق كالشمس، وكان والده أحد أعلام نحلة "اليوبانيشاد" الدينية التي تركت في الهند أثرًا صوفيًا بالغًا.
لم ينتظم طاغور إلى أي مدرسة فتلقى معظم تعليمه في البيت على أيدي معلمين خصوصين، وتحت إشراف مباشر من أسرته، التي كانت تولي التعليم والثقافة أهمية كبرى.
وكشفت له زيارتان قام بهما لوالده في الهمالايا عن آفاق جديدة وعن تجربة صوفية كان لها أثر كبير في حياته، فتولدت في نفسه حب الطبيعة وحب الإله.
عندما بلغ الرابعة عشرة من عمره توفيت والدته فجاء أثر رحيل الأم قاسيًا على نفسه وكتب يرثيها فقال: "سأنظم بدموع آلامي عقودًا ومن الدر أزين بها عنقك يا أمي، وحزني سيبقى لي وحدي لقد انطفأ المصباح الذي كان ينير ظلماتي"، وفي العام التالي انتحرت شقيقته.
مأساة الفقد 
حينما تزوج كتب عن زوجته: "لقد داعبت موسيقى الأشياء كلها أعضاءها لتمنحها إهاب الجمال، إنها زوجي.. لقد أشعلت مصباحها في بيتي وأضاءت جنباته".
ولكن سرعان ما رحلت السعادة عن بيته فقد رحلت زوجته وهي في ريعان شبابها، ولحق بها ابنه وابنته ووالده في فترات متتابعة مما خلف في نفسه جرحًا عميقًا. 
ولكن طاغور يكتب في ديوانه "الهلال" يقول: "إن عاصفة الموت التي اجتاحت داري أضحت لي نعمة ورحمة، فقد أشعرتني بنقصي وحفزتني على نشدان الكمال وألهمتني أن العالم لا يفتقد ما يضيع منه".
كما قال في قصيدة له: "سأحطم الحجر وأنفذ خلال الصخور وأفيض على الأرض وأملأها نغما، سأنتقل من قمة إلى قمة، ومن تل إلى تل، وأغوص في واد وواد. وسأضحك بملء صدري وأجعل الزمن يسير في ركابي".
شاعر شرقي يقتنص نوبل
نال طاغور بسبب ديوانه "جيتنجالي" جائزة نوبل للآداب وكان أول شاعر شرقي يفوز بها حتى قال الكاتب الفرنسي أندريه جيد "ليس في الشعر العالمي كله ما يداني طاغور عمقًا وروعة".
بدأت حياة طاغور الأدبية بنشر بعض المقطوعات والأغاني الشعرية، تبعها نشر قصة "الزهرة البرية"، وتشتمل على ستة فصول كتبها سنة 1879م، وظهرت له في صحيفة "اليهاراتي" من صحف الهند الأولى "قصة شاعر" وكانت أول عمل له يظهر في كتاب مطبوع وقد قام بطبعه أحد أصدقائه.
كان قد منح تكريمًا من دول العالم، ففي الهند حاز الدكتوراه الفخرية، كما منحته الحكومة البريطانية لقب "سير" وهو اللقب الذي قام بإعادته للحكومة البريطانية عقب الأعمال القمعية التي قامت بها عام 1919 بإقليم البنجاب.
الجانب الإيماني لطاغور
في كتابها "طاغور.. الجانب الإيماني" الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب تقول الكاتبة سهيلة الحسيني: "لقد وجدت في طاغور نزعة إسلامية، فهو في روحه وقلبه وتعامله مع الإنسان، مسلمًا صوفيًا من الطراز الرفيع، بيد أن للمسلم فرائض وسننًا لا تتحقق في طاغور، ورغم نشأته ضمن أجواء إسلامية، لكنني لم أتبينها فيه من خلال منظومة أركان الإسلام".
كتب طاغور يوما في كتابه "الإسلام ورسوله في فكر هؤلاء": "الإسلام دين عظيم، استطاع أن يشد إليه الناس في كل مكان، لذا فأعداؤه كثيرون، لكنه لبساطته القوية، سيظل رافعًا راياته".
اهتم طاغور بدراسة الأديان وكتابه "دين الإنسان" من أهم الكتب التي صاغها من فكره وقراءاته وفلسفته، يقول طاغور "إن كل طفل يولد في عالمنا هذا هو آية حية تقول لنا إن الله لا ييأس من بني الإنسان".
كذلك زار طاغور مصر عام 1936 ووقف على أهمية الأزهر في نشر الدعوة الإسلامية وأبدى إعجابه برعايته للإسلام وبالعلماء الذين درسوا الإسلام، وقال إن الأزهر قيمة عالمية يجب تقليدها في كل مكان، متمنيًا أن يكون بالهند أزهر كأزهر مصر.
رسام في الستين
جاء إنتاج طاغور غزيرًا ما بين فلسفة وشعر ورواية وقصة ومسرح، فله 12 رواية و11 مسرحية شعرية وموسيقية "فقد كان ملحنا ومجددا في الموسيقى البنغالية"، وثلاث مسرحيات راقصة، و4 مسرحيات ساخرة، وعدد من مجلدات القصة القصيرة، وعدد من كتب الرحلات، ومقالات متعددة في الأدب واللغة والتاريخ والفلسفة والتربية، و44 ديوانا شعريا، وعدد من قصص وأغاني الأطفال أكثر من ثلاثة آلاف أغنية، وحوالي 3 آلاف لوحة تشكيلية.
كل هذا أنجزه طاغور خلال عمره المديد الذي امتد للثمانين عاما، إذ ولد سنة 1861 وتوفي سنة 1941، وفيما عدا استراليا؛ فقد زار طاغور مختلف بلدان العالم، وحظي بشهرة عالمية تقارب تلك التي حازها المهاتما غاندي. 
أخرج طاغور فيلما واحدا هو "نيتير بوجا"، وعن قصة له أخرج "ساتيا جيت راي" فيلما هو "البيت والعالم"، كما كان مصورا ورساما، فقد بدأ مشروعه التشكيلي وهو في الثالثة والستين.
وخلال زيارته لليابان عام 1916 تأثر طاغور مباشرة بالفن الياباني، كما زار طاغور متاحف أوروبا وأمريكا في الفترة ما بين 1921 - 1939 واحتك بشكل مباشر بمختلف تيارات الفن المعاصر في الغرب واستجاب وتأثر بها، ورغم أن طاغور قدم معرضه الفني الشخصي الأول في باريس عام 1930، إلا أن النقاد الفنيين يعتبرون عام 1924 هو عام بزوغ نجم طاغور الرسام / المصور.
جامعة طاغور
في عام 1909 أنشأ طاغور في إحدى ضواحي "كلكتا" مدرسة سماها "شانتينيكيتان" والتي تعني "مرفأ السلام" سعى من خلالها إلى تطبيق نظرياته الجديدة في التربية والتعليم، وذلك عبر مزج التقاليد الهندية العريقة بالغربية الحديثة، كما حرص فيها أن يتلقى الطلبة دروسهم إلى جانب التمتع بالطبيعة والمساهمة في المحافظة عليها والزيادة في تجميلها، وقد ألقى طاغور في هذه المدرسة عديد من المحاضرات التي جمعها في كتابه الشهير "سادهانا".
وقد تمكن عام 1921 بعد جهد كبير من افتتاح جامعته العالمية "فيسفابهاراتي" وهي التسمية التي استوحاها من أحد الأبيات الشعرية السانسيكريتية وتعني "المكان الذي يتحد فيه العالم".
عالمي بالصدفة!
عُرف طاغور عالميًا حين سافر عام 1912 إلى إنجلترا للمرة الأولى، منذ أن ترك الجامعة، وفي الطريق، بدأ طاغور يترجم آخر دواوينه "جيتنجالي" إلى الإنجليزية.
وكانت كل أعماله السابقة تقريبا قد كتبت بلغته البنغالية، لقد قرر ترجمة المجموعة الأخيرة من باب التسلية، ولقتل وقت السفر الطويل بحرا دون أن يبتغي شيئًا من ترجمته. 
عند وصول طاغور إلى إنجلترا، علم صديق مقرب منه ويدعى روثنستاين، وهو رسام شهير التقاه طاغور في الهند، بأمر الترجمة، وطلب منه الإطلاع عليها. لقد كانت الأشعار أكثر من رائعة، وبدا كما لو أنه وقع على اكتشاف ثمين، فاتصل بصديقه الشاعر دبليو.بي بيتس الذي دهش بتجربة طاغور، فنقح الترجمة وكتب مقدمة لها بنفسه.
فلسفة الموت
عندما كان طاغور يرتقب الموت وكانت الحرب العالمية الثانية قد اندلعت، أعلن في يوم مولده الثمانين: 
عندما أجول ببصري من حولي، أقع على أطلال مدينة مغرورة تنهار وتتبعثر في أكوام هائلة من التفاهة والعبث، ومع ذلك فلن أذعن للخطيئة المميتة في فقدان الإيمان بالإنسان؛ بل إنني سأثبِّت نظري نحو مطلع فصل جديد من فصول تاريخه، عندما تنتهي الكارثة ويعود المناخ رائقًا ومتناغمًا مع روح الخدمة والتضحية.. سيأتي يوم يعاود فيه الإنسان، ذلك الكائن الأبيّ، خطّ مسيرته الظافرة على الرغم من كل العراقيل، ليعثر على ميراثه الإنساني الضائع. 
يقول طاغور مخاطبا الموت: "يوما بعد يوم سهرت في انتظارك، من أجلك تذوقت هناءة الحياة وعانيت عذابها".
"
هل تؤيد قرار منع التدخين والمحمول في المدارس؟

هل تؤيد قرار منع التدخين والمحمول في المدارس؟