الأحد 16 يونيو 2024
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
عبدالرحيم علي
رئيس التحرير
داليا عبدالرحيم
رئيس مجلسي الإدارة والتحرير
عبدالرحيم علي
رئيس التحرير
داليا عبدالرحيم

ثقافة

نحو نظرة جديدة لجوائز الدولة في سياق تفعيل المنظومة الثقافية المصرية

الدكتور عماد ابو
الدكتور عماد ابو غازي وزير الثقافة الأسب
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق google news
يبدو ان الوقت قد حان لنظرة جديدة لجوائز الدولة بدلا من استمرار "موسم الاحتجاجات" مع الاعلان عن نتائج هذه الجوائز كل عام!.
وجوائز الدولة تأتي هذا العام ومصر تعيش بالفعل مرحلة جديدة حافلة بوعود وآمال بقدر ماتنطوي على تحديات ليست بالهينة وتستدعي وعيا مجتمعيا تحفزه ثقافة وطنية ديمقراطية وتبنيه ابداعات المثقفين على قاعدة الحق والخير والجمال.
وقضية الجوائز ليست بهذا المعنى بعيدة عن جهود ثقافية ينبغي بذلها باخلاص لمواجهة سيل التفاهات والسطحية والانحدار القيمي والسلوكيات الهابطة والسيولة المهددة لثوابت القيم و السعي لبناء الانسان الجديد الذي يدرك معنى الجمال وبمقدوره تذوق مباهج الفن الجميل.
وهي جهود لايمكن ان تقوم بها وزارة الثقافة وحدها بمعزل عن وزارات اخرى مثل التعليم والاعلام والشباب والأوقاف والأزهر والكنيسة ناهيك عن منظمات المجتمع المدني التي تعمل تحت مظلة الوطنية المصرية الجامعة.

والحق ان جوائز الدولة باتت ضمن هموم المثقفين والمبدعين المصريين الذين يرى كثير منهم انها قد تمنح لمن لايستحقها او بناء على معايير بحاجة لمراجعة شاملة تعلي من قيمة الابداع الأصيل قبل اي اعتبار اخر وتكون بريئة من شبهات المحاباة والمجاملات والشللية.
وهكذا اعتادت الجماعة الثقافية المصرية على مشهد يكاد يتكرر كل عام :اتهامات من كل نوع !..قدح فى شروط الجوائز وتشكيك فى نزاهة التحكيم!..شائعات وأقاويل لاتنقطع عن المجاملات والمحاباه والضغوط والاستجداء وعدم الشفافية والظلم والصفقات وتصفية الحسابات!..احتجاجات واحيانا استقالات وانسحابات من لجان التحكيم!..هذا هو الحال فى الجوائز الثقافية التى باتت توصف بالاشكالية".
نعم تحولت جوائز الدولة الى "إشكالية" تعقد الندوات لمناقشتها كما حدث منذ فترة ليست بالبعيدة عندما استضافت مديرية ثقافة القاهرة الدكتور عماد ابو غازي وزير الثقافة الأسبق لبحث جوانب "الاشكالية"!.
ومازالت الذاكرة القريبة تحفل بمشاهد دالة على تلك الاشكالية فالكاتب والروائى الراحل خيرى شلبى اعتبر عندما كان يشغل منصب مقرر لجنة القصة بالمجلس الأعلى للثقافة في عام 2011 انه لاأحد يستحق الجائزة التى حصل عليها ذاك العام وعلق على نتائج الجوائز بقوله :"الواحد يصاب بالعار لأنه كان عضوا فى لجنة بالمجلس ويجد ان كل من يستحق الفوز بجوائز الدولة لم يفز احد منهم حتى الآن" .
اما الروائى الكبير بهاء طاهر فشدد حينئذ على ضرورة تغيير الاليات وتغيير اشياء كثيرة جدا داخل المجلس الأعلى للثقافة فيما قال سمير غريب رئيس جهاز التنسيق الحضارى وقتئذ ان وزارة الثقافة بريئة من الاتهامات التى توجه اليها فى الصحف كل يوم بأنها مسؤولة عن الدفع باسماء معينة للحصول على جوائز الدولة.


ومن جانبه-طالب الدكتور احمد مجاهد رئيس الهيئة العامة للكتاب باجراء تعديلات لمنع قيادات وزارة الثقافة من التصويت على جوائز الدولة فيما كان الكاتب والمفكر السيد ياسين قد اتهم قيادات الوزارة بأنها من العوامل المؤثرة على نزاهة نتائج التصويت.
وبدوره-انتقد الكاتب والروائى جمال الغيطانى الأسلوب الحالى لمنح جوائز الدولة وقال انه لايحصل عليها الا من يلحون ويضغطون ويطاردون اعضاء المجلس الأعلى للثقافة لتسول التصويت ويدعون المرض بل ربما لجأوا الى الادعاء بأنهم على فراش الموت لاستجداء التعاطف.
وتبدو التصنيفات الايديولوجية والانتماءات العقائدية والخلافات الفكرية احد عوامل الجدل حول جوائز الدولة كما حدث فى حالة الكاتب سيد القمنى الذى اثار حصوله على جائزة الدولة التقديرية فى العلوم الاجتماعية منذ نحو خمسة اعوام عواصف غضب واتهامات متعددة بل ودعاوى قضائية.
وللحقيقة فان الظاهرة ليست مصرية فحسب وانما هي عالمية وهاهو الكاتب والناقد البريطانى روبرت ماكروم قد اعتبر ان جوائز البوكر التى تعد اهم جوائز الأدب فى بريطانيا تواجه ازمة ثقة ويذهب الى ان اختيارات لجنة التحكيم شاذة فى كثير من الأحيان وتثير دهشة واستنكار بل وعدم تصديق الكثير من محبى القراءة وعشاق الأدب .
وتفرعت عن جائزة البوكر جوائز للرواية العربية وكذلك جوائز للأدب الروسى واخرى للأدب الافريقى فيما يرى الناقد ماكروم ان اغلب الأعمال الفائزة هى اعمال متوسطة القيمة بينما الاستثناء فى جوائز البوكر هو فوز اعمال متميزة حقا وذات قيمة ادبية عالية مقابل اعمال رديئة تفوز ايضا رغم اللوعة والاستنكار.
وفى عام 2010 كانت الناقدة المصرية الدكتورة شيرين ابو النجا قد اعلنت انسحابها من لجنة تحكيم الدورة الثالثة لجائزة البوكر العربية قبيل اعلان القائمة القصيرة التى ضمت ست روايات احتجاجا على الية التصويت فى هذه الجائزة المستعربة وعدم اعتماد معايير نقدية واضحة فيما كان الكاتب والناشر السورى الأصل رياض نجيب الريس قد استقال من مجلس امناء جوائز البوكر العربية اعتراضا على الطريقة التى تدار بها ووصف زملائه فى المجلس بأنهم "مجموعة من شهود الزور"!.
ومع ذلك فان جائزة البوكر شأنها شأن جائزة جونكور الفرنسية وبوليتزر الأمريكية ناهيك عن نوبل العالمية تغير غالبا مصير من يفوز بها سواء على المستوى المعنوى او المادى حيث تقفز مبيعات كتبه وهى مسألة فى نظر الكاتب روبرت ماكروم تحط من القيمة السامية لأى جائزة لأنها تختزلها فى مجرد ترويج لمبيعات كتب الفائز بالجائزة.

ورغم ان روبرت ماكروم يسلم بأن البوكر باتت تتمتع بنفوذ وتأثير لايمكن التقليل منهما فى عالم الأدب فقد بلغ هجوم هذا الكاتب والناقد على جوائز بوكر مبلغه عندما ذهب الى ان القائمين على هذه الجوائز يشعرون بدونية وعقدة نقص بالمقارنة مع جوائز ادبية اخرى فى العالم ومن هنا فان همهم ان يثيروا اكبر قدر ممكن من الدعاية لقيمتها والترويج لأهميتها بالحق او بالباطل.
والطريف ان روبرت ماكروم يعترف بأسى بأن القائمين على جوائز البوكر نجحوا بهذه الحملات الدعائية والترويجية فى اقناع اغلب البريطانيين وبقية العالم بأن هذه الجوائز هى الأهم فى عالم الأدب المكتوب بالانجليزية وانها اكثر اهمية من جوائز البوليتزر الأمريكية او الجوائز التى يمنحها اتحاد النقاد الأمريكيين .
واذا كان البعض فى مصر قد ذهبوا فى سياق التعليق على جوائز الدولة بأنها " تضيع الموضوعية وتسقط المعايير وفى نهاية المطاف تفقد الجوائز قيمتها وجدارتها وعاما بعد عام تتكرر الحكاية ذاتها ويتضاعف السخط من هذا التردى والسقوط فى مستنقع المجاملات والتصويت لمن لايستحقون" فان الناقد والكاتب روبرت ماكروم اعتبر ان مايحدث فى جوائز البوكر يعبر عن تغير ثقافى فى السنوات الأربعين الأخيرة حيث باتت العملة الرديئة تطرد العملة الجيدة فى الثقافة كما هو الحال فى الاقتصاد والسوق!.
ويرى ماكروم ان هناك تغيرا فى الذائقة والمزاج الثقافى وسوق الكتاب لكنه تغير من الأعلى للأدنى ومن الأعمق للسطحى ومن الأفضل قيمة للمتوسط القيمة او" الميديكور" بلغة السينما ومن الأصيل والجاد للاستعراضى والشكلانى وكل ذلك فعل افاعيله فى جوائز البوكر التى لايمكن تجاهلها رغم كل المثالب والعيوب لأنها نجحت فى فرض اسمها داخل بريطانيا وخارجها.
ولأنها نجحت فى فرض اسمها ولو بفضل الدعاية والترويج فان هذا الناقد والكاتب البريطانى يطالب القائمين على جوائز البوكر بالتحلى بقدر اكبر من المسؤولية والنضج فيما كان من الطريف ان طالت انتقادات من كتاب ومعلقين امريكيين جائزة بوليتزر معتبرين ان لجنة التحكيم غير متوازنة نوعيا حيث تخضع للهيمنة الذكورية.
ورأت هذه الأصوات ان عدم التوازن النوعى داخل لجنة التحكيم لجوائز البوليتزر الأمريكية التى تمنحها جامعة كولومبيا قد يعنى انحيازا فى تقييم الأعمال لصالح الذكور على حساب الاناث غير ان الأمر قد يبدو اشد وطأة فى القاهرة بعيدا عن مسألة مثل التوازن النوعى للجان التحكيم.
وحتى جوائز نوبل التى توصف بأنها "ام الجوائز" فى العالم لم تسلم من اتهامات بالانحيازات الايديولوجية او الخضوع لأهواء سياسية بل وعنصرية ويضرب البعض مثلا بحصول مبدع عربى واحد فحسب وهو نجيب محفوظ على جائزة نوبل للأدب منذ ان ظهرت جوائز نوبل قبل اكثر من 100 عام.

وفيما يتردد اسم الشاعر السورى على احمد سعيد الشهير بأدونيس كل عام كمرشح محتمل للفوز بجائزة نوبل للأدب فان الجائزة مازالت مستعصية على اى عربى منذ ان فاز بها هرم الرواية المصرية والعربية نجيب محفوظ فى عام 1988 كأول واخر كاتب عربى حتى الآن يحصل على اهم جائزة عالمية فى الآداب رغم ان الساخر الايرلندى العظيم برنارد شو رفضها بازدراء ووصفها بأنها "جائزة سيئة السمعة" معتبرا ان هذه الجائزة اشبه بطوق نجاة يلقى لشخص بعد ان وصل بالفعل للشاطىء!.
ومن الطريف ان الكاتب والقاص المصرى الكبير يوسف ادريس هو الذى اثار اللغط عند فوز نجيب محفوظ بجائزة نوبل معتبرا انه الأحق بالجائزة لاسهاماته الجوهرية فى القصة القصيرة فيما احجم محفوظ بدماثته المعروفة وتركيبته الانسانية المتفردة عن الرد على عاصفة الغضب الادريسية.
ومن الموحى والدال فى هذا السياق ان الراحل العظيم نجيب محفوظ اعتبر ان هناك ادباء مصريين كانوا احق منه بجائزة نوبل وهم توفيق الحكيم وعباس محمود العقاد وطه حسين وان كان لم يبد انبهارا بهذه الجائزة الكبرى معتبرا انها جلبت عليه الكثير من المتاعب بسبب مطاردات الاعلام .
واذا كان نجيب محفوظ قد رأى ان عباس محمود العقاد يستحق جائزة نوبل فان العقاد ذاته سبق وان شكك فى صواب ودقة المعايير التى تمنح بموجبها هذه الجائزة معتبرا ان بعض الأدباء الذين لم يفوزوا بها اكثر اهمية وقيمة من اسماء حصلت عليها.
وخلافا لبقية الأفرع الأخرى لجوائز نوبل تثير جائزة الأدب الكثير من الجدل والضجيج منذ ان منحت لأول مرة للشاعر الفرنسى سولى بروم الذى كانت شهرته محدودة بالمقارنة مع الروائى الروسى العملاق تولستوى والذى ضلت الجائزة طريقها اليه حتى وفاته عام 1910.
وادى الغياب العربى عن جائزة نوبل فى الأدب منذ فوز نجيب محفوظ بها لاتهامات للجنة الجائزة بالتحيز بينما تتردد من حين لآخر اسماء عربية اخرى الى جانب ادونيس كمرشحين محتملين للفوز بالجائزة الأهم فى الأدب ومن بينهم اللبنانى امين معلوف الحائز على جائزة جونكور عام 1993 والمغربى الطاهر بن جلون.
وتبدو جائزة جونكور الفرنسية الأقل اثارة للاعتراضات والمطاعن بالمقارنة مع بقية الجوائز الثقافية والأدبية الشهيرة فى العالم كما انها تبدو احيانا الطريق نحو جائزة نوبل.
ويعد أمين معلوف صاحب "سمرقند وليون الافريقى وجذور" ثانى عربى الأصل يفوز بجائزة جونكور وهى ارفع جائزة ادبية فى فرنسا بعد المغربى الطاهر بن جلون.
وكانت الأكاديمية الفرنسية قد اختارت الكاتب والروائى اللبنانى الأصل امين معلوف ليدخلها خلفا للمفكر وعالم الانثربولوجى كلود ليفى شتراوس الذى توفى فى شهر اكتوبر عام 2009 واختير معلوف ضمن "الأربعين الخالدين فى الثقافة الفرنسية" من اول جولة للتصويت.
غير ان بعض النقاد العرب رأوا ان امين معلوف لم يكن بحاجة للأكاديمية الفرنسية او "مجمع الخالدين" واعلى سلطة ادبية فى العالم الفرانكفونى ليشغل صدارة المشهد الثقافى فى لبنان وطنه الأصلى.
ومن الطريف ان الاكاديمية الفرنسية كانت قد صبت حمم غضبها على الروائى اللبنانى الأصل وصاحب العملين الرائدين " الهويات القاتلة وتقلبات العالم" بعد ان اعلن فى عام 2007 وفاة الفرانكفونية داعيا لما اسماه بالأدب العالمى.
واذا كان اسم امين معلوف صاحب "صخرة طانيوس" والذى فاز بجائزة جونكور عام 1993 يتردد من حين لآخر فيما يسمى ببورصة المرشحين للفوز بجائزة نوبل للأدب فان جيمس كامبل الناقد بالملحق الأدبى لجريدة التايمز البريطانية يرى ان هذه الجائزة زادت من مصائب الفريد نوبل مخترع الديناميت لأن احدا لايمكنه وضع معايير ذهبية للكتابة فى الأدب حتى لو كانت معايير نوبلية ومن ثم فهذه الجائزة بالتحديد تضاف لجناية السويدى نوبل على الانسانية وتركته المشؤومة للعالم!.
اذا كان الأمر كذلك واذا كانت الجوائز الثقافية والأدبية تثير كل هذا الغضب فى كل مكان فلعل هؤلاء الذين يقولون ان المتلقى او القارىء هو الجائزة الحقيقية لأى مبدع لم يجانبوا الصواب!.. وبالقدر ذاته فثمة حاجة لحلول ابداعية تنهي هذا الجدل حول الجوائز الثقافية خاصة وان مصر في جمهوريتها الجديدة عليها بالفعل اعادة النظر في المنظومة الثقافية الرسمية واجراء مراجعة عميقة وجادة وشاملة لمكونات هذه المنظومة بهدف تفعيل دورها الذي لايمكن لمنصف ان يقلل من اهميته.
والقضية تتصل بادراك اهمية دور الثقافة في المجتمع بالمعنى العام واستعادة الوجه الحقيقي لمصر الكبيرة بقوتها الذاتية التي تشكل الثقافة روحها وجوهرها..قضية الجوائز تتطلب اعلى درجات الشفافية والمعايير الواضحة والبعيدة كل البعد عن الضبابية او الغموض والمنظومة الثقافية للجمهورية الجديدة لابد وان تقوم على مثقفين يؤمنون بمباديء واهداف ثورة يناير-يونيو ومدافعين عن قضايا الشعب والوطن بعيدا عن البحث عن مكاسب شخصية صغيرة!.