الأحد 29 يناير 2023
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
عبدالرحيم علي
رئيس التحرير
داليا عبدالرحيم
رئيس مجلسي الإدارة والتحرير
عبدالرحيم علي
رئيس التحرير
داليا عبدالرحيم

آراء حرة

لا شئ أقوى من الإرادة فى فيلم «قائدة الأوركسترا»

تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق google news

  "لا شئ أقوى من إرادة الإنسان فى هذا العالم"! هى رسالة الفيلم السينمائى البديع The conductor  أو "قائدة الأوركسترا"، الذى أنتج عام 2018؛ ليرد الاعتبار، ويخلد اسم "أنطونيا بريكو" Antonia Brico، أول قائدة أوركسترا فى العالم، تعزف الموسيقى الكلاسيكية العالمية، وتُكوِّن أول فرقة من العازفات النساء، فى فترة تاريخية، لم يكن مقبولًا فيها ذلك، بل مستهجنًا، ومثيرًا للضحك، والتندر! وهو مقتبس عن قصة حقيقية، تَروِى رحلة كفاح، فتاة هولندية، طموحة، ثم صعودها إلى القمة، متحدية كل التقاليد الظالمة، والبالية، التى حكمت العمل فى المجال الموسيقى آنذاك، وبالرغم من نجاحها الساحق؛ إلا أن اسمها حذف من قوائم أفضل قائدى الأوركسترا فى العالم.

     نعيش "أول خط درامى" مع أسرة مهاجرة من هولندا إلى أمريكا فى أواخر العشرينيات من القرن الماضى؛ "أم" ربة منزل، شديدة الصرامة، و"أب" عامل نظافة، طيب، وشابة، جميلة، وذكية "ويلى"، تعشق الموسيقى، وتتعلم العزف على البيانو، إلا أنها تطمح لما هو أكبر من أن تكون عازفة بارعة، تحلم أن تصبح "قائدة أوركسترا"، تعزف الموسيقى الكلاسيكية العالمية ! لكن المُلفِت، هو وجود شئ من الجفاء، فى العلاقة بين أفراد تلك الأسرة؛ فلا مساحة لدفئ المشاعر، بل يتحرك كل فرد فى دائرة مغلقة، منفردة؛ "الزوج" صامت، ومنطوى على نفسه، و"الأم" فى حالة غليان دائمة، غير مبررة، وهى سيدة منزل تقليدية، والإثنين يبدوان، وكأنهما يخفيان سرًا غامضًا، أما "الإبنة" فهى تبحث عن فرصة؛ لتصبح "قائدة أوركسترا".

     تحافظ "ويلى" على تلك المسافة الفاصلة، بينها وبين والديها؛ ربما لأنها تشعر بوجود شيئًا غريبًا "لا تعرفه" فى علاقتهما بها ! فى ذات الوقت تحرص على الاحتفاظ بعملها، وهو استقبال رواد الحفلات الموسيقية بدار الأوبرا، إلا أنها توجه كامل تركيزها فى أن تصبح قائدة أوركسترا، لكن فى لحظة مباغتة، تنفجر "الأم" فى وجهها بقوة، وتقول لها بغضب كاسح: "توقفى عن مناداتى بماما، أنا لست أمك !"، ثم تستحوذ على كل مدخراتها؛ نظير كل مليم، صرفته عليها، طوال السنوات الماضية؛ مما يضطر "الأب" إلى مصارحة الفتاة، أنها ليست ابنتهما، بل طفلة متبناه، ولها اسما آخر هو "أنطونيا"، المُسجَّل فى شهادة ميلادها، التى صدرت من هولندا.

مشهد من الفيلم

     تدور الأحداث فى نهاية العشرينيات، وبداية الثلاثينيان من القرن الماضى، فلا وجود لمرأة تعمل كقائدة أوركسترا، كما أن جميع الفرق الموسيقية فى ذلك الوقت، عازفيها بالكامل من الرجال؛ ومن ثم كان طموح "أنطونيا"، مصدر سخرية من الجميع، النساء قبل الرجال؛ وبالتالى كان إيمانها بنفسها، وبما تحب، وإصرارها على التعلم بمراكز الموسيقى العالمية، ومتابعتها المتواصلة لدراساتها الموسيقية؛ من أجل تحقيق حلمها؛ جعل طريقها دومًا، مفروشًا بالعديد من الرجال المعرقلين، وقلة من الرجال المتعاونين، لكن بعد عناء طويل، ومثابرة غير عادية ! إلا أن كل ذلك، قادها فى النهاية إلى النجاح الساحق ! ويمكن تصنيف الرجال إلى أربعة أنواع، تختلف فى سماتها الشخصية:

    "مارك"، أستاذ فى مركز الموسيقى الأمريكى، متزوج بامرأة عادية، ربة منزل، ولديه العديد من الأبناء، مَنزِله دومًا فى حالة فوضى، رفض فى البداية تدريب "أنطونيا"؛ استعدادًا لاختبارات القبول بالمركز، لكنه وافق بعد قليل، مقابل دولارين فى الساعة، وبعد اجتيازها امتحانات القبول، تحرش بها أثناء دروس التدريب؛ فضربته، وتسببت فى كسر أصابعه؛ فتقدم بشكوى ضدها، يتهمها كذبًا بالاعتداء عليه؛ لأنه انتقد عزفها السيىء؛ وبالتالى تم فصلها نهائيًا من الدراسة، ولم يتوقف دوره فى طريقها عند هذا الحد؛ بل كان من أشرس منتقديها، حينما أُعْلِن عن حفلتها الموسيقية الأولى، كأول امرأة تقود فرقة أوركسترالية، بدار الأوبرا فى الولايات المتحدة الأمريكية، رُغم نجاحها الساحق فى عروض أوركسترالية بأوروبا.

     "كارل"، قائد فرقة موسيقية، ألمانى، مخضرم، مغرور، يكره النساء عامةً، ولا يرى أن لديهن أى إمكانيات، تؤهلهن للقيادة الموسيقية؛ وبالتالى رفض مساعدة "أنطونيا" بشكل قاطع فى البداية، إلا أن إصرارها غير العادى، وثقتها فى قدرتها على تحقيق حلمها كقائدة أوركسترا، استفزه بشدة، فوافق فى النهاية أن يدربها على قيادة الأوركسترا، ومنحها كل خبرته، وإرشاداته، ثم اعتبرها فيما بعد مشروع مهم، يستحق أن يعمل عليه، بعد أن أثبتت خطأ وجهة نظره عن النساء؛ وبالتالى حينما شعر أنها تواجه تحدى بالغ الصعوبة، قال لها: "الناس تريد لك الفشل؛ لتبرهن أن مكان النساء هو المنزل".

     "فرانك"؛ شاب أرستقراطى، ثرى، وسيم، صاحب عمل ناجح فى مجال الموسيقى، وقع فى حب "أنطونيا"؛ رغم التفاوت الصارخ بين مستواهما الاجتماعى، لكن حدث تحول فى علاقتهما العاطفية، حينما أرسل إلى "قائد أوركسترا" شهير، يطلب منه، عدم التعاون معها، وإحباطها؛ لأنه أراد أن تيأس من مواصلة الدراسة والتعلم، ثم تعود إلى أمريكا؛ ليتزوجا، وينجبا الأطفال، وعندما رفضت عرضه بالزواج، فى مقابل التوقف عن ملاحقة حلمها، الذى كان يراه مستحيلًا؛ رد عليها بحزم: "هذا العالم لن يدعك وشأنك !"، فودعته، ثم انصرفت، إلا أنها بعد انقضاء أيام قليلة، شعرت بحنين جارف إليه؛ فراسلته مرارًا فى محاولة جادة؛ للبحث عن نقطة اتفاق بينهما.

     تخلى "فرانك" عن الإيمان بموهبة حبيبته، وحقها فى إثبات وجودها فى الحياة؛ ومن ثم لم يستجب لخطاباتها المتكررة؛ بل تزوج من فتاة ثرية، لم يكن يحبها ! لكنها أرادت أن تتزوج، وتنجب الأطفال؛ ومن ثم حاصرت "أنطونيا" مشاعر الاكتئاب، والغضب الشديد؛ لعدم رده على خطاباتها المتكررة؛ مما دفعها إلى بعثرة أوراقها الدراسية، قبل بدء حفلتها الأولى فى ألمانيا بعدة دقائق، ثم ألقت بنفسها فوق سريرها، فى غرفة صغيرة بفندق متواضع، متشبسة بإحكام بعصا القيادة الأوركسترالية، وبدى وجهها شاحبًا، يائسًا، ودموعها متحجرة؛ فتوجه "كارل" على الفور إليها؛ فوجدها فى حالة انهيار تام؛ فجلس بجوارها بهدوء، ثم روى لها قصته مع أمريكا، التى سجنته فى الماضى؛ لأنه رفض عزف النشيد الوطنى الأمريكى، حينها لم يصفق له أحد، بل أدانه الجميع !

     أراد "كارل" أن يلقنها بحكايته، درسًا مهمًا، وخطيرًا، وهو  "ليس من المهم أن يؤمن من حولنا بقدراتنا، بل يكفى أن نؤمن نحن بها، وبأنفسنا"، وهى العبارة المفتاح، التى أيقظتها من ضعفها، وإحباطها، ثم أعادت لها إرادة الحياة مرة أخرى؛ فنهضت، ثم توجهت مهرولة إلى دار الأوبرا، واستعدت لحفلتها الأولى، وارتدت رداء قائدة الأوركسترا المهيب، إلا أن "كارل" لاحظ أن العرق يتصبب من وجهها؛ دليل التوتر والقلق، وهو ما حذرها منه دائمًا؛ فأخفت حدة اضطرابها فورًا بمساحيق التجميل، ثم صعدت فى تحدى إلى خشبة المسرح، وقدمت التحية للجمهور، الذى ملأ القاعة، ثم قادت الأوركسترا بأداء أذهل الجميع؛ فصفق لها كل الحضور، ثم استقبلها بحرارة بعد الحفل بباقات الزهور. 

     "روبن"، شاب هادئ، ولطيف، وصديق مخلص لها، بارع فى العزف على البيانو، رافق رحلتها، وظل داعمًا قويًا لها، لكن المُلفِت هو نظرته بالغة الرقة لها، من حين لآخر؛ وكأنه يحبها، ولا يستطيع الإفصاح عن مشاعره ! إلا أنه ينكشف فى النهاية، السر الغامض وراء تلك النظرة، وهو أنه روح، تعيش فى جسد رجل، لا تستطيع أن تقبله؛ لأنها تشعر فى العمق أنها "امرأة"؛ لذا حينما أعلنت "أنطونيا" عن تكوين أول فرقة موسيقية من العازفات، فور عودتها للولايات المتحدة، بعد عزوف كل الرجال عن الانضمام لفرقتها، تقدم لاختبارات الفرقة، مرتديًا ملابس نسائية، وبالطبع عرفته؛ وبالتالى سألته عن سبب ارتدائه ملابس النساء؛ فرد: "لا أريد أن أمضى فى طريق، أعلن فيه عن رغبتى فى الظهور كامرأة؛ ومن ثم قررت الاختباء فى زى رجل!"

     شكك "مارك" الذى تحرش بها سابقًا، فى قدراتها، كامرأة تقود فرقة أوركسترالية، حينما أعلن عن حفلها الأول فى الولايات المتحدة الأمريكية، على الرغم من أنها فرضت حضورها كقائدة أوركسترا فى حفلات أوروبية، ثم سخر منها بوقاحة بالغة، حينما تأخرت عن موعدها فى إحدى محطات الإذاعة الشهيرة، واستغل الفرصة؛ لمهاجمتها، وانتقادها بوحشية، إلا أنه بمجرد وصولها، لم تنفعل، بل ردت عليه بلباقة، ولياقة: "إن هناك معرفة قديمة، بينى وبين السيد مارك؛ لذا أعلم جيدًا، أنه يملك قناعة عن النساء، وهى أن مكانهن، ينبغى أن يكون فى القاع!؛ ومن ثم أصررت دائمًا، أن أصعد إلى مكان بارز فى القمة، فسألها المذيع: "هل تودين إذن توبيخه على فكرته المهينة عن النساء ؟!، فابتسمت إلى "مارك" بجانبها، والذى بدى محرجًا للغاية، وقالت: "لا، بل أود أن أشكره !"، ثم فاجأت الجميع، أن سبب تأخرها، هو موعدها مع السيدة الأولى فى الولايات المتحدة الأمريكية آنذاك "آنا إلينور روزفلت"، التى طلبت مقابلتها؛ لتشجيعها معنويًا، وإبلاغها بحضورها الحفل.

     أراد "فرانك" بعد مرور سنوات، الاعتذار لحبيبته، بأسلوبه الخاص؛ فكان هو الشخص الذى قابل السيدة الأولى فى أمريكا "روزفلت"، التى لعبت دورًا بارزًا كداعية للحقوق المدنية، وحقوق الإنسان؛ ليحثها بقوة على مساندة قائدة الأوركسترا الطموحة، وحينما علمت "أنطونيا"، ذهبت إلى قصره؛ لتشكره، فقال لها عبارته البليغة: "إنها طريقتى فى الاعتذار، عن طلبى منك، أن تنتهكى موهبتك، بعدم استخدامها !"، ثم اعتذر عن حضوره الحفل؛ لجلوسه مع طفله الصغير، أثناء حضور والديه وزوجته، فانصرفت، ثم توجهت إلى دار الأوبرا، التى طردت منها فى الماضى، ثم صعدت إلى خشبة المسرح؛ فوقفت السيدة الأولى "روزفلت"، وانحنت؛ تحية لها؛ فبادلتها "أنطونيا" فى شموخ، نفس التحية، ثم قادت الأوركسترا، بأداء أذهل الجميع.

 

     قدم "فرانك" دعمًا قويًا، بالغ العذوبة، إلى "أنطونيا"، فى لقطة رئيسية Master Shot بديعة؛ حينما قرر الذهاب إلى حفلها الأول فى أمريكا، بعد أن سقطت أمامه، عصا "الشوسى"، من يد خادمه، أثناء تناوله وجبة الغداء؛ فذكرته بعصا حبيبته "قائدة الأوركسترا"؛ فركب سيارته على الفور، وأثناء سيره فى طريق مزدحم، طلب من السائق التوقف؛ خوفًا من تأخره عن بدء الحفل؛ نظرًا لإقبال الجماهير، الذى أحدث زحامًا شديدًا فى الطريق، ثم هرول، مخترقًا الشوارع، والردهات داخل الأوبرا، وحينما دخل قاعة الحفل، لم يجد مكانًا؛ فأحضر كرسيًا خشبيًا، وجلس به وسط الصفوف الأولى؛ فأنتبهت "أنطونيا" لهمسات اندهاش الجمهور، فأدارت وجهها؛ فوجدته جالسًا خلفها؛ فابتسمت له بحب جارف، ثم بدأت قيادة الأوركسترا، وقدمت عرضًا أدهش الجميع.

     أعادت تلك اللقطة الفريدة فى مشهد النهاية، والتى انهمرت فيها دموع "فرانك"؛ دموع الحب، والفخر بموهبة حبيبته "أنطونيا"، التى اختلطت بدموع؛ الألم، والندم؛ لتخليه عن سعادتهما فى الماضى، ورفضه الزواج منها؛ لإصرارها على أن تكون قائدة أوركسترا، ذكرى تلك اللقطة الرائعة فى مشهد البداية، حينما أحضرت "أنطونيا" كرسيًا خشبيًا، وجلست به وسط الصفوف الأولى، أثناء حفل موسيقى أوركسترالى، يقوده مايسترو عالمى، ثم فتحت النوتة الموسيقية؛ لتطابق حركاته، التى توجه العازفين على خشبة المسرح، مع كل التعليمات المكتوبة أمامها؛ فأحدثت ضجة بين الجمهور، الذى بدى مندهشًا للغاية؛ فانتبه المايسترو قبل بدء العرض؛ وأدار وجهه للخلف، فوجدها جالسة خلفه، فابتسم لها فى تعجب، ثم قاد الفرقة الموسيقية، وهو ما دفع "فرانك"، قبل أن تتوطد علاقتهما فيما بعد، بعد انتهاء ذلك الحفل، إلى طردها من عملها بدار الأوبرا!