الثلاثاء 28 سبتمبر 2021
رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
عبد الرحيم علي
رئيس التحرير التنفيذي
داليا عبد الرحيم
رئيس مجلس الادارة والتحرير
عبد الرحيم علي
رئيس التحرير التنفيذي
داليا عبد الرحيم

ثقافة

علي الوردي.. قنطرة المرور إلى التنوير

8 محاور في فلسفة علي الوردي

 الدكتور علي الوردي
الدكتور علي الوردي
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق google news

الكتابة عن العلّامة الاجتماعي العراقي الدكتور علي الوردي مُغرية بكل تأكيد، فهذا الرجل الذي وُلِدَ قبل سقوط الدولة العثمانية بسنوات قليلة، ثم جاء العهد الملكي فالجمهوري، يُشَكِّلُ مادة دسمةً أمام الباحث، ويضعه في نفس الوقتِ أمام اختبار عسير، إذ إن الكتابة عن الوردي ليست سهلة كما يُتَصَوَر لأول وهلة، خصوصا إن كانت دراسة صغيرة كدراسة الكاتب الحالية.

ستكون دراستنا الحالية في ثمانية محاور تبعا لعلاقة الوردي بها:

المحور الأول: النشأة والتكوين، المحور الثاني: الفرضيات الثلاثة، المحور الثالث: الشيعة والسُنة، المحور الرابع: الإمام زيد بن علي، المحور الخامس: المنطق الأرسطي والسفسطة، المحور السادس: النحو العربي والشعر، المحور السابع: الفكر الماركسي، المحور الثامن: قالوا في الوردي.

النشأة والتكوين:

من هو الوردي؟ هو علي بن حسين بن عبد الجليل الوردي، وُلِدَ في حي الكاظمية شمال بغداد في عام 1913، وتوفي في عام 1995. كانت عائلته متوسطة في المستوى المعيشي، وحَوَت على من اهتم بالعلم والأدب، أما والده فقد كان عَطّارا. وقد لُقِبَ الوردي بهذا اللقب نسبة لحرفة جده الأكبر الذي كان يعمل في تقطير ماء الورد. عمل أبوه في العطارة كما أسلفت، وقد شارك الوردي أباه في عمله حينما ترك الدراسة التقليدية "الكتاتيب" التي التحق بها معظم أبناء جيله بسبب قلة المدارس النظامية آنذاك.

عاد الوردي إلى الدراسة بعد دخول القوات البريطانية إلى العراق أثناء الحرب العالمية الأولى، لكنها كانت عودة من الباب الواسع، حيث دخل مدرسة نظامية وهجر الكتاتيب. ويرى الوردي في انهيار الحكم العثماني في العراق والمنطقة أُفقًا جديدًا أدخل معه الكثير من سمات الحضارة إلى العراق، وأبرزها انتشار التعليم الحديث، والذي لولاه لكان الوردي عطارًا مثل أبيه كما ذكر في أكثر من مناسبة. ويتذكر الوردي جيدًا ما قاله له والده يوما: يا ابني المدرسة لا تُطعمنا خبزًا!

عمل الوردي صانعًا عند عطار المحلة لمدة سنتين، وكانت هذه المرحلة من أسوأ مراحل حياته، فقد استأثرت قراءة الكتب به، إذ كان يقرأ الكتب والمجلات ويترك الزبائن! فطرده صاحب المحل. عاد بعدها إلى المدرسة وأصبح معلمًا في مدارس الكاظمية لسنتين بعد تخرجه من الدراسة الإعدادية.

سافر بعدها إلى بيروت ليدرس في الجامعة الأميركية، ثم إلى جامعة تكساس في أميركا حيث نال شهادة الماجستير في عام 1947 في علم الاجتماع، ثم حصل في عام 1950 على الدكتوراه بدرجة امتياز من نفس الجامعة، فَكَرّمه حاكم الولاية آنذاك.

عاد إلى العراق بعد التخرج، وعمل بقسم الاجتماع في جامعة بغداد، وكان من رُوّاد القسم وروّاد علم الاجتماع في العراق، وتأثر في دراسته بمنهج ابن خلدون. وقد تَدَرّجَ في وظيفة التدريس حتى مُنِحَ لقب "أستاذ مُتمرس" في الجامعة، وهو لقب يُمنَحُ للمتفردين في تخصصاتهم وطول باعهم.

أُحيل الوردي إلى التقاعد بناءً على طلبه في عام 1970 وهو في أوج عطائه العلمي، فتفرغ بعدها للتأليف. خصوصا موسوعته العلمية الكبيرة ـ ولإلقاء المحاضرات في المؤسسات العلمية.

تعرض الوردي إلى التضييق من جانب السلطات الحاكمة في بغداد، فبدأ التضييق بسحب لقب "أستاذ متمرس" وصولًا إلى سحب معظم كتبه من المكتبات بداعي "السلامة الفكرية"، ومرورًا بمحاولات تهميشه وإفقاره ماديًا وهو ما انتهى إليه، فقد مات منسيا في تموز/يوليو 1995 بسبب المرض رغم العلاج الذي تلقاه في المستشفيات الأردنية، وقد أُقيم له تشييع محتشم غاب عنه المسؤولون وجازف من حضر من المشيعين. (1)

ويجدر بنا هنا ونحن نذكر التضييق المُمَارَس على الوردي من جانب السلطات العراقية، أن نذكر رسالة الوردي إلى رئيس جامعة بغداد آنذاك، وهو الدكتور طه تايه النعيمي بشأن سحب لقب "أستاذ متمرس":

(سيدي رئيس الجامعة: إني قد أُحِلت على التقاعد من الجامعة بناء على طلبي في عام 1970، وقد منحتني الجامعة في حينه لقب "أستاذ متمرس" كما وصلني من رئيس الجامعة كتاب سَجّل فيه تقديره وتقدير الجامعة لي بعبارات لا زلت أعتز بها. ولكني في السنوات الأخيرة علمت أن بعض المسؤولين في الجامعة وغيرها لا يرضون عن منحي هذا اللقب، أو هم ينكرون وجوده... سيدي رئيس الجامعة: إني لا يهمني أن أكون أستاذا متمرسًا أو متقاعدًا، فَهُما سيّان في نظر من هو مثلي يعيش أيامه الأخيرة. ولكن الذي يهمني هو أن أعرف الحقيقة في هذا الصدد... فالرجاء منك تبيان الحقيقة لي لكي أُعلن ذلك للقراء فلا يبقون مخدوعين بي. والله الساتر على كل حال. علي الوردي 14 / 9 / 1989) (2)

الفرضيات الثلاث:

حاول الوردي تفسير المجتمع العراقي على ضوء فرضيات ثلاث: صراع البداوة والحضارة، التناشز الاجتماعي، ازدواج الشخصية. سنتناول الآن هذه الفرضيات بإيجاز.

1ـ صراع البداوة والحضارة: يتضح هذا الصراع بأجلي مظاهره في العراق كما ذكر الوردي، فالعراق هو "بلد هابيل وقابيل" بحسب المؤرخ المعروف آرنولد توينبي، وهذا هو الذي جعل المجتمع العراقي عُرضَة لمد البداوة وجزرها على توالي العصور، يأتيه المد البدوي تارة وينحسر عنه تارة أخرى حسب تفاوت الظروف. وأطول فترة سيطر فيها المد البدوي على العراق، كما احتمل الوردي، هي الفترة الأخيرة التي بدأت بسقوط الدولة العباسية أو قبلها بقليل، لتستمر لستة قرون.

2ـ التناشز الاجتماعي: جاءت الحضارة الحديثة إلينا بأفكار ومبادئ وقيم تناقض عاداتنا الاجتماعية القديمة، مثلًا: جاءت بمبادئ المساواة والعدالة والديمقراطية والحرية والوطنية، وهذه لا تنسجم في حقيقة أمرها مع قيم العصبية والقرابة والجيرة والنخوة والدخالة وحق الزاد والملح. جاءتنا هذه الأفكار الحديثة من طُرقٍ متعددة، المدارس والأحزاب والحفلات والمظاهرات والصحف والكتب والإذاعات والتمثيليات، فحفظناها بسرعة لأنها تلائم ما نشعر به من طموح أو نتحسس به من آلام، ولكننا حين فعلنا ذلك لم نستطع أن نُغير عاداتنا الاجتماعية التي نشأنا عليها بمثل هذه السرعة التي غيّرنا بها أفكارنا.

3ـ ازدواج الشخصية: تعني أن يسلك الإنسان سلوكًا متناقضًا دون أن يشعر بهذا التناقض في سلوكه أو يعترف به، وهو ينشأ عن وقوع الإنسان تحت نظامين متناقضين من القيم أو المفاهيم. وينتشر الازدواج في البيئات الدينية المتزمتة التي تُكثِرُ من الوعظ، إذ يتأثر الشخص بالوعظ ظاهرا، لكنه يسير في حياته حسب القيم المحلية المناقضة للتعاليم الدينية كل المناقضة. (3)

توجد حادثة طريفة عن ازدواج الشخصية، يجدر بنا أن نُثبتها في هذه الدراسة:

يقول الأستاذ سلام الشَمّاع: (أجرت الصحفية الأمريكية كريستين هيلمز حوارًا مطوّلًا مع الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين، وكان أن سألته عن ازدواجية الشخصية العراقية، فنفى بشدة أن يكون الإنسان العراقي مزدوج الشخصية، فردت عليه بأن بروفيسورًا عراقيا هو الدكتور علي الوردي يرى غير ذلك. وبعد نشر المقابلة في الصحف سُئِل الوردي عن رأيه بوجهة نظر الرئيس فنفى أن يكون هناك أي تناقض بين الرأيين، فالرئيس حسب رأي الوردي ينظر إلى الأمر من وجهة نظر القائد السياسي، بينما هو فينظر إليه من وجهة نظر علمية محضة(4) وانتهى المأزق الذي وقع به الوردي!

الشيعة والسُنة:

هذه القضية "شائكة" إلى أقصى حد برأي الوردي، فالمنطق الحديث يستسخف الجدل الشيعي السُني ويضحك على ذقون أصحابه بحسب الوردي، ويضع الوردي يده على الجرح هنا بطريقة جِدُ ساخرة (إن رجال الدين من الشيعة وأهل السُنة يتنازعون على أساس قبلي كما يتنازع البدو في الصحراء. فكل فريق ينظر إلى مساوئ خصمه، وكل حزب بما لديهم فرحون) (5)

وبشأن القضية المركزية في هذا النزاع الأزلي "الخلافة من بعد النبي" يرى الوردي أن "الحيرة" من نصيب الباحث المحايد هنا (والباحث المحايد يقف موقف الحيرة تجاه هذا الجدل الذي لا ينتهي عند حد. فليس من اليسير على الباحث أن يتصور النبي يستخلف عليًا بصراحة ووضوح ثم يعصي المسلمون أمره، وليس من اليسير عليه كذلك أن يتصور النبي يترك أمته من بعده فوضى من غير خطة واضحة يسيرون عليها في انتخاب خليفتهم) (6) فما الحل؟ لا حل برأي الوردي إلا (إنها في الواقع مشكلة عويصة. ولستُ أرى حَلاًّ لهذه المشكلة إلاّ بالالتجاء إلى رأي العقاد الذي يقف موقفًا وسطًا بين ذينك الفريقين المتنازعين) (7) ورأي الأستاذ عباس محمود العقاد كما ذكره الوردي هو: يعتقد الأستاذ العقاد أن النبي كان يُحب عليًا ويُحبّبه إلى الناس لكي يُمهّد له سبيل الخلافة من بعده. والنبي -في رأي العقاد- لم يرد أن يفرض رغبته هذه على الناس، إنما أراد أن يختاره الناس طواعيةً وحُبًا(8)

وللوردي رأي مهم في قضية "عبد الله بن سبأ"، هذا الرجل الذي نُسِبَت إليه الكثير من الأعمال الخارقة، ومن المعروف أن الموقف بين الباحثين مُختَلِفُ هنا، فالبعض أثبَتَ وجوده ك"شخصٍ تاريخي" (9) ونفى البعض وجوده من الأساس(10) وهناك من احتمل عدم وجوده، لكن الآراء السبأية المغالية موجودة (11).

أما رأي الوردي: لم يكن ابن سبأ إلا عمار بن ياسر، فقد كانت قريش تعتبر عمارًا رأس الثورة ضد عثمان، ولم تشأ أن تُصَرّح باسمه أول الأمر، فرمزت إلى ابن سبأ أو ابن السوداء (12)

ونتيجة لموقف الوردي "الوسطي" بين السُنة والشيعة، يرى أن الخلاف بين الإمام علي والخليفة عمر هو "خلاف مصطنع" ويقف وراءه بنو أمية، وبرأيه (الواقع أن عليًا وعمر وأبا بكر كانوا من حزب واحد هو حزب الثورة المحمدية. ولهذا وجدناهم يناوئون قريشًا ويُفضلون عليها سلمان الفارسي وبلال الحبشي وصهيب الرومي. أما ما حدث بينهم من خصومة طفيفة في يوم من الأيام فلا يستوجب أن يكون شعارًا لنزاع اجتماعي عام يقتتل الناس فيه ويتلاعنون) (13)

الإمام زيد بن علي: 

سُئِلَ الوردي: هل تعتبر نفسك أحد أفراد الزيدية؟ فأجاب بعد ضحكة عريضة: (الحقيقة التي لا أتردد عن إعلاني لها هي أنني ما زلت أعتبر عقيدة زيد بن علي هي العقيدة الوسطى في الإسلام، وإذا صَحّ ما قيل من أن خير الأمور أوسطها فإن مذهب زيد بن علي هو خير المذاهب) (14)

أما عن إيمانه فهو مؤمن بالله إيمانًا قاطعًا لكن بلا واسطة وشفيع، وكان يميل إلى طريقة المتصوفة في عبادة الله ومخاطبته (وهذا هو الذي جعلني أُصَلّي لربي على جسر الأئمة عند الغروب في بعض الأيام، وخاصة عندما تكون في السماء بعض السُحب المتناثرة التي تنعكس عليها أشعة الشمس الغاربة، فإني أجدُ في ذلك منظرًا رائعًا يُقَرّبني إلى الله ويُحَفزني إلى الدعاء إليه والاستعانة به) (15)

المنطق الأرسطي والسفسطة:

رأي الدكتور الوردي في المنطق القديم -منطق أرسطو- واضح كل الوضوح، فهو مبثوث في أغلب أبحاثه. وقبل أن نعرض رأي الوردي، لا بُدّ من التعريف السريع بهذا المنطق.

استخدم أرسطو في بداية كتاباته عندما كان شابًا "المنهج الأفلاطوني" القائم على الحوار والجدل، لكنه عاد ورفض هذه الطريقة بعدما وجد أنها ليست الطريقة الموصلة لليقين.

استخدم أرسطو بعد ذلك أسلوب الملاحظة الواسعة والعميقة، الذي رأى فيه الطريق السليم لوصول العقل إلى المعرفة، ولقد توَصّل من خلاله إلى تقنين وتقعيد الطريق التي يستخدمها العقل للوصول إلى اليقين. وأخذ يعمل من أجل تثبيت صحة هذه القناعات على استجماع طرق الأولين في التفكير، إضافة إلى ملاحظاته المتطورة حول المعلومات الحسية والعقلية المكتسبة. وعليه فقد تَوَصّلَ بالنتيجة إلى وضع أسس جديدة في التفكير، وكان بذلك أول من وضع أسس علم المنطق الذي رأى فيه الطريقة السليمة للوصول إلى المعرفة اليقينية. وقد اعتبر أرسطو بعبارة موجزة، أن المنطق هو العلم الذي يُوصل الفكر إلى النتائج الصحيحة من خلال ملاحظة الأشياء والحوادث وما يستكشفه العقل من معانٍ لها. (16)

المنطق الأرسطي برأي الوردي كان خطوة تقدمية كبرى في بداية أمره، وكان أرسطو من العقول الجبارة التي يندر ظهورها في التاريخ. لكن المشكلة في هذا المنطق هي كمشكلة كل نظام فكري اجتماعي عظيم، يبدأ نشيطًا صالحا، ثم ينحدر شيئًا فشيئا نحو الجمود والفساد. (17)

صفتان رئيسيتان في هذا المنطق: صورية المنطق، ثم استنباطيته. وقد أصبح هذا المنطق "مطيّةٌ" للأهواء في العهد القروسطي بحسب الوردي (18) وقد أثنى الوردي على ابن تيمية بسبب نقده للمنطق الأرسطي (ابن تيمية من الشخصيات الفلسفية الكبرى في الإسلام... وصل نقد المنطق على يد ابن تيمية إلى القمة) (19)

وبشأن السفسطة: فقد شهد القرن الخامس قبل الميلاد ظهور عمالقة الفكر السفسطائي الذين قَدّموا مجموعة أفكار عَبّرت بإبداعٍ كبير عن الأحوال المتغيرة في بلاد الإغريق عامة وفي أثينا خاصة. وقد استطاع السفسطائيون استيعاب الفكر السابق الذي اجتهد في دراسة الطبيعة والبحث عن المادة الأساسية التي انبثق عنها كل الوجود. ولما وجدوا أن لا طائل من وراء هذا البحث ولا فائدة تُرجى منه، رَكَزوا أبحاثهم في الإنسان وعلى الوسائل التي عن طريقها يستطيع الإنسان تحقيق مصلحته الشخصية التي هي أهم من أي أمر آخر بالنسبة إليهم. (20)

وعليه فالإنسان هو مقياس الحقيقة عندهم. وللوردي رأي صريح لا مواربة فيه في السفسطة، ذكره في سياق رده على السيد مرتضى العسكري: (اتهمني الأستاذ مرتضى العسكري بأني أميل إلى السفسطة وأدعو لها وأدافع عنها. ولعله ظن أني سأمتعض من هذه التهمة أو أحاول أن أُبَرّىء نفسي منها. وما درى أني أفتخر بأن أكون "سوفسطائيًا". وعندي أن السفسطة خير من هذه الخزعبلات المنطقية التي يتمشدق بها أصحاب المنطق القديم) (21)

فبرأي الوردي أن السفسطة غير منافقة، تؤمن بالحقيقة النسبية قولًا وفعلًا، بخلاف أصحاب المنطق القديم الذين يؤمنون بالحقيقة المطلقة نظريًا ويخالفونها عمليًا. والعقل البشري -برأي الوردي- يحتاج لنوعين من الآراء يتنازعان ويتفاعلان: الآراء الأفلاطونية والآراء السوفسطائية. فالأفلاطونية تصعد به إلى السماء، والسوفسطائية تنزل به إلى الأرض. (22)

النحو العربي والشعر:

مشكلة النحو العربي -عند الوردي- أنه متعب وغير مفيد في آنٍ واحد، فهو لا يهتم بتركيب الجملة وترابط المعاني فيها، جُلّ همه مُنصَبٌ على البحث وراء العامل الذي يجعل الكلمة منصوبة أو مرفوعة أو مجرورة، إنه بعبارة أخرى لا يهتم بشيء قدر اهتمامه بالإعراب أي بتحريك أواخر الكلمات. وهذا هو الذي دفع بعضهم لتسمية النحو العربي بـ"علم الإعراب".

ويُشَبّه الوردي النحو العربي بـ"العُقدة النفسية"، فهو وسواسٌ ما بعده وسواس. (23)

وقد اختص الشعر العربي القديم -بحسب الوردي- بأمور ثلاثة قَلّما نجدها مجتمعة في أشعار الأمم الأخرى:

مدح الظالمين، وصف الخمر، التغزل بالغلمان. ودافِع الوردي في هذا الكلام هو ما رآه لدى البعض من الأدباء المعاصرين من هيامٍ مُصطنع بالحق والحقيقة، فهم يصفون أنفسهم بأنهم شموع تحترق، بينما هُم يُمَجّدون عبقرية البحتري وأبي نؤاس والأخطل وغيرهم من الشعراء القُدامى الذين كانوا أبعد الناس عن طبيعة الشموع المحترقة. نجدهم يحترمون الأديب الذي يتزلف إلى السلاطين والمترفين، ولكنهم في نفس الوقت يحتقرون من يحاول أن يتزلف بأدبه إلى أبناء الشعب وينزل بأسلوبه إلى مستواهم. (24)

لكنه يؤكد في موضع آخر على أن موقفه من الشعر مُستمد من موقف القرآن الكريم (25)، ثم يقول مكان آخر: (إني لا أكره الشعر كما يزعم الخصوم، فإن في الشعر جانبًا لا يستطيع الإنسان إلا أن يُعجب به، وإني لطالما استشهدت في كتاباتي بأبيات من الشعر العربي أعتبرها من الحِكَم الخالدة، إذ هي تعطينا صورا رائعة عن طبيعة الدنيا وطبيعة البشر) (26)

الفكر الماركسي:

خَصَصَ الوردي مساحة لا بأس بها من كتابه "لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث" لمناقشة الماركسية، وقد ضَمّنها في ملاحق الجزء الخاص بثورة العشرين. سأعمل الآن على إلقاء نظرة سريعة على هذا "النقد الوردي" للفكر الماركسي.

يعترف الوردي بـ"عظمة" النظرية الماركسية، إذ أحدثت تغييرًا هائلًا يندر أن نجد له نظيرًا في تاريخ البشر. ويجد الوردي جوانب مشرقة مضيئة في الماركسية، فقد أُتيح له زيارة بعض البلدان الاشتراكية كروسيا والصين وجيكوسلوفاكيا وبولونيا، فأُعجب بما شاهد من مزايا قَلّما نراها في البلدان الرأسمالية.

لكن هذا لا يعني خلو النظرية من العيوب، فهي لم تأتِ من السماء. فالهدف الرئيسي للماركسية هو إزالة استغلال الإنسان لأخيه الإنسان، لكنها تدخلت في أمور كانت في غِنىً عنها: أنكرت وجود الله، واستهانت بالأديان، وحاولت تفسير التاريخ والمجتمع وطبيعة الإنسان حسب خطة ثابتة لا يجوز الخروج عليها. وبذلك خلقت الماركسية لها أعداء كان من الممكن أن يكونوا لها أصدقاء. وللوردي إشارة نقدية مهمة هنا، فاستنادا إلى مشاهداته في البلدان الاشتراكية وقراءته لكتابات الماركسيين، تَوَصّل لما يلي:

إن الماركسية في التطبيق تختلف اختلافا كبيرًا عنها في التنظير، إذ هي في التطبيق تدعو إلى الإعجاب، أما في التنظير فقد تدعو أحيانًا إلى التقزز لما فيها من نصوصية جامدة.

وبشأن المقولة الماركسية المشهورة "الدين آفيون الشعوب" يقول الوردي: (إذا جاز لنا أن نقول عن الدين بأنه آفيون الشعوب على نحو ما قال ماركس، جاز لنا أن نقول أيضا بأنه آفيون ضروري لا يمكن أن تستغني الشعوب عنه. فإذا منعنا الشعوب عنه لجأت إلى مخدر آخر للاستعانة به على مواجهة الحياة وأخطارها) (27)

قالوا في الوردي:

1ـ حسن العلوي: (علي الوردي رائدًا: يُحَدّد الدكتور علي الوردي ثنائية الانقسام بفصلٍ مُوَسّع من كتابه "مهزلة العقل البشري" على ضوء قوانين علم الاجتماع، وببساطة وعفوية وبحياد وشجاعة رائدة مما يوجب علينا التوقف عن السرد والاستطراد، لنفسح المجال لرؤية الوردي أن تأخذ مداها الكامل، باعتباره أول عالم اجتماع وأديب ينتسب إلى أسرة شيعية فيسخر من المنهج الصفوي ورواياته مثلما ينتقد المنهج الأموي في تفسير التاريخ الإسلامي. والذي يبدو أن علي شريعتي قد تأثر بمنهج الوردي، أو أن الوردي هو الذي أيقظ في روح هذا المفكر عنفوان الاحتجاج والتمرد) (28)

2ـ المفكر الماركسي فالح عبد الجبار: (ابتدع الوردي في هذه الرحلة طريقا ثالثا للخروج من إسار الفكر القومي المتزمت، أو قواعد الفكر اليساري في صيغته المتحجرة. ولم يكن من باب المصادفة أن يدعو إلى مجتمع يعتمد الليبرالية السياسية. كان يحرص على تفرده في مجتمع يبغض الفردية، وينفتح على كل النظريات في مجتمع يُحوّل النظرية إلى معتقد ديني، ويمضي في البحث وسط مؤسسات علمية خاضعة لجبروت الدولة، ومجردة من حرية التفكير والبحث الطليق. هذا وحده إعجاز!) (29)

3ـ حميد المطبعي: (عدى مؤرخينا في العصر الوسيط، أو مُحَدّثينا في القرون الهجرية الأولى فإن أحدًا لم يبلغ الشهرة مثل ما بلغها الدكتور علي الوردي، في كتبه، أو في سمعته) (30)

4ـ سلامة موسى: (العراق يستيقظ من سُبات الشرق إلى يقظة الغرب، فإن الدكتور علي الوردي يُمَثّلُ في بغداد من المبادئ والأهداف والأساليب ما يُمثله عندنا خالد محمد خالد، كلاهما يحمل على العادات الذهنية والعاطفية القديمة التي أصبحت بالية ويحاول أن يوضح زيفها وإنها تعارض الحياة الحديثة... وأحسن ما ننصح به في دراسة الأدب العربي القديم هو كتابان للدكتور الوردي، الأول هو "وعاظ السلاطين" والثاني هو "أسطورة الأدب الرفيع" فإن في هذين الكتابين ما يفتح العقول والعيون معا على حقائق تواطأ كثيرون على إخفائها ولا يمكن لذلك فهم الأدب العربي بدونها) (31)

5ـ ألبرت حوراني: (كذلك يمكن العثور في هذه المرحلة الأخيرة على امتداد لتحديث الفكر الإسلامي، فقد كتب مفكر عراقي، علي الوردي، عدة مؤلفات أعاد فيها كتابة تاريخ الإسلام من زاوية النضال الثوري لتحقيق العدالة، متوخيًا تفسير الإسلام في ضوء ما كان يبدو أشد الأحداث وقعًا في زمانه، تماما كما فسرته مدرسة محمد عبده في ضوء أفكار زمانها ومنجزاتها) (32)

6ـ أمين الخولي: (إن آراء الدكتور الوردي التي طرحها في كتابه "أسطورة الأدب الرفيع" جديرة بأن تُنشر في مصر ويستمع لها المحافظون والمجددون على السواء، إن جهد المؤلف بهذه الآراء مناسِبة، محبوبة أو مكروهة للبحث في هذا الجانب الاجتماعي الذي ينبغي أن يتهيأ الأدب للوفاء به) (33)

7ـ المؤرخ مجيد خدوري: (في صدر هذه الأغلال التقليدية نقرأ هجومًا أقل عنفًا ولكنه أكثر حنكة في كتابات العالم الاجتماعي العراقي علي الوردي، ففي هذه الكتابات يهدف الوردي في الأساس إلى تحذير الإنسان العادي من الأساطير التي هي في أصلها قد وُضعت لتجسيد قيم خلقية غير أنها فقدت كل معانيها بمرور الزمن) (34)

أما كاتب هذه الدراسة فيقول: الدكتور علي الوردي ضروري جدًا لكل قارئ حُر، فهو "قنطرة" لا بُدّ من المرور بها إلى التنوير، هو الطريق الذي يأخذك فورًا من: التقليد إلى التجديد، من التعصب إلى الانفتاح، من إلغاء الآخر إلى استيعابه...

الحواشي:

1ـ المصدر الرئيس المُعتَمَد في هذه النُبذة هو: علي الوردي والمشروع العراقي، مجموعة مؤلفين، إعداد: الدكتور علي ثويني ومازن لطيف، دار السجادـ العراق بغدادـ شارع المتنبي فرع المتحف، الطبعة الأولى 2010، ص25 و26

2ـ علي الوردي: من وحي الثمانين، جمع وتعليق: سلام الشمّاع، مؤسسة البلاغ، الطبعة الأولى 2007، ص186 و187

3ـ المصدر المُعتمد في موضوع الفرضيات هو: علي الوردي، لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث، دار ومكتبة المتنبي، الطبعة الأولى 2005، المجلد الأول، الجزء الأول، الملحق الثاني، الصفحات: 297 و298 و299 و300 و301

4ـ من وحي الثمانين ص107 الحاشية رقم 1

5ـ علي الوردي: وعاظ السلاطين، دار كوفان لندن، الطبعة الثانية 1995، ص231

6ـ وعاظ السلاطين ص 188

7ـ وعاظ السلاطين: نفس الصفحة

8ـ وعاظ السلاطين ص187

9ـ أحمد أمين: فجر الإسلام، المكتبة العصرية بيروت، الطبعة الأولى 2006، ص245

10ـ طه حسين: الفتنة الكبرى / عثمان، دار المعارف مصر، الطبعة السادسة 1996، ص131 وما بعدها. وكذلك السيد مرتضى العسكري الذي ألّفَ كتابًا كبيرًا في مُجَلَدين: عبد الله بن سبأ وأساطير أخرى، دار الزهراء بيروت، الطبعة السابعة 2006

11ـ علي سامي النشار: نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام، الجزء الثاني، نشأة التشيع وتطوره، دار السلام الطبعة الأولى 2008، ص692 و693

12ـ وعاظ السلاطين ص180. وقد ذكر الدكتور كامل مصطفى الشيبي رأيه في أدلة الوردي، فهي مقنعة ومنطقية، لكنها في حاجة إلى نصوص تسند تسمية عمار بابن السوداء، يُراجَع: الصلة بين التصوف والتشيع، دار المعارف مصر، الطبعة الثانية ص40 وما بعدها، أما الدكتور علي سامي النشار شَهِدَ بـ"براعة" الوردي في هذه المسألة ووصفه بـ(كاتب الشيعة الكبير المعاصر الأستاذ الدكتور علي الوردي) يُراجَع: نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام، الجزء الثاني ص692

13ـ علي الوردي: مهزلة العقل البشري ص207، وأُقَدّم اعتذاري إلى القارئ هنا، فالنسخة الموجودة في مكتبتي هي نسخة مسحوبة خالية من المعلومات: دار النشر، تاريخ الطبعة.

14ـ من وحي الثمانين، ص173 و174 وقد أشار سلام الشماع في الحاشية الأولى من الصفحة 174 (ظل المرحوم الوردي إلى آخر أيام حياته مؤمنًا بأن الزيدية هي المذهب الوسط بين المذاهب، وهي لذلك خيرها، وهنالك من يقول أن نسبه يرجع إلى زيد بن علي)

15ـ من وحي الثمانين، ص102 و103

16ـ اعتمدنا هنا على كتاب الدكتور عمر عبد الحي: الفكر السياسي في العصور القديمة، منشورات مجد المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، الطبعة الثانية 2006 ص209 و210

17ـ علي الوردي: منطق ابن خلدون، دار كوفان بيروت، الطبعة الثانية 1994 ص27

18ـ منطق ابن خلدون ص33

19ـ منطق ابن خلدون ص57

20ـ عمر عبد الحي: الفكر السياسي في العصور القديمة ص82

21ـ مهزلة العقل البشري ص153

22ـ مهزلة العقل البشري ص166

23ـ علي الوردي: أسطورة الأدب الرفيع، دار كوفان لندن، الطبعة الثانية 1994 ص144 و145

24ـ أسطورة الأدب الرفيع ص52

25ـ حميد المطبعي: علي الوردي يدافع عن نفسه، منشورات المكتبة العالمية بغداد، الطبعة الأولى 1987 ص115

26ـ من وحي الثمانين ص157

27ـ لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث، المجلد الثالث، الجزء الخامس، الملحق الثالث والملحق الخامس ص292 و293 و294 و320. ومما يجدر ذكره هنا أن مصادر الوردي لافتةٌ للنظر، إذ نجد حضور: جورجي بليخانوف ولينين وجورج لوكاش وكوفالسون وروجيه غارودي وجورج بوليتزير وبندلي جوزي وإلياس مرقص.. بينما لا نجد أي حضور لماركس!! وحضور يتيم واحد لإنجلز "دور العمل في تحول القرد إلى إنسان"!! وهذه ثغرة ليست بالهينة في هذا "النقد الوردي" للماركسية.

28ـ حسن العلوي: عمر والتشيع، دار الزوراء لندن، الطبعة الأولى 2007 ص279. ومما يجدر ذكره هنا أن العلوي كان "نافذتنا" الأولى على الدكتور الوردي، فقد تَعَرّفتُ على الوردي عن طريق كتاب العلوي المذكور.

29ـ علي الوردي والمشروع العراقي ص270

30ـ حميد المطبعي: علي الوردي يدافع عن نفسه ص17

31ـ علي الوردي يدافع عن نفسه ص81 و82

32ـ علي الوردي يدافع عن نفسه ص94

33ـ علي الوردي يدافع عن نفسه ص95

34ـ علي الوردي يدافع عن نفسه ص95