رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
عبد الرحيم علي
رئيس التحرير التنفيذي
داليا عبد الرحيم

الدكتور محمود أبو زيد لـ«البوابة نيوز»: المنطقة العربية دخلت مرحلة الخطر المائي.. مشروعات أعالي النيل توفر لمصر 18 مليار متر مكعب من المياه.. وإثيوبيا تبني سدودًا جديدة وراء سد النهضة

السبت 22/فبراير/2020 - 10:30 م
الدكتور محمود أبوزيد
الدكتور محمود أبوزيد
أحمد حمدى
طباعة
يصبح الحديث غاية في الخطورة عندما يتعلق بالحياة على الأرض، فالمياه هى سر استمرار الحياة، على كوكبنا، لكل الكائنات الحية، فبدونها تجف الأرض ويموت الزرع والحيوانات والطير والإنسان، وفى عالمنا توجد نزاعات كثيرة حول المياه، خاصة في الأنهار الدولية، والوطن العربى شهد انخفاض حصة العراق في مياه نهر الفرات من 100 مليار متر مكعب إلى 30 مليار متر مكعب، ما أثر سلبا.
النزاعات ما زالت مستمرة حول المياه، لا تخل أيضا من تهديدات عسكرية تارة ومفاوضات بين دول، وحديث من بعيد عن الحرب العالمية القادمة بطلها المياه، وفى مصر لدينا أزمة مع إثيوبيا في بنائها سد النهضة الذى يؤثر سلبا على حصة مصر من المياه.
«البوابة نيوز» حاورت الدكتور محمود أبوزيد، رئيس المجلس العربى للمياه، وزير الرى الأسبق، حول أزمات المياه في العالم العربى وسد النهضة، وكيفية تعظيم مواردنا المائية.
■ ما حجم معاناة الوطن العربى من نقص المياه؟
- أزمة المياه موجودة في العالم كله، هناك دول لا تعانى، وأخرى لديها فقر شديد، والمنطقة العربية تعانى من نقص شديد ودخلت في مرحلة الخطر، لضعف الأمطار، بغض النظر عن دولتين في شمال أفريقيا، وهذا النقص يزيد بمرور الوقت، تحت تأثير عامل أساسى موجود وهو زيادة عدد السكان، وتغير نمط المعيشة مثل استخدام التكييفات وحمامات السباحة، أيضا الطعام، مما جعل هنا حاجة كبيرة في الموارد المائية، فالوطن العربى به ٥٪ من عدد سكان العالم، وبه ١٪ من المياه العذبة على مستوى العالم، وفى منطقة الخليج هناك معاناة شديدة في نقص المياه العذبة، ويعتبر أقل بكثير من خط الفقر المائى الذى يبلغ ١٠٠٠ متر من المياه سنويا، ويبلغ نصيب الفرد مثلا في الأدرن ١٢٠ مترا مكعبا في السنة، والخليج أقل بهذا بكثير.
■ كيف يواجهون هذه الأزمة ويعظمون مصادر المياه لديهم؟
- هم يعتمدون على تحلية المياه، و٦٠٪ من مشروعات تحلية المياه في العالم كله موجودة في الخليج، و٣٠٪ من مشروعات التحلية موجودة في السعودية، وهذا دليل على أنهم لجئوا إلى استخدام التكنولوجيا بصورة كبيرة للتغلب على مشكلات نقص المياه.
التحلية مكلفة وتتطور بصورة رهيبة، وجانب كبير من التكلفة في الطاقة، وبدأت الدولة تتجه إلى الرياح والطاقة الشمسية لاستخدامها في التحلية، لتوفير الطاقة والتكلفة، وبدأت الآن عملية توطين التكنولوجيا وتصنيع قطع غيار لمعدات التحلية، بالاعتماد على الخبراء لديهم.
■ هناك مخاوف في مصر من الوصول إلى جفاف مائى.. ما حقيقة هذا؟
- في مصر نصيب الفرد في تناقص مستمر، وتجاوز خط الفقر بكثير بل وصل إلى ٥٦٠ مترًا مكعبًا للفرد سنويا، وإذا استمر الأمر كما في ظل تحديات الزيادة السكانية فقط سيصل إلى ٣٠٠ متر مكعب للفرد، بحلول ٢٠٥٠، في حال عدم وجود خطوات سريعة لتدارك هذه الأزمة.
■ كيف تواجه الدولة المصرية هذه الأزمة؟
- الدولة لا تقف مكتوفة الأيدى أمام هذا الأمر، وتتخذ خطوات جادة وصارمة، لحماية الأجيال القادمة، وتوفير حصة مناسبة للفرد من المياه العذبة، فكمية المياه المحلاة وصلت الآن إلى ٨٠٠ ألف متر مكعب في السنة، وستصل في ٢٠٣٠ إلى مليار ونصف متر مكعب، وبمقارنتها بحصة مصر من مياه النيل التى تبلغ ٥٥ مليار متر مكعب، فهى كمية بسيطة مهما زادت، ولا يمكن أن تغطى التحلية الاحتياجات لوحدها، وهنا يأتى دور السياسات المائية والاستراتيجيات لمواجهة تحديات نقص المياه.
■ ما الخطوات السريعة التى يجب أن تعمل عليها الدولة؟
- لا بد أن نضع أمام أعيننا دائما أن إمكانيات نهر النيل من الآن فصاعدًا صارت محدودة، ولا بد من استجلاب مياه من الخارج عبر اللجوء إلى مشروعات مائية قادرة على أن تأتى لمصر بموارد إضافية وأعنى بالكلمة مشروعات أعالى النيل، وقناة جونجلى، وأيضا توجد قناة أخرى في حوض نهر السوباط، ويمكن أن يصل إلى مصر ١٨ مليار متر مكعب تقاسما بين مصر والسودان، وألوم على الدولة عدم إعطاء تلك المشاريع الأهمية الواجبة على المدى الطويل، فهناك العديد من الأمور المدروسة بيننا وبين تلك الدول، وحال تنفيذها سنتحصل على موارد مائية إضافية.
■ هناك جدل كبير حول مشروع مياه نهر الكونغو وربطها بنهر النيل.. ما جدوى هذا المشروع؟
- في الحقيقة هناك ١٠٠٠ مليار متر مكعب من المياه تذهب إلى البحر، لكن وفق الدراسات التى تمت هذا المشروع مستحيل تنفيذه، أولا لحاجته لمبالغ طائلة، لأنه يجب اختراق جبال ارتفاعها ٣٠٠ متر، وثانيا يحتاج لموافقة ١١ دولة حتى يصل إلى النيل الأبيض، ويمكن أن يتحقق هذا في المستقبل حال التطور التكنولوجى، أو إيجاد حلول أخرى وفق دراسات جديدة.
■ لماذا يتم تجاهل المخزون من المياه الجوفية؟
- لا بد من التوسع في مشروعات المياه الجوفية، لأنها مورد مهم، وهناك نوعان من المياه الجوفية، الأولى القريبة من سطح الأرض، وهذه نتيجة للرشح من المياه والترع والأراضى الزراعية، والنوع الثانى، الخزانات العميقة وهو الحجر الرملى النوبى، وأيضا خزانات شرق الدلتا، وكلها مياه مخزنة منذ آلاف السنين، ونسبة التجديد بسيطة، وكلها تنحصر تحت مسمى موارد المياه غير التقليدية.
■ هل يوجد حصر شامل بحجم المياه الجوفية في مصر؟
- نعم محصورة، فالمياه الجوفية العميقة في العام الواحد، توفر ٨ مليارات متر مكعب، فالحجر النوبى أو النهر الجوفى كما يسميه الدكتور فاروق الباز، به مياه مخزنة من آلاف السنين، تكفى لسنوات طويلة، حتى ١٥٠ سنة، وهذا يتوقف على كمية الاستخدام التى ستتم عليه، كلما زاد الاستخدام قلت عدد السنوات، وأيضا عدة عوامل أخرى.
من ضمن المحاور الأربعة لإستراتيجية وخطة مصر القومية للموارد المائية ٢٠٣٧، إعادة استخدام المياه سواء الجوفية أو الأمطار أو الصرف الصحى.
هذا بالإضافة إلى أن مصر لديها سياسة مائية تنفذها من خلال إستراتيجية وخطة قومية للموارد المائية ٢٠٣٧، وتهدف إلى تحقيق الأمن المائى وتوفير احتياجات التنمية المستدامة، والقطاعات الاقتصادية والإسكان، ومياه الشرب والاستخدامات المنزلية وحدها تمثل ١٣٪ من الموارد المائية، تعتمد على خطة شاملة، لا تعتمد على زيادة الموارد المائية من الخارج بشكل كبير، مع الوضع في الاعتبار تأثير سد النهضة على حجم المياه الوارد إلينا.
وتعتمد الخطة، على برامج مكثفة لمواجهة الأزمة تبدأ بالترشيد الاستهلاكى ومحاربة العادات الخاطئة، منها غسل السيارات والشوارع بالمياه، يجب وقف هذه الأمور وتجريمها وفقا للقانون، ويجب أيضا توطين التكنولوجيا في صناعة أدوات ترشد استهلاك المياه، مثل الصنابير الذكية في المساجد والمنازل، وإعادة استخدام مياه غسيل السيارات، واستخدام وسائل رى حديثة توفر المياه.
■ هل يمكن استخدام مياه الصرف الصحى المعالجة في الشرب؟
- نعم عبر المعالجة السداسية، وهو أمر معمول به في دول كبيرة، لا بد أن تتغير ثقافات الناس وعاداتهم وفقا للتحديات التى نعيشها، لا بد أن يدرك الناس خطورة الموقف ويقوم بتغيير سلوكياته، من عدم الإسراف في المياه والتعامل بوعى مع المياه.
■ كنت وزيرا للرى حتى عام ٢٠٠٩.. هل كانت هناك استراتيجيات لإدارة منظومة الموارد المائية في مصر؟
- كان هناك إستراتيجية موضوعة حتى من عام ٢٠٠٤ حتى عام ٢٠١٧، تدير الموارد المائية وتعظم من إنتاجها، وكانت كل احتياجاتنا محسوبة ومدروسة، ولم يكن هناك شىء يدعو للقلق نهائيا، لم تكن في الحسبان أزمة سد النهضة، التى تفاقمت عقب ما حدث في ٢٠١١، مما تسبب في تعطيل الخطة.
■ لكن إثيوبيا تعلن عن حاجتها لبناء السدود منذ الستينيات من القرن الماضى.. كيف لا تكون في الحسبان؟
- الأزمة قديمة، وبدأت في طرح مسألة السد بجدية، بعد توقيع اتفاقية مياه النيل سنة ١٩٥٩، وكان منطقهم أن مصر حصلت على مياه النيل دون تشاور معهم، وسعوا لبناء السدود بدعم خارجى، إلا أنهم تعثروا بسبب النزاعات والحروب الداخلية لديهم، ثم أثيرت مرة ثانية في التسعينيات من القرن الماضى، حينما أطلقت مصر مبادرة حوض النيل، طلب من كل دولة تقدم مشروعات لتنفيذها، وقتها اقترحت إثيوبيا سد النهضة، لكن كان سدا صغيرا سعته ١٤.٥ مليار متر مكعب، وكان مجرد اقتراح، ولم يتحدثوا عنه طوال السنوات، ثم فجأة عقب ٢٠١١ أعلنوا عزمهم لبناء سد على سعة ٧٤ مليار متر مكعب، وهذا يضرنا ولا يفيدهم، هم يحتاجون الكهرباء فقط، والسد الأول يفى بهذا الغرض، لكن هناك أسبابا أخرى دفعتهم لزيادة السعة منها التحكم استراتيجيا في مياه النيل ويمكنهم أيضا منع المياه عنا.
■ دائما الحديث عن أن هناك دولا تأجج الوضع سياسيا وفق مصالحها.. ما حقيقة هذا الأمر؟
- تغير الوضع فجأة عقب ٢٠١١ يؤكد هذا الأمر، من بناء سد صغير إلى سد بهذا الحجم، أمر مريب، نحن لا ننكر حقهم في توليد الكهرباء، ما داموا لا يضروننا، لكن يبدو هناك تدخلات سياسية من دول أخرى منها إسرائيل، فهى تلعب دورا محايدا الآن، لكنها طلبت من دول حوض النيل في عهد الرئيس الأسبق حسنى مبارك، حصة من مياه النيل، لكن حدث رفض من دول حوض النيل جميعا لطلب إسرائيل وليبيا معا، ففى هذا التوقيت طلب الرئيس الليبى الراحل العقيد معمر القذافى مياها من النيل.
■ تركيا لديها تحالف عسكرى مع إثيوبيا.. هل يمكن أن يكون لها يد في الأزمة؟
- بالتأكيد لديها مصالح سياسية لتحقيق أهدافها الدنيئة ضد مصر، خاصة فيما حدث عقب ثورة ٣٠ يونيو.
■ تركيا قطعت المياه عن العراق عبر سدود؟
- تركيا يهمها مصالحها فقط، فهى غنية بالمياه وتصدرها لدول أخرى، وهذا مصدر دخل لها، مياه نهرى دجلة والفرات انخفضت بنسبة كبيرة، بعد بناء «سد أتاتورك»، ويعتبر من أكبر السدود في العالم، فبعدما كان يصل إلى نهر الفرات ١٠٠ مليار متر مكعب، أصبحت الآن ٣٠ مليار متر مكعب فقط، وهنا يكون لتركيا التحكم في مصير العراق.
■ ما حجم الأضرار الناجمة عن أضرار سد النهضة؟ 
- أجرينا دراسات في جامعة القاهرة، عن الأضرار على ثلاثة مستويات، الأولى في حال انخفاض إيراد مصر ١٥ مليار متر مكعب، والثانى إذا انخفض بنسبة ١٠ مليارات متر مكعب، والثالث الانخفاض بنسبة ٥ مليارات متر مكعب، فلك أن تتخيل أن أقل مستوى يتسبب في تبوير مليون فدان، مما يؤثر سلبا على الأمن الغذائى وارتفاع أسعار السلع الغذائية والحاصلات الزراعية، وأيضا تأثر البيئة كلها من الأحياء المائية الموجودة في النيل.
■ هل يصل الأمر إلى حد العطش؟
- مياه الشرب تعتبر نسبة بسيطة للغاية من الاحتياجات، وتمثل نحو ٣٪ من الموارد المائية، وهذه ستكون متوفرة.
■ البعض يتحدث عن انهيار سد النهضة مع الزمن؟
- هذا مشروع ضخم بالتأكيد، قبل البدء في إنشائه تم إجراء دراسات كبيرة عن التأثيرات الجيولوجية وغيرها، لكن هناك مشكلة كبيرة قد تحدث وهى تأثيرات تراكم الطمى على جسم السد، التى وفق دراسات أنها ستظهر في أقل من ٥٠ عاما بسبب حجم الطمى الهائل الذى يحمله النيل الأزرق، وتدفقاته التى تبلغ ١٣٦.٥ مليون طن طمى في السنة، وهى كفيلة بردم نصف السد وبالتالى تقليل سعة تعبئته للمياه، فلدينا هنا السد العالى لن تظهر عليه تراكمات الطمى إلا بعد ٥٠٠ سنة نظرا لأنها قليلة جدا.
- إثيوبيا تعتزم بناء سدود أخرى خلف سد النهضة، وهذه أزمة أكثر خطورة، الهدف الرئيسى منها تقليل ترسيب الطمى في سد النهضة، وبالتالى عدم وصول طمى إلى مصر نهائيا مما يؤثر على خصوبة الأراضى الزراعية.
■ من وجهة نظرك هل ستفرض إثيوبيا سياسة الأمر الواقع على مصر؟
- الرئيس السيسي قال لا أحد يفرض علينا شيئا، والأمر كله في إطار المفاوضات، وهو الطريق الذى تسعى مصر إليه دائما، وبلدنا ليس ضعيفًا لكى يفرض عليه سياسة الأمر الواقع.
■ ما الطرق الأخرى غير المفاوضات والصدام العسكرى؟
- تدويل القضية واللجوء إلى محكمة العدل الدولية، التى لها شروط يمكن أن نجتازها، وهى موافقة الدولتين المتنازعتين، وإثبات الضرر الذى يقع بحق الدولة، لكنه مشوار طويل.
■ البعض يتحدث عن قيام حرب مياه في العالم؟
- هذا الأمر صعب.. الدول التى لديها مشكلات محدودة، ومستبعد قيام حرب إلا بين أطراف متنازعة سياسيا، سواء في آسيا أو أفريقيا.
"
هل توافق على إجراءات بعض الدول بفرض حظر التجوال لمواجهة فيروس كورونا؟

هل توافق على إجراءات بعض الدول بفرض حظر التجوال لمواجهة فيروس كورونا؟