رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
عبد الرحيم علي
رئيس التحرير التنفيذي
داليا عبد الرحيم
شادي أسعد
شادي أسعد

"شباك مكسور" دراما اليأس والانتحار

الأربعاء 12/يونيو/2019 - 08:48 م
طباعة
الدراما، التي هي مرآة الواقع، تقوم بالأساس على إلقاء الضوء على مشاكل وهموم المجتمع من خلال وجهة نظر صُناعها وتحديدًا المؤلف الذي ينسج خيوط الدراما بحبكتها وتصاعدها وذروتها، والمخرج الذي يقدم هذه الخيوط الدرامية من خلال رؤيته الفنية التي تجسد هذه الدراما الموضوعة على الأوراق، وهناك من يتطوع لتقديم حلول لهذه المشاكل حسب وجهة نظره، وهو شيء يحمد عليه كل فنان، لكن إن كانت تلك الحلول مسمومة ولا تدعو لشيء إلا الانتحار، فهنا يجب أن يكون لنا وقفة مع تلك الدراما المخربة.
قدم مسرح الطليعة مسرحية "شباك مكسور" التي تدور أحداثها في إطار واقعي من خلال أسرة مصرية بسيطة تتكون من رب الأسرة وزوجته ووالدته وأبنائه الثلاثة، حيث يعرض رب تلك الأسرة مأساته الحياتية وضيق سعة يده نتيجة شرفه وإخلاصه في العمل عن طريق الحكي، فهو يقوم بدور الراوي لأحداث حياته التي تتخذ فيها أسرته دور البطولة.
للوهلة الأولى تشعر من حديث رب الأسرة أنك أمام عمل ممن يطلقون عليه الأعمال العميقة التي تحمل في مضمونها الكثير من المعاني والرموز الضمنية، خاصة عندما يتحدث عن الرائحة الكريهة التي تملأ المنزل نتيجة "مقلب القمامة" الذي يقع أسفل شباك منزلهم المكسور، والذي يُدخل إليهم الروائح الكريهة والمتطفلين على أسرته البسيطة، ومن خلال متابعة أحداث العرض المسرحي تجد أن هذا الشباك قد تهمشت سيرته وتلك الرائحة قد غابت عن الأنوف، وهؤلاء المتطفلين لا وجود لهم إلا شخصية واحدة باهتة، وتحول العرض لسرد حياة رب الأسرة ومعاناة أسرته بين الأم التي غاب عقلها وراحت تحدث نفسها في الهاتف المحمول والزوجة التي تحتمي وراء ستار الدين والاحتشام حتى لا تتعرض للتحرش وأملًا في أن تنعم بالجنة التي ستريحها من كل متاعبها الدنيوية، والابنة الكبرى التي هرب منها زوجها البأس المغلوب على أمره بعد أن أنجبت منه طفلين فعادت إلى منزل والدها محملة بهوم أكبر مما أخذتها في رحيلها لمنزل زوجها، والابنة الثانية التي تعيش في عالم خيالي مليء بالرعب والحكايات الخرافية المخيفة، والابن الذي هو رمز الفلسفة والعلم إلا أنه مشوه عقليًا بعد أن وقع في يد زوار الليل الذين أفقدوه كل معنى وطموح في الحياة، وتستمر الأحداث على هذا المنوال إلى أن تنتهي بمحاولة الأب في التخلص من أسرته بوضع سم فئران في طعامهم، إلا أنه يكتشف أن سم الفئران مغشوش ولم ينه حياتهم؛ حيث إنه صنع في مصر!!
وبتلك النهاية قدم صُناع العمل الحل لتلك المشاكل المعروضة من وجهة نظرهم، وهنا كانت الطامة الكبرى، فلم يقدم صُناع العمل أي حل إلا القتل، وهو ما اقدم عليه رب الأسرة لحل مشاكله المتراكمة مع أسرته.
وبتناول تفاصيل العرض الفنية التي تبدأ بالأساس من النص المكتوب سنجد أن النص أقل ما يقال عنه إنه مهلهل، فالشخصيات التي قدمها شخصيات ضعيفة وتفتقر للرسم الكامل لأبعاد ودوافع ومكنونات كل شخصية، فجاءت الشخصيات جميعا باهتة ولا تُظهر ما يرويه عنها رب الأسرة من أبعاد وطموحات، فلم تتعد شخصية الأب لدور الراوي الذي يروي مأساته دون أي حافز للتعاطف معه، بل على العكس فلم تقدم لنا تلك الشخصية إلا الفشل الذي تراه أسرته فيه نتيجة شرفه والتزامه بعمله، وكأن الشرف هو الدافع للفشل، بل وصل الأمر لإظهار نذالة هذا الأب الذي لا يشغله شيء بعد قتل أسرته إلا كيفية تعامل رجال الشرطة معه كقاتل، أما الأم فهي شخصية على الرغم من تواجدها الدائم على المسرح ضمن الأحداث إلا أنها شخصية ثانوية لم تضف أي شيء لدراما العرض ولو تم حذفها لن تؤثر بأي شيء على الأحداث، ولم تختلف شخصية الزوجة عن سابقيها إلا بمنولوج قامت بإلقائه عن معاناتها في الحياة وطمعها في الوصول للجنة كي ترتاح من متاعب الحياة، ولو لم يكن هذا المونولوج لكان الحال أفضل فلم تقدم تلك الشخصية من خلال هذا المنولوج إلا معنى سيئ للدين والتعامل معه على أنه الحل الأخير أمام المهمشين والمقهورين لتعويضهم في الحياة الأخرى مما حدث لهم في الحياة الدنيا، وكأن الدين وحب الله والطمع في الحياة معه في الحياة الأخرى مجرد صفقة يلجأ إليها الفقير لتعويضه في الحياة الأبدية بعد أن فشلت صفقته في الحياة الدنيا، أما شخصيات الأبناء الثلاثة فحدث ولا حرج، فلم تخرج عن كونها شخصيات لا أبعاد ولا ملامح ولا دوافع حقيقة لها فاكتفى صُناع العمل ببعض الشذرات التي رواها الأب عنهم ولم نراها من خلال تواجدهم ضمن الأحداث الدرامية وبالأخص شخصية الابن التي تمثل العلم والفلسفة التي هي عماد البلاد وأساس تقدمها، فجات تلك الشخصية المهمة محبطة ومخيبة للآمال نتيجة تواجدها الباهت وغياب دورها الدرامي في الأحداث، فلم نر أي أمل في الفلسفة ولا أي مستقبل في العلم، كل هذا جعل الدراما المقدمة بشكل عام دراما ضعيفة ومكررة وتخلو من الصراع الدرامي الذي يتصاعد ويصل لذروته لينتهي بالحل ولم تأت بجديد عن معاناة الإنسان المصري إلا بالحل المقحم والمسموم وهو التخلص من كل متاعبك بالقتل. 
أما الديكورات الواقعية فكانت فقيرة عن حالة العرض فلم تتناسب مع ملابس الممثلين ولا مع مستواهم الاجتماعي ضمن الأحداث فجاءت الديكورات بشكل أفقر من المفروض أن تكون عليه، وبالأخص الشباك المكسور الذي لم تستطع الأسرة إصلاحه رغم أن ملابسهم وظروفهم الحياتية التي ظهرت من العرض لم تصل لهذا المستوى من الفقر، فأصبحت رمزية الشباك المكسور وبالأخص مع الأحداث الدرامية لا معنى لها ولا جدوى منها، وعلى مستوى الموسيقى نجح مخرج العرض في استخدامها من خلال استخدام بعض مقطوعات الموسيقى الغربية والموسيقى الشرقية فلجأ إلى استخدام المقطوعات الغربية في الحالات التي يرفضها بطل العرض والمقطوعات الشرقية في الحالات المقبولة بالنسبة له.
في النهاية وبعيدًا عن التقييمات الفنية التي لا تشغل المتفرج العادي؛ حيث إن ما يؤثر فيه هو مضمون ورسالة العمل، فإن العرض في مجمله وفي مضمونه لا يليق لتقديمه للمتفرج العادي الذي يتأثر بالدراما ويسعى لمحاكتها، فلا يجب أن ندفع المواطن للانتحار أو القتل للتخلص من مشاكله، وهذا ما قدمه العرض في مجمل رسالته.
المسرحية من إنتاج فرقة مسرح الطليعة، تأليف رشا عبدالمنعم وإخراج شادي الدالي، بطولة أحمد مختار، نادية شكري، مجدى عبيد، وليد أبو ستيت، على كمالو، ربا الشريف، مروى كشك، هند حسام الدين، مروان عزب، ديكور وأزياء وائل عبدالله، موسيقى يحيى نديم، توزيع موسيقي شريف الوسيمي، إضاءة أبوبكر الشريف.

الكلمات المفتاحية

"
من تتوقع أن يفوز بكأس أفريقيا؟

من تتوقع أن يفوز بكأس أفريقيا؟