رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
عبد الرحيم علي
رئيس التحرير التنفيذي
داليا عبد الرحيم
ads
ads

محمود صلاح يكتب: الرحيل.. عن حارة حوش قدم

الأربعاء 26/سبتمبر/2018 - 09:19 م
محمود صلاح مع نجم
محمود صلاح مع نجم
طباعة
«منير» أول من اصطحبنى لزيارة «الفاجومى»
أحيانًا «يتسلطن» نجم يغنى من القلب بنفس الصوت المجروح.. وعند الفجر يستبد به الشجن.. فيتوقف ويسألنى: تفطر فول؟
انفعل «نجم» وهو يلقى قصيدة وسط هتاف وحماس الطلبة فأخذ يقلد لهجة «السادات» فقدم للمحاكمة العسكرية بتهمة «إهانة الرئيس» وحكم عليه بالسجن عامًا مع الشغل
«الفاجومى» هرب بعد صدور الحكم لكن البوليس ألقى القبض عليه بعد ثلاث سنوات واقتاده لتنفيذ الحكم، وعاد إلى السجن الذى كان بيته الأول
صحيح أنه كان دائمًا يولينى اهتمامًا خاصًا وأنا جالس أسمع إليه يروى مغامراته فى بلاد الله ثم فجأة يصمت ويقول لى: لو تعرف يا واد بحبك قد إيه؟
فى يوم بعيد بعيد.. ذات مساء فى شهر يوليو قاهرى حار. وكنت على وشك التخرج فى الجامعة سحبنى من يدى صديقى الأسمر الذى أصبح فيما بعد المطرب محمد منير إلى حى «سيدنا الحسين»، ومن حارة إلى حارة توقفنا أمام بيت قديم متهالك فى حارة «حوش قدم» التى تعنى بالفارسية «قدم الخير» وصعدنا الدرجات الضيقة المكسورة، حيث توقفنا أمام باب حجرة بالطابق الثانى، كانت تنبعث من وراء بابها أصوات مرتفعة هى خليط من الغناء والكلام والسباب والدخان.
وقال لى قبل أن يدق الباب: هنا.. يعيش صاحبك.
سألته فى دهشة: أى صاحب؟
قال: صاحبك الذى دخلت السجن بسببه يا جدع.
قبل أن يتلقى المزيد من دهشتى.
قال منير وهو يطرق باب الحجرة: هو فى غيره.. أحمد فؤاد نجم يودى فى داهية؟
لم تكن هذه بداية معرفتى بأحمد فؤاد نجم شاعر «تكدير الأمن العام» كما يطلق عليه الصحفى صلاح عيسى، بل لم يكن ذلك هو اليوم الأول الذى سمع فيه نجم عنى، إذ إننا ما إن دلفنا إلى حجرة «نجم والشيخ إمام» الشهيرة فى حوش قدم فى ذلك المساء القاهرى الحار من شهر يوليو حتى وجدنا أنفسنا وسط «معمعة» عجيبة وحبيبة، فنانين وفنانات مهندسين وميكانيكيين وأحد أطباء مستشفى المجانين، وشخص مجهول يحتضن عودًا ويجلس على صندوق خشبى قديم.
ورحب بنا نجم الذى كان يجلس فى الحجرة على فراش ضيق فى جلباب بلدى احترقت أطرافه من فحم «الجوزة»، ثم سرعان ما انغمس فى الغناء بصوت جميل أجش مع المجموعة، وعندما ذكر له محمد منير اسمى فى فترة راحة كان نجم قد استغلها فى «نوبة كحة» شديدة، توقف فى الحال عن السعال واحتضننى بشدة.
وقال للموجودين: يا ولاد الأبالسة.. الدنيا دى صغيرة.. والواد ده من قبيلة صلاح اللى كبيرهم كان أحسن واحد معاى فى السجن. ولا يمكن أنساه أبدًا.
وفيما بعد وعندما كتب نجم ذكرياته فى «الفاجومى» على أجزاء، لم ينسَ، وهو ينتقم على طريقته من نماذج الضباط الذين قابلهم فى السجون والمعتقلات التى عاش فيها كثيرًا من سنوات عمره.. أن يتعرض بالكلام الحلو لبعض الضباط الذين عاملوه معاملة حسنة، ومنهم اللواء صلاح طه الذى كان ذات يوم مديرًا لمصلحة السجون المصرية قبل أن يتوفى.
أما أنا فقد حاولت أن أنسى أن هذا الرجل النحيل الذى يخطو الآن نحو الخامسة والستين من عمره، كان السبب فعلًا فى دخولى السجن. وكان ذلك فى عهد الرئيس الراحل أنور السادات فى بداية السبعينيات، الذى كان وقتها قد أطلق الكثير من التعبيرات مثل «عام الحسم» و«عام الضباب».
وكنت مثل كثير غيرى من طلاب الجامعة أتجرع مشاعر الهزيمة وأتنفس أحاسيس الغضب، كانت الساحة الطلابية ملتهبة. وكان أحمد فؤاد نجم والشيخ إمام عيسى يجوبان الجامعات المصرية، ويلقيان بقصائد نجم وأداء الشيخ إمام مزيدًا من الوقود على نار الطلبة، وبهرنى الرجل الذى كان نموذجًا عبقريًا لابن البلد المصرى، الذى يعرف حقًا كيف يرش الملح على الجرح.
فى ذلك الوقت كان يكفى لطالب متحمس مثلى لكى يدخل السجن، أن يكتب مجلة حائط يعلقها على جدران الكلية. وأن يكتب فيها إحدى قصائد نجم، وحبذا لو كانت قصيدة «ورقة فى ملف قضية» التى تقول:
أنت شيوعى؟
- أنا مصراوي
إنتو مصايب.. إنتو بلاوى
- ممكن أعرف مين الأول بيكلمنى؟
إحنا مباحث أمن الدولة
- دولة مين؟
دولة مصر
- مصر العشة ولا القصر؟
أيوه حانبدى ندور ونلف.. حاجة تنرفز خالص إف.
- ممكن أعرف أنا هنا ليه؟
أيوه حاتعرف أمال إيه.. يوم خمسة وعشرين الماضى. إيه مشاك عند التحرير؟
- تحرير إيه يا جناب القاضى؟
أنا مش قاضى.
- بكره تصير
بطل غلبة وجاوب دوغرى.
- أنا غلباوى كده من صغري
مين وداك عند الطلبة ضمن المندسين؟
- رحت أناقشهم وأسمع منهم.
تسمع منهم إيه يا سى طين؟
- أسمع إيه مطالبهم.
أنت حاتستجوبنى يا شاطر؟
- بس أنا باسأل كانوا طالبين كراريس ومساطر.. ولّا مطالب ميه المية كل الشعب مآمن بيها.
دول طالبين حرب وشعبية.. مين مجنون بقى حايمشيها؟
- دى طبيعة أرض يا بنى آدم.
رأيك يعنى ضرورى إن إحنا وحتمًا يعنى نخش الحرب؟.. طيب حاضر فين المخبر.. حاتغير رأيك بالضرب.
على أن الله فيما بعد انتقم لى من أحمد فؤاد نجم لأنه سبحانه وتعالى يمهل ولا يهمل، إذ إن الشاعر المجنون ذهب إلى كلية هندسة عين شمس، حيث ألقى قصيدة «بيان» بصوت مذيع راديو «شقلبان» عاصمة بلد اسمها حلاوة زمان. المفروض أن يذيعه رئيسها «شحاتة المعسل»، وانفعل نجم وهو يلقى القصيدة وسط هتاف وحماس الطلبة، فأخذ يقلد لهجة الرئيس السادات، وكانت النتيجة أنه قدم إلى المحاكمة العسكرية بتهمة «إهانة الرئيس» وحكم عليه بالسجن عامًا مع الشغل.
صحيح أنه هرب بعد صدور الحكم لكن البوليس ألقى القبض عليه بعد ثلاث سنوات واقتاده لتنفيذ الحكم، وعاد نجم إلى السجن الذى كان بيته الأول قبل بيته فى حوش قدم!
فى حجرته الشهيرة بحوش قدم اكتشفت وطنيتى، وعشقت الرجل الذى وجدت فيه مصرية أبى الأصيلة، وجذبتنى إليه نظرة الطفل اليتيم التى لم تختف من عينيه رغم سنوات عمره الطويلة، وكان نجم الذى ولد عام ١٩٢٩ فى إحدى قرى محافظة الشرقية، أحد أطفال ضابط بوليس مات فى عز شبابه. وترك أسرة كبيرة العدد فى رعاية زوجته أم نجم. والتى كانت فلاحة مصرية رائعة الجمال، وكانت «خزانة أدب شعبى» تحفظ الأغانى والمواويل وتلقيها بصوت ساخر أخاذ.
عن أمه يقول نجم «الله يرحمك يا أمه.. هى اللى علمتنى «اللماضة».. كانت واحدة فلاحة لا تكتب ولا بتفك الخط. إنما أجارك الله كانت فى الكلام مكلمة.. وكانت لما تبدأ ما تنتهيش.. زى أبريق العسل اللى ميل على بزبوزه وهاتك يا نز.. اشى حواديت على اشى نوادر على اشى حكم وأمثال على اشى مواويل فى شكوى الزمان.. ولما كان الوجد يستحكم ويحرك الشجن والمواجع وتغنى لى.. آه يا وعدى صوت زى هديل اليمام فى عز بؤونه الحجر.. سخن ومفرهد ومشروخ. لكن جواه خيط حرير ناعم ما تعرفلوش أول من آخر.. يشدك من شراشيب قلبك. ويفضل يطوحك فى الهوا «دوخينى يا لمونة». وبعد الدوخة ينزلك على كفوف الراحة. وأنت مستحمى ومغسول بدموعك.
صحيح أنه كان دائمًا يولينى اهتمامًا خاصًا، وأنا جالس أسمع إليه يروى مغامراته فى بلاد الله خلق الله. ثم فجأة يصمت!
ويقول لى: لو تعرف يا واد بحبك قد إيه؟
لكنى كنت رغم كل شىء مجرد «عيل» من عيال نجم. وواحد من آلاف الشباب الذين تأثروا به. والغريب أنه لم تكن لأحمد فؤاد نجم قبل هزيمة ٦٧ أى صلة بالسياسة. وإن كانت صلته بالسجون قد بدأت مبكرة، وكان فى بداية حياته موظفًا فى السكة الحديد وأراد أن يتزوج فاشترك مع «ساعى» فى تزوير بعض المستندات لصرف «استمارة» تمكنه من الحصول على بعض البضائع. لكن الأمر اكتشف وحكم على نجم بالسجن ثلاث سنوات بتهمة «التزوير واختلاس أموال أميرية».
فى سجنه الأول اكتشف نجم موهبته الشعرية وكتب ديوانه الأول «من الحياة والسجن». فى سجن «قرة ميدان» التقى أغرب النماذج البشرية. لكن الاكتشاف الأعظم كان ميلاد نجم «الإنسان» ونجم «المصرى».
عن هذه الفترة يقول: ثلاث سنين يا أرميدان.. م العصر للعصر يقفلوك على ويناموا.. مفرمة حديد عجنت عضمى على لحمى على جلدى.. ورجعت شكلتنى من جديد.. بدأت أصحى وأشوف الناس والأمور والأشياء بعين تانية. زمان قبل السجن لما قريت ديوان بيرم وسمعت ألحان سيد درويش وزكريا أحمد ما كنتش معجب.. كنت مبهورًا بشوقى وعبدالوهاب وبأى شىء فيه ريحة أوروبا المكرمة.. كانت فيه حاجة ربنا يكفيك شرها اسمها «جرأة الجاهل». طول النهار أتعالم وأتفلسف وأسفه عشاق شعر بيرم وألحان سيد درويش وزكريا أحمد باعتبارها «حاجات بلدى.. وأنا راجل أفرنجى أبًا عن جد!».
سنوات وسنوات ونحن نزحف فى أواخر الليالى إلى «حوش قدم». ودائمًا كانت الحجرة الشهيرة تتسع للكل. نفس الحجرة التى كانت يومًا ما سكنًا للثنائى الشهير الشيخ أمام عيسى وأحمد فؤاد نجم. لكن الدنيا مثل البشر الذين يعيشون فيها لا تبقى ولا يبقون على حال. فى البداية هجرها الشيخ إمام. ثم رحل عن الحياة كلها قبل أسابيع حتى جاء الزلزال ليصدع جدرانها ودرجات السلم القديمة. فأصبحت لا تسع شخصًا واحدًا، وليس الشعب المصرى ممثلًا فى بعض مثقفيه وفنانيه وشاعر متمرد.
هكذا رحل نجم من حوش قدم وذهب ليعيش فى شقة فى جبل المقطم. فى «مساكن الزلزال» التى ضمت جدرانها من تهدمت بيوتهم بفعل الزلزال الذى ضرب القاهرة قبل أكثر من عامين.
لكن الزلزال غيّر كثيرًا فى «شكل» بيت أحمد فؤاد نجم. بعد الحجرة فى حوش قدم أصبح من سكان الشقق حتى لو كانت فى «بيوت الزلزال». شقة و«أنتريه» ومكتب وتليفزيون ملون.
وبعد أن كنت «أزحف» إلى حوش صرت «أصعد» إلى جبل المقطم. أنادى عليه بأعلى صوتى من الشارع.
نجم.. يا نجم.
يطل من شباك شقته بالطابق الخامس:
- ما تطلع يا واد؟
نور السلالم مطفى.
آه يا جبان.. لسه بتخاف من الضلمة والقطط؟ اطلع وأنا واقف لك على السلم.
واطلع...
يستقبلنى بنفس الوجه الحبيب والجلباب البلدى المحروقة أطرافه من آثار فحم «الجوزة» ومن خلفه تعدو وتتعثر أصغر بناته «زينب»، وهى من زوجته الأخيرة. وكان فى بداية حياته قد تزوج «فاطمة» وأنجبت له كبرى بناته عفاف. وفى بداية السبعينيات تزوج الكاتبة الصحفية صافيناز كاظم، وأنجب منها «نوارة» التى ورثت الثورة والتمرد عن أبيها. ثم تزوج عزة بلبع حفيدة الباشوات، ولم ينجب منها.
يطول الليل ولا ينتهى الحديث.
أحيانًا «يتسلطن» نجم ويغنى من القلب بنفس الصوت المجروح.
وعند الفجر يستبد به الشجن.
فيتوقف ويسألنى: تفطر فول؟
وأعلم أن الحنين سوف يقودنا بعد دقائق إلى الهبوط من فوق جبل المقطم «لنزحف» من جديد إلى سيدنا الحسين.. ثم نلقى نظرة على حوش قدم.. التى هى ضد أى زلزال.
"
هل تتوقع نجاح الجزء الثاني من فيلم الفيل الازرق ؟

هل تتوقع نجاح الجزء الثاني من فيلم الفيل الازرق ؟