رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
عبد الرحيم علي
رئيس التحرير التنفيذي
داليا عبد الرحيم
اغلاق | Close
د. حسين علي
د. حسين علي

الكراكيب

الأربعاء 23/سبتمبر/2020 - 06:45 م
طباعة
تتراكم «الكراكيب» داخل بيوتنا، تتواجد بكثرة في بيت، وتقل في آخر، لكن لا يخلو منها بيت من البيوت، و«الكراكيب» هى أشياء غير مستخدمة، ومع ذلك نحرص بشدة على الاحتفاظ بها: كرسى مكسور، تليفزيون عطلان، ملابس قديمة أو حتى جديدة نحتفظ بها رغم أننا لا نرتديها ولا نفكر في ارتدائها يومًا، ومع ذلك لا نفرط فيها!! وتدخل ضمن الكراكيب أيضًا: أباجورة قديمة، أو فازة مكسورة أو موبيلات عتيقة تجاوزها الزمن، ومع ذلك تزدحم بها الدواليب والأدراج، شاشة كمبيوتر أو لوحة مفاتيح لا لزوم لهما، برطمانات فارغة تحرص بعض ربات البيوت على الاحتفاظ بها وتخزينها على أمل استخدامها يومًا فيما ينفع ويفيد. 
إن الحرص على الاحتفاظ بما لا لزوم له من الأشياء هو سلوك خاطئ ناجم عن ثقافة رديئة، وعادات سيئة. فالحس السليم يقول إن الأشياء التى أنت في غير حاجة لها (الكراكيب)، قد تمثل حاجة ضرورية لآخرين غيرك. وبالتالى عليك أن تهبها لمن هو أحوج منك بها؛ بل إن الكرم الحقيقى – الذى لا يقدر على القيام به سوى قلة قليلة ونادرة من البشر – ليس فقط أن تهب غيرك ما يزيد عن حاجتك؛ بل تهب غيرك ما أنت في أمس الحاجة إليه. إن ازدحام المكان بالكراكيب يسهم في تشويه المكان، وإعاقة حركة المرء داخل المنزل، كما أن وجود الكراكيب يبعث طاقة سلبية، فضلًا عن أنها تشكل مرتعًا للحشرات، ومكان تجمع الأتربة والغبار. 
وقد ذكرت دراسة أجريت خلال الفترة من ديسمبر 2012 إلى فبراير 2013 أن الأشياء غير المستخدمة في البيوت المصرية تبلغ قيمتها أكثر من اثنين مليار جنية (2.2 مليار جنية). وأن القاهرة وحدها بها أكثر من تسعة ملايين جهاز محمول تبلغ قيمتها أكثر من ستة مليار جنية. هذا عن قيمة الكراكيب المستخدمة من قِبَل الأفراد، أما «الكراكيب الحكومية» قد بلغت قيمتها في الفترة التى أشارت إليها الدراسة المذكورة 20 مليار جنيه، يسهم التصرف السليم فيها في توفير دخل سنوى للدولة يبلغ 500 مليون جنية، ولكن للأسف بسبب التلاعب والسرقات يتقلص الدخل إلى 155 مليون جنية فقط سنويًا، لأن كل مسئول حين يتولى منصبًا يرغب في تجديد وتأسيس مكتبه الحكومى، فيتم الاستغناء عن الأثاثات والتكييفات والمناضد والمقاعد، واستبدالها بغيرها، وتصير الأثاثات القديمة «كراكيب» تزدحم بها المخازن، رغم أنها كانت تعمل بكفاءة عالية!.
الكرسى المكسور والتليفزيون العطلان، والموبيلات القديمة.. إلخ كلها «كراكيب مادية»، لكن توجد أيضًا «كراكيب معنوية» وهى التى يهمنا هنا الحديث عنها. وكما تضطرب البيوت وتزدحم بالكراكيب المادية، فإننا كبشر نضطرب ونشقى بسبب «الكراكيب المعنوية» التي تحتل رؤوسنا وتشغل عقلنا، وتصيب العقل والنفس بالاضطراب. فالذكريات المؤلمة كراكيب، والأفكار العقيمة كراكيب، والعلاقات العاطفية الفاشلة كراكيب، وحرصك على الاستمرار في علاقتك بشخص تدرك جيدًا أنه يشكل لك عبئًا نفسيًا ويمثل مصدرًا للطاقة السلبية، والإحباطات التة غيرت مسار حياتنا كراكيب.
التخلص من الكراكيب المادية قد يكون أمرًا سهلًا. فإذا نصحك صديقك بأنه لا لزوم للاحتفاظ بالملابس القديمة، ما دمت لن ترتديها يومًا، والأفضل التخلص منها بمنحها لجمعية خيرية أو لأشخاص هم أحوج إليها منك. قد تقتنع بالفكرة وتتخلص من الملابس القديمة، وقد تتخلص من بقية الكراكيب المادية الأخرى. أما إذا جاءك صديق ونصحك مخلصًا بتغيير رؤيتك وطريقة تفكيرك في أمور حياتك، فإنك سوف تفزع ولن تستجيب.
علينا أن نفحص أفكارنا ومعتقداتنا، كى نفهم مصدر الأفكار الكامنة داخل رؤوسنا، من أين جاءت؟ وكيف تكونت؟ وعلينا أن نفرز الصائب من الباطل منها، ونميَّز بين الجيد والردىء. فإذا كانت الفكرة جيدة نُبْقِيها، أما إذا كانت رديئة فنطرحها جانبًا. إن كثيرًا من الأفكار التى تزدحم بها عقولنا هى أفكار عقيمة، وأقرب ما تكون إلى الكراكيب التى تحول بيننا والرؤية الصحيحة للأشياء والأشخاص والوقائع. إنها تقف كعقبة في طريقنا نحو حياة سعيدة ومستقرة. يحدث أحيانًا أن تسيطر ذكرى تجربة مريرة على حياة المرء، كأن يكون قد صادف يومًا شخصًا كريهًا – مدرس بالمدرسة أو أستاذًا بالجامعة، أو رئيسًا في العمل، أو زميلًا أو صديقًا، أو زوج أو زوجة - أفقده ثقته بنفسه، وعامله على نحو فيه استهانة وإهانة وغدر وخيانة، مما ترك جرحًا داميًا في بنائه النفسى، واضطرابًا في طريقة تفكيره، وأفقده ثقته بنفسه. تدخل ذكرى هذه التجربة المريرة التى مر بها المرء ضمن «الكراكيب المعنوية» التى يتحتم التخلص منها.

"
مع وجود فيروس كورونا.. هل توافق على عودة الأفراح ؟

مع وجود فيروس كورونا.. هل توافق على عودة الأفراح ؟