البوابة نيوز : أوروبا والعالم الإسلامي «3» (طباعة)
أوروبا والعالم الإسلامي «3»
آخر تحديث: السبت 12/01/2019 08:46 م
محمد صلاح غازي محمد صلاح غازي
يتابع ثلاثة من أشهر مؤرخى فرنسا، هنرى لورنس وجون تولان وجيل فينشتاين فى كتاب ضخم بعنوان أوروبا والعالم الإسلامى.. تاريخ بلا أساطير والذى نقله إلى العربية بشير السباعى والصادر مؤخرا عن المركز القومى للترجمة بقولهم: وفى عقد التسعينيات من القرن الثامن عشر، بما تميز به من تعاقب مريع للأحداث، تزداد المصطلحات تحديدًا، فتجديد أوروبا ليس غير مرحلة جديدة فى سيرورة التمدن التاريخية وهذه السيرورة لا تقتصر على أوروبا، فهى تميل إلى التعولم بامتدادها إلى كل البشرية.
والعالم الإسلامى هو الأقرب إلى أوروبا، وهو العالم الذى تعرفه أكثر من سواه. وهو جارها المباشر ويمتد إلى الطرف الآخر للعالم القديم حيث الأوروبيون بسبيلهم إلى بناء إمبراطوريات جديدة. والحال أن الأوروبيين الذى أسكرتهم قوتهم الجديدة التى يحددونها بالفعل على أنها تتمثل فى السيطرة على الطبيعة، إنما يدركون من جهة أخرى أن اللحظة الأوروبية فى تاريخ العالم الجديد بسبيلها إلى الانتهاء. وقد أشارت حرب السنوات السبع بالنسبة لفرنسا إلى ضياع كندا. إذا كانت تحتفظ بجزر الأنتى التى تحصل منها على السُكر، فإنها تقلق محقة على دوام وجودها فى هذه المنطقة. فحرب استقلال الولايات المتحدة يتم تفسيرها تفسيرًا صائبًا على أنها بداية سيرورة حتمية لتحرر المستعمرات الأوروبية فى الأمريكتين. لقد أصبحت أوروبا اثنتين ويشير فلاسفة ككوندورسيه فى تسعينيات القرن الثامن عشر إلى هذا الانتقال الجغرافى بالاستخدام المنهجى لمصطلح الغرب بمعناه الحالى.
وكان فتح العالم الجديد قد تم باسم المسيحية. وقد عاش الفاتحون الإيبيريون هذا الفتح بوصفه مواصلة للـــ Reconquesta الذى قاموا به ضد الإسلام. وكان المشروع الأول لنيو إنجلاند هو تكوين مجتمع مسيحى بروتستانتى وإنجليزى بعيدًا عن وضاعات الحكم المطلق الأوروبى. وقد ترافق الاستعمار الفرنسى لكندا مع رغبة مستديمة فى التنصير الكاثوليكى للهنود الأمريكيين. وبذا صار النقد التنويرى للواقع الاستعمارى الأوروبى شجبًا حادًا لأعمال العنف التى ارتكبت باسم المسيحية. وقد رمز إلى انتهاء اللحظة الأوروبية التى جعل منها أحد عناصر اتهام المسيحية.
كان مصير الدولة العثمانية هو المسألة الجيوسياسية الكبرى فى أواخر القرن الثامن عشر. وليس غريبًا بالمرة أن هذا المصير يظل كامنًا فى الحروب النابوليونية. وكانت الذريعة المباشرة للتحلل من صلح أميان فى عام ١٨٠٣ هى آثار الحملة الفرنسية على مصر، إذ رفض البريطانيون الجلاء عن مالطة الذى كانوا قد تعهدوا به «بموجب هذا الصلح». وفى مصر، يقومون بدعم المماليك ضد محاولات استعادة السيطرة العثمانية، لكنهم يحترمون تعهدهم بالجلاء عن مصر. والسياسة البريطانية تعرقلها التعقيدات الأوروبية. وتضطر لندن إلى مراعاة جانب روسيا كى تحثها على الدخول فى الائتلاف الثالث ضد فرنسا مع تأمينها صون الطريق البرى إلى الهند ضد الخطر الروسى الذى يجد تعبيرًا ملموسًا عنه فى تعديات عديدة فى البلقان العثمانية. وفى عام ١٨٠٥، تجبر لندن العثمانيين على عدم الاعتراف باللقب الإمراطورى لنابوليون، ومن هنا قطع العلاقات الدبلوماسية مع فرنسا وتزايد النفوذ الروسى فى الدولة العثمانية. وبعد معركة أوسترلتز، يقلب السلطان سليم الثالث التحالفات معترفًا بنابوليون كإمبراطور. ويدعم الروس الانتقاضات الصربية وفى عام ١٨٠٦ يدخلون فى حرب ضد العثمانيين فيغزون إمارتى فالاكيا ومولدافيا الرومانيتين. وهما يتمتعان بدعم البريطانيين الذين يحاولون القيام بعملية بحرية ضد الدردنيل وبحر مرمرة. وبما أنهم قد جرى صدهم، فإنهم ينزلون عندئذ فى مصر فى مارس ١٨٠٧، لكن سيد البلد، الألبانى محمد على، يجبرهم على الرحيل.
الفصل الثانى فى مصر، فى عام ١٨٠٥، يتولى السلطة محمد على، قاد الفرقة الألبانية، مزيحا الوالى العثمانى بدعم من أعيان القاهرة. ويضطر الباب العالى إلى الاعتراف بهذا الانقلاب. والحال أن الوالى الجديد الذى يسميه الأوروبيون بنائب الملك إنما يؤسس شرعيته فى عام ١٨٠٧ بطرده الإنجليز. وهو يتمكن تدريجيًا من استعادة فرض النظام ويقضى نهائيًا على المماليك فى عام ١٨١١. وهو يطمح إلى أن يكون مؤسس إمبراطورية إسلامية وأعماله الأولى تمضى فى هذا الاتجاه فهو يفرض احتكار الدولة للأرض، ويفرض رقابة قوية على المعاملات الاقتصادية. وهو ينهى انحراف الالتزامات الآخذة بالتحول إلى ملكيات خاصة حقيقية. وبالإمكان تفسير هذه السياسة بأنها إحياء للأشكال السلطوية للدولة الإسلامية التقليدية. وقياسًا إلى المصلحين التقليديين للدولة العثمانية. فإنه يتمتع بميزة البدء من العدم الناجم عن زمن طويل من المتاعب، وهو يستند إلى رجال بيته المؤلف من ترك وألبانيين وشراكسة، كما يستند أيضًا إلى مسيحيين أقباط وأرمن. ورجال البيت هم بالدرجة الأولى عثمانيون ثقافة ولغة، وإذا كانوا يدعمون رغبة قائدهم فى الاستقلال الذاتى، فإنهم إنما يفعلون ذلك ضمن الهدف المتمثل فى إقامة إيالة مستقلة مشابهة لإيالات بلاد البربر.
وشأن جميع القادة المسلمين فى عصر محمد على، فإن الشاغل الرئيسى لهذا الأخير هو بناء قوة عسكرية حديثة. وفى مرحلة أولى، يحاول فرض انضباط جديد على الوحدات العسكرية التقليدية، لكن النتائج ليست مرضية بما يكفى، على الرغم من استخدام مستشارين عسكريين أوروبيين، خاصة قدامى محاربين فى صفوف الجيش النابوليونى. وبعد أن فكر فى إنشاء جيش من عبيد سود، ينتهى إلى الاضطرار إلى اللجوء إلى سكان وادى النيل الذين يسمون عمومًا بالفلاحين، حتى فى حالة السكان الحضريين. وهنا أيضًا، لا يفعل سوى الاقتداء بالمثل الذى ضربه سليم الثالث، لكن وضع مصر الخاص يسمح له دفعة واحدة بالتمع بقوة ذات كفاءة بشكل خاص.
وللحديث بقية.