رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
عبد الرحيم علي

أفواه وأرانب

السبت 01/ديسمبر/2012 - 12:00 ص
كتب: مصطفى بيومي
طباعة

ربما يوحي عنوان الفيلم: “,”أفواه وأرانب“,” بتصديه لمناقشة قضية خطيرة، هي الانفجار السكاني، الذي يخلق كثيرًا من “,”الأفواه“,” التي تعاني الجوع، نتيجة السلوك الإنجابي المشابه لسلوك “,”الأرانب“,” في كثرة النسل، ويؤدي هذا التزايد في معدلات المواليد إلى التهام كل زيادة في الإنتاج، فيزداد الفقر والجوع!
نعمت، الفنانة فاتن حمامة، تعيش مع أختها، رجاء حسين، وزوج أختها السكير، فريد شوقي، حياة فقيرة بائسة، لا تعرف الاستقرار والأمان، ومعهم تعيش كومة من الأطفال العراة المرضى المهملين الضائعين. هل تنبع مأساة الأسرة من كثرة عدد الأولاد، أم من إدمان الخمر، أم من السببين معًا؟!
يقول الفيلم إن الفقر الذي تعيشه الأسرة مسئولية الأسرة نفسها! من ناحية لأن الإنجاب بلا حساب، ومن ناحية أخرى لأنهم لا يعملون ولا يعرفون الحرص في الإنفاق، ويتورط رب الأسرة في إدمان الخمر التي تلتهم –بلا رحمة- إيرادهم القليل المحدود.
يحفل الواقع المصري بكثير من الأسر التي يقدمها الفيلم، وهي أسر محدودة النسبة وتستحق التشهير والإدانة، لكن اختيار النموذج الاستثنائي والاعتماد عليه وحده يقود إلى نتيجة مغلوطة، وهي أن الفقر في القرية المصرية مسئولية الفقراء وحدهم، وأن التكاسل عن العمل، وليس غياب فرص العمل وانتشار البطالة، هو المسئول عن التدهور والإفقار. ويأبى الفيلم إلا أن يؤكد هذه الرسالة باختياره لأسرة تعيش في القرية ولا تعمل في الزراعة، وتعاني الفقر ولا تستثمر أولادها كعمال زراعيين. ويزداد التأكيد وضوحًا عندما تدفع الأحداث بنعمت إلى الهروب، فرارًا من زيجة مفروضة عليها، لتبدأ رحلتها مع الصعود الاجتماعي السريع، من عاملة زراعية أجيرة تعمل في جمع محاصيل الفاكهة، إلى زوجة للمالك الكبير محمود بك، و“,”مستشارة“,” اقتصادية بارعة له!
بالعمل، كقيمة مطلقة لا علاقة لها بالسياق الاجتماعي، يستطيع الفقراء أن يرتقوا! ربما يحتاج هذا الارتقاء إلى مصادفات كثيرة غير منطقية، لكن الصعود سهل وميسور كما يقول الفيلم.
أخطر ما في “,”أفواه وأرانب“,” أنه يرسخ مجموعة من القيم والأفكار التي تناقض واقع الحياة التي يريد التعبير عنها، وأهم هذه القيم يتمثل في:
أولاً : اختيار الأسرة الفقيرة، منذ البدء، لا يخلو من التحيز المقصود الذي يرغب في إدانة الفقراء، والأسرة المختارة تبدو جزيرة مغلقة، فلا نرى واقع الفقراء الآخرين الذين لا يسكرون ولا يسرفون ولا يتكاسلون عن العمل.
ثانيًا : الإعلاء من شأن الحلول الفردية غير المنطقية، كما يتمثل في قصة نجاح وصعود نعمت. بالإرادة القوية وحدها تشق طريقها في سهولة عجيبة، والمصادفات السعيدة تتدخل وتتكفل بتحطيم كل العقبات التي تعترضها.
ثالثًا : العمال الزراعيون الكثيرون، الذين يعملون في خدمة محمود بك ومزارعه الواسعة، راضون كل الرضا، وسعداء لا يعكر صفو حياتهم شيء. معاناتهم لا تنبع من الفقر واستغلال الأغنياء، بقدر ما يتسبب فيها ناظر الزراعة المتسلط، الفنان حسن مصطفى، وهي معاناة ذات طابع كوميدي! لا يحد من هذا التسلط غير الإنساني إلا المالك الكبير الطيب، وتدخل نعمت النشيطة الشجاعة، التي تدافع ببسالة عن حقوق زملائها!
رابعًا: صورة المالك الكبير محمود بك، الفنان محمود ياسين، وردية بالغة العذوبة، فهو رجل وسيم أنيق ذو مشاعر رقيقة وحس رومانسي. يقدمه الفيلم مالكًا زراعيًّا ذا نفوذ واسع في العاصمة، وهو مشغول دائمًا ومرهق في العمل الذي لا نعرف حقيقته على وجه التحديد! وكأنما يريد صانعو الفيلم دغدغة مشاعر المتلقين عندما يصبون غضبهم على خطيبته المتعالية المتغطرسة، إيناس الدغيدي، ومثل هذه الكراهية المنفرة مفيدة أيضًا لتفسير تحول قلب البك النبيل، وهو تحول غير منطقي، إلى نعمت المتواضعة الرقيقة!
يقول الفيلم إن زواج أغنياء الريف من فقيراته، وربما العكس أيضًا، هو العلاج الوحيد لمشكلة الفقر، وهي مشكلة صنعها الفقراء بتكاسلهم وسلبيتهم!
الأهمية الحقيقية للفيلم تكمن في تبنيه لاتجاه يتوافق مع مرحلة الانفتاح، التي عُرض في ذروتها، وهي مرحلة تبشر بحلول سحرية وهمية لمشاكل عميقة معقدة، يفسدها التناول السطحي التجاري.
"
هل تؤيد فرض غرامة مالية على معلمي الدروس الخصوصية؟

هل تؤيد فرض غرامة مالية على معلمي الدروس الخصوصية؟