رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
عبد الرحيم علي

الكنيسة في مواجهة الجريمة العائلية.. "الأرثوذكسية": أنشطة أسرية للتوعية النفسية والروحية.. "الإنجيلية": دراسة المشاكل وعلاجها وتوفير أطباء نفسيين.. "الكاثوليكية": مسئولية الجميع

الجمعة 19/أكتوبر/2018 - 10:02 م
الكنيسة- صورة أرشيفية
الكنيسة- صورة أرشيفية
رانيا سعد
طباعة
ما بين حادث مأساوى وآخر لم يفصل بينهما سوى أيام قليلة، بات الأمر شبه معتاد عليه فى المجتمع.. وفى الواقع هى لم تكن حوادث جديدة فقد شهدنا قبلها الكثير والكثير، ولكن على فترات متباعدة ولأسباب متقاربة، والملاحظ فى هذه الحوادث هو انتشارها مؤخرًا بشكل مخيف، مما جعل الجميع يتساءل: هل يمر المجتمع بأزمة نفسية وأسرية؟
هذه الحوادث المتقاربة تستدعى دراسة وبحث من المعنيين سواء استشاريين نفسيين واجتماعيين والخروج بنتائج فى كيفية المواجهة والتوعية للسيطرة عليها، وإنقاذ أرواح أطفال أبرياء لا يملكون الحق فى اختيار البقاء أحياء أم التخلص من حياتهم، ومطلوب تدخل من الدولة بأجهزتها المعنية، من جانب آخر للمؤسسات الدينية دور فى المواجهة والتوعية سواء الكنيسة أو الأزهر، ومعروف أن للكنيسة دورًا توعويًا مهمًا من خلال أنشطتها الثقافية والفنية والاجتماعية للمواجهة والسيطرة على هذه الحوادث من خلال قنواتها المختلفة.
هذا التحقيق يستعرض طرق الكنيسة فى مساعدة المجتمع لمواجهة ما يمر به من أزمات نفسية أو اجتماعية.

الكنيسة في مواجهة
رعاية كنسية مبكرة
الكنيسة لها باع طويل فى الأنشطة الاجتماعية والثقافية واحتضان أفرادها، هكذا أكد الأنبا مرقس، أسقف شبرا الخيمة وقليوب والقناطر الخيرية، على دور الكنيسة الإيجابى تجاه المجتمع وأفراده والحفاظ على تماسك الأسرة، محذرًا من انتشار الحوادث العائلية والتى تعتبر خطرًا يهدد المجتمع واستقرار الأسرة المصرية، ويجب العمل على علاجه مبكرًا قبل أن يصبح ظاهرة يصعب حلها.
وأرجع «مرقس» هذه الحوادث لعدد من الأسباب، منها ابتعاد الأفراد عن علاقتهم بـ«الله»، وابتعاد أفراد الأسرة عن بعضهم، والسبب الآخر يرجع للدراما التليفزيونية التى لم تقدم سوى العنف والقتل، ولم تعد تقدم قضية مهمة تفيد أفراد المجتمع، الأمر الذى يحتاج لضرورة إعادة هيكلة الإعلام ليصبح إعلامًا موجهًا بلا عنف ولا احتقان.
مدارس الأحد
وعن دور الكنيسة، يقول الأنبا مرقس: إن الكنيسة دائمًا متماسكة بأعضائها ورسالتها لهم بأن يثبتوا معًا ويهتموا ببعضهم البعض، وتحثهم على زيارة بعضهم والسؤال والافتقاد عن بعضهم، وأن يكون دائمًا بينهم علاقات طيبة والابتعاد عن العلاقات المبنية على الإنترنت فقط.
وتابع أن الكنيسة تعتنى وتحتضن أفرادها بدايةً من الأطفال داخل فصول مدارس الأحد وتدريبهم على الفنون والكشافة، كوسائل للتواصل فيما بينهم.
يذكر أن مدارس الأحد تطورت بدءًا من الحضانة والمرحلة الابتدائية والإعدادية والثانوية، وتلك الخدمة تساعد على تقديم الخدمات التى تجعل من الطفل شابًا ناجحًا يخدم نفسه ووطنه ومجتمعه، بالإضافة للاهتمام بالشباب الجامعي، والخدمات الخاصة بالسيدات من خلال الاجتماعات الخاصة بهن، والفئات الخاصة والعديد من الخدمات التى استحدثت فى السنوات الأخيرة، والتى تتطور بتطور المجتمع.
عظات أسرية
وبشكل مكثف تعقد الكنائس عظات أسرية للمتزوجين واجتماعات مشورة للمقبلين على الزواج، وأكد الأنبا مرقس أهمية دور مراكز المشورة لبناء الأسرة على أسس علمية ناجحة مع ضرورة إلزامية الدورات كشرط للزواج للقضاء على المشاكل الزوجية التى تطرأ وتؤدى إلى الانفصال الجسدى أو فكرة الطلاق، وتتضمن دورات المشورة الأسرية موضوعات متعددة منها دراسة نفسية للرجل والمرأة والحوار الناجح بين الطرفين وشريعة الزواج الواحد وقوانين الأحوال الشخصية، من خلال محاضرات لمتخصصين فى الطب النفسي.
وأشار الى أن مثل هذه الأنشطة تمتص جزءًا كبيرًا من طاقات الشباب والأفراد، والتى يجب أن تأتى قبل دور الأطباء النفسيين لتلافى الحدث، مشيرًا إلى أن الكنيسة لم تشهد مثل هذه الحوادث الاجتماعية حتى الآن.

الكنيسة في مواجهة
الاعتناء بالأسرة
وخلال مهرجان العائلات، الذى نظم بالولايات المتحدة، وجه البابا فرنسيس بابا الفاتيكان للحاضرين كلمة سلط فيها الضوء على ضرورة الاعتناء بـ«الأسرة» والدفاع عنها، لأن مستقبلنا يعتمد عليها، وأكد أن العائلة هى «مصنع» الرجاء والحياة والقيامة لأن الله أرادها. وقال إن الله أعطى كل شيء للإنسان، وقد سلم كل ما لديه من حقيقة وجمال ومحبة إلى العائلة، مذكرًا بأن العائلة مرتكزة إلى المحبة والجمال والحقيقة، رغم المشاكل والخلافات والصعوبات
واعتبر أن الاعتناء بالأطفال والأجداد يشكل علامة للمحبة، مشيرًا إلى أن الشعب الذى لا يعرف كيف يعتنى بالأجداد والأطفال هو شعب لا مستقبل له، لأنه يفقد القوة والذاكرة. وقال: إننا ندافع عن العائلة لأن مستقبلنا على المحك.
أحداث عابرة
ويقول الأب هانى باخوم، وكيل بطريركية الأقباط الكاثوليك بمصر والمتحدث الرسمى باسم بطريركية الأقباط الكاثوليك، إنه فى الآونة الأخيرة أصبحنا نستيقظ على أخبار جرائم لم نعتادها، فنجد أم تقتل أبناءها وأبًا يفعل نفس الشئ، وأبناء يتخلصوا من والديهم.. وغيرها من الجرائم البشعة، والتى نسميها إذا سمح التعبير بـ«الجرائم العائلية»، وهو تعبير متناقض؛ فـ«العائلة» التى هى مصدر للأمن والأمان ويستقى فيها الإنسان بدء الحياة والنمو والنضوج معتمدًا على حب الوالدين واثق فى رعايتهم مطمئن لهم، فكيف تتحول العائلة لمكان قلق وتهديد يصل إلى حد القتل ونزع الحياة، وهذا المهد الذى يحضر للغد كيف يصبح قبرًا ينتهى اليوم؟.
وحول ما إذا كنا أمام ظاهرة أم أحداث فردية؟، قال متحدث الكنيسة الكاثوليكية إن الإجابة متروكة لعلماء المجتمع والإخصائيين، وهم أكثر قدرة لإعطاء إجابة حقيقية لهذا الأمر، متسائلًا لماذا يصل الإنسان لفعل مثل هذه الجرائم؟، فهى سميت جريمة لأن بها تنتهى حياة شخص آخر، وأيضًا جريمة لأن بها يقتل الجانى ما يتبقى من إنسانيته ما يتبقى من حب أبوى أو أمومة أو امتنان بنوي. فهى جريمة قتل للآخر وللأنا وللطبيعة الإنسانية التى زرعها الله فى قلوب البشر، وعلينا أن نتساءل لماذا يصل الشخص إلى هذا الحد؟؛ فربما اختلال نفسي أو عقلي، فهل الجريمة ناتج لحدث لحظة معينة (ثورة - غضب - انتفام)، أم نتيجة لحياة طويلة ملئها الثورة والغضب والإنتقام.
رفع الوعى
ولمواجهة الظاهرة من المهم أولًا أن ندرك أسبابها لرفع الوعى والإدراك للأشخاص؛ لماذا تغلغت الثورة فى القلب لهذه الدرجة ولماذا فقدنا بُعد الله الرحيم وحضوره الدائم ولماذا يئس الإنسان حتى يصبح الحل هو القتل؟ وهل اعتدنا الجرائم من حولنا؟ وهل قاست بنا ظروف الحياة حتى أعمتنا عما هو أقرب لنا من ذواتنا الأبناء والوالدين؟.
وتابع «هانى باخوم» قائلًا: كلنا مسئولون عن وصول الأمر لهذه الدرجة، فلا أحد يستطيع أن يغسل يده ويقول «هل أنا حارس لأخي»، وعلينا قبل مواجهة هذه الحوادث نواجه مسبباتها أولًا بدءًا من (الكنيسة، المسجد، الدولة، المجتمع المدني) فالكل مطلوب منه أن يتدخل لنرى سويًا لماذا ولنرى سويًا كيف نساعد إنسان اليوم أن يعود إلى إنسانيته.
الكنيسة في مواجهة
تعالوا نتصدم بالواقع
وقال متحدث الكنيسة الكاثوليكية، إن الكنيسة لديها مجال فسيح فى التوعية بهذا الأمر، فبالإضافة للصلوات والعبادات الطقسية، هناك لقاءات وأنشطة روعية هدفها روحيًا واجتماعيًا لمساعدة الفرد فى تكوينه الإنسانى والاجتماعي، واللقاءات تكون مُركزة جدًا جدًا مع الأطفال، ثم يأتى بعدهم الشباب من سن ١٦ حتى ٢٥ سنة، ثم الأسر حديثى الزواج والبالغين، وفى مناقشة هذ القضية الاجتماعية يجب أولًا لفت نظر الجميع لهذه الحوادث، حيث تتبنى الكنيسة الكاثوليكية حملة فى اجتماعات الشباب تحت عنوان «تعالوا نتصدم من الواقع» والتى تهدف للمراجعة وإيجاد حلول لما نقرأه على صفحات التواصل الاجتماعى والأخبار الاجتماعية وألا يتوقف الأمر عند القراءة فقط، فيجب معه وقفة للمعالجة.
لتأتى المرحلة التالية، وهى أن نعى جميعًا بأننا لسنا أفضل ممن ارتكبوا الجريمة فكلنا بشر والخطأ جزء منا، وعلينا دراسة شخصية الجانى والأسباب التى دفعته للتحول ليصبح «مجرم»، وهل نحن معرضون لأن نكون نفس مصيره يومًا ما، وكيف تتم مواجهة الأسر لهذا الأمر؟، لتأتى المرحلة الأخيرة وهى الاستماع للشباب، وهى النقطة الأهم كى نعطيهم الفرصة للحديث حول كيفية رؤيتهم لهذه الحوادث وكيف لهم أن يضعوا حلولًا لها من وجهة نظرهم بدلًا من أن نطرح عليهم حلولًا وبرامج توعية جاهزة مفروضة عليهم.
الكنيسة في مواجهة
مشاركة الأطباء
من جانبه، يرى الدكتور إكرام لمعي، رئيس مجلس الإعلام والنشر بالكنيسة الإنجيلية، أن الحوادث الغريبة التى انتشرت فى المجتمع مؤخرًا ترجع لأسباب نفسية واجتماعية وروحية إنسانية؛ فالأسباب الاجتماعية تعود لـ«الفقر» الذى أصبح مسيطرًا على كثير من الأسر والمستوى الاقتصادي، من حيث ضعف الدخل والمرتبات، والذى لا يكفى الحاجة فى مواجهة الأسعار المرتفعة يومًا بعد آخر، وجميعها يؤثر سلبيًا على الشخص، وتعتبر لحظة فعل «القتل» هى لحظة جنون وخروج الإنسان عن التماسك النفسى له.
وبسبب أسعار الأطباء النفسيين المرتفعة جدًا، أصبح العلاج النفسى رفاهية بالنسبة للمصريين، وهنا يكون الدور على المؤسسات الدينية والاجتماعية، التى يجب أن تتدخل لتوعية المواطنين، وبالنسبة للكنيسة فيجب أن تساهم فى تنظيم جلسات نفسية أو روحية لأفرادها، وحث الأطباء النفسيين على التطوع لتقديم هذه الخدمة الإنسانية وتقديم المشورة للأسر، بالإضافة لدور آباء الكنيسة والكهنة، بألا يكتفوا فقط بالطقوس الدينية، لأنها ربما تزيد إحساس الفرد بالذنب وتتعقد المشكلة أكثر، لكن الكتاب المقدس مع الطبيب النفسى والمناقشة يساهم بنسبة كبيرة فى حل الأزمة والعلاج.
رجال الدين
ووجه رئيس مجلس الإعلام والنشر بالكنيسة الإنجيلية، رسالة لرجال الدين بألا يتعاملوا بطريقة واحدة مع الجميع بـ(أن الخطية فعل خاطئ ويجب الصلاة والتوبة للوصول لحل) لأنها أسطوانة لن تعد تجدى أو تؤثر فى ظل الظروف والضغوط التى نعيشها، فالأفرد يحتاجون الآن رسالة روحية مبنية على إعادة الثقة للشخص الضعيف بعيدًا على أنه شخص خاطئ وألا يعمق رجل الدين داخل الفرد الشعور بالذنب أكثر بل يجب أن يخفف من هذا الشعور، ويكون ذلك خلال اجتماعات عامة لمناقشة المشكلة والاستماع لمشاكل الأفراد وأن يتحدثوا بتلقائية دون خوف.
دور اجتماعى
ويرى إكرام لمعي، أنه بالإضافة لاستماع الكنيسة لمشاكل أبنائها وإيجاد حلول نفسية، فهناك دور اجتماعى آخر للكنيسة، وعليها أن تركز على مساعدة الأفراد العاطلين بلا عمل من خلال تشغيلهم فى مشروعات صغيرة مثل ورش نجارة أو ميكانيكا.. إلخ لمساعدة الأسر المحتاجة، ومنح البعض الآخر قروضًا صغيرة لمساعدتهم فى بدء حياة جديدة، على أن تكون هذه المشروعات بشكل قانونى وعقود بين الطرفين ضمانًا لالتزام الشخص بالعمل، وألا يشعر بأنه يتلقى تبرعًا أو مساعدة بسبب احتياجه، وعلى الكنيسة أن تُخصص لهذا المشروع معنيين ومتخصصيين احترافيين لإدارته، وأن يتم محاسبتهم أولًا بأول عما أنجزوه بمراقبة منها ولضمان نجاح المشروع والأفراد المعنيين منه، وبالتالى إذا نجحت هذه الخطوة ستحل جزءًا كبيرًا من الأزمات والحوادث الاجتماعية التى نمر بها.
الكنيسة في مواجهة
التوعية والتربية
من جانبه، يقول الأب ديمسكينوس، راعى كنيسة رؤساء الملائكة بحى الظاهر للروم الأرثوذكس، إن دور الكنيسة الأساسى هو فى التوعية والتربية أولًا ضمن مهام الاهتمام بالأسر، ومن ثم يأتى دور المدرسة، وبعدها المجتمع ككل، أى أن الكنيسة لا بد أن تبدأ بعملية التوعية والتشديد على أهمية التربية فى إطار أن الكنيسة أسرة واحدة، عن طريق تشجيع الوالدين على الذهاب للكنيسة مع أبنائهم منذ الصغر، كى يتعودوا على الانخراط فى أصول الحياة والتربية الصحيحة داخل الكنيسة ومنها إلى المجتمع ككل.
ولفت راعى كنيسة رؤساء الملائكة للروم الأرثوذكس؛ إلى أن الكنيسة دائمًا تقوم بتنظيم اجتماعات ولقاءات ومخيمات روحية وثقافية للشباب من جميع الأعمار من المرحلة الابتدائية وحتى طلبة الجامعة، علاوة على اجتماعات الأسر والعائلات، وفى هذه الاجتماعات يتعلمون قيم الحياة الروحية والثقافية والاجتماعية ويتعلمون العيش المشترك بالمحبة والتسامح مع بعضهم أولا، ومن ثم مع باقى البشر والكنائس من الطوائف المسيحية الأخرى، وبطبيعة الحال سيكون تعاملهم أيضًا مع الأديان الأخرى.
ويرى الأب ديمسكينوس أن التشديد على الوالدين بأن يعوا جيدًا أن التركيز على التعليم الصحيح لأنه يمثل البوابة التى منها يخرجون إلى المجتمع ليكونوا أعضاء فاعلين ومنتجين، وإناسًا صالحين يعيشون فى محبة وسلام مع أقرانهم فى المجتمع بغض النظر عن دينهم أو إيمانهم أو معتقداتهم.
وتابع؛ أن غياب هذه الأمور هو الذى يؤدى إلى نشوء أجيال مشبعة بالجهل روحيًا وعلميًا، وبالتالى ينشأ أبناء يعيشون فى جو من الكره والتعصب، ويرفضون الآخر لمجرد اختلافهم عنهم فى الرأى أو المعتقد، ويعيشون الكره نفسه حتى داخل أسرهم وعائلاتهم نفسها، وهذا ما جعلنا نشاهد الكثير من الجرائم حتى داخل الأسرة الواحدة، وبالتالى داخل المجتمع ككل. وبالتالى يجب أن نعلم جيدًا أنه بدون التعليم والتوعية والتربية الروحية والعلمية لا وجود لمجتمع ناجح ولا لأجيال ناضجة تبنى وتنمو وتتقدم بل بالعكس أجيال فاشلة مدمرة لنفسها وللمجتمع.
"
ما أكثر أغنية تعجبك في عيد الحب؟

ما أكثر أغنية تعجبك في عيد الحب؟