رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
عبد الرحيم علي

كنيسة «السيدة العذراء حالة الحديد» بُنيت قبل تأسيس القاهرة بـ6 قرون

السبت 25/أغسطس/2018 - 07:53 م
البوابة نيوز
رانيا سعد
طباعة
كنيسة «السيدة العذراء
على عمق 5 أمتار من سطح الأرض، أدار 23 بطريركًا للكنيسة الأرثوذكسية شئون الأقباط من كنيسة العذراء الأثرية بحارة زويلة، والشهيرة باسم «العذراء حالة الحديد»، لمدة قاربت 4 قرون، وهى أطول مدة استقر بها مقر الكرسى البطريركى منذ دخول المسيحية مصر.
مجمع الكنائس الأثرية بحارة زويلة بحى باب الشعرية يضم داخله 3 كنائس، هى: الكنيسة الرئيسية وكنيستان صغيرتان، وديران للراهبات (العذراء ومار جرجس)، أنشئت فى القرنين الـ12 والـ13. أقدمها كنيسة العذراء التى مرت بها العائلة المقدسة خلال رحلتها لمصر بعد محطتها بحى المطرية وقبل أن تتوجه لمحطتها بمصر القديمة.
وشهد هذا الموقع كغيره من مواقع كثيرة مرت بها الرحلة من وجود مغارة للسكن وبئر مياه جوفية للشرب والاغتسال، ولا تزال البئر والمغارة باقيتان حتى يومنا هذا، ويذهب الآلاف إلى زيارتهما والتبرك بهما.
والملاحظ بهذه الكنيسة وجود مياه جوفية تنخر فى جدرانها منذ مئات السنين دون توقف ودون انهيار للمبنى، وقامت الكنيسة ببناء قنوات صغيرة فى كل أرجاء الكنيسة لنقل المياه إلى الخارج حتى لا تتكدس وتغرق الكنيسة، خاصة أن حوائطها من طراز الحوائط الحاملة بمواد بناء هشة، ولكثرة تدفق المياه من باطن الأرض قامت الكنيسة بإنشاء محطة صغيرة لتحلية جزء صغير من المياه بدلًا من ضياعها بالكامل دون استخدام. تحوى الكنيسة أيقونات أثرية عدة أشهرها اللوحة العجائبية. وقبل عامين افتتح البابا تواضروس الثانى مزار حفظ مقتنيات الآباء البطاركة.
على بعد خطوات قليلة من مدخل شارع حارة زويلة، يوجد مجمع الكنائس الأثرية، أقدمهم كنيسة العذراء التى تحوى المغارة والبئر، وداخلها كان لـ«البوابة»، جولة خاصة مع أحد أباء الكنيسة والمهندس المسئول عن وضع تصميمات الترميم بالتعاون مع هيئة الآثار، باعتبار أن الكنيسة ضمن مسار العائلة المقدسة.. الشارع المتواجد به الكنيسة مكتظ بالسكان والتجار طوال الوقت، كما هو معروف عن هذه المنطقة التجارية من القاهرة، وعليه تم إرجاء الكنيسة فى المراحل التالية للترميم.

كنيسة «السيدة العذراء
إنشاء الكنيسة والمياه الجوفية
المهندس مينا إبراهيم، عضو مجلس الكنيسة والمشرف على عمليات الترميم الحديثة بالكنيسة، قال لـ«البوابة»، إن الكنيسة بُنيت فى القرن الرابع الميلادى تحديدًا 352م، على يد شخص يُدعى الحكيم زايلون من صعيد مصر، وكان مهتمًا ببناء كنائس على اسم السيدة العذراء بالأماكن التى زارتها العائلة المقدسة، ومن وجود البئر والمغارة، جاءت الفكرة لإنشاء الكنيسة. وتعتبر الكنيسة هى أقدم مبنى فى القاهرة الفاطمية كلها، وعلى الطراز البازليكى تم بناؤها.
وعن المياه الجوفية الموجودة بغزارة فى الكنيسة، يقول إن أسبابًا علمية وراء ظهورها؛ أولًا انخفاض مستوى سطح الكنيسة عن مستوى سطح الأرض أدى لظهور المياه تحت السطحية بغزارة. ثانيًا، شارع الخليج المصرى –بورسعيد حاليًا- بعد ردمه لا تزال حبيبات التربة السفلية منه مشبعة بالمياه، والتى تضغط على أضعف نقطة بالمنطقة وهى الكنيسة. ثالثًا ولقدم الكنيسة فهى محاطة بالسراديب والأنفاق التى كانت تستخدم فى عصور سابقة، وهى مشبعة أيضًا بالمياه التى تضغط على المياه.
والغريب فى هذا الأمر، هو أن الكنيسة بُنيت بنظام الحوائط الحاملة من الحجر الجيرى والطوب البلدى القديم والمونة البيضاء، وكلها مواد هشة، والمياه تنخر فى حوائط الكنيسة قبل سنوات بعيدة، إلا أن حوائطها ثابتة دون انهيار.
وتم الحفاظ على جزء من هذه المياه عن طريق تجميعها فى قنوات تصب فى البئر الأثرية أمام الهيكل، والذى لم يستوعب كمية المياه كلها لتستكمل المياه طريقها لـ«بيارة» صناعية موجودة بحوش الكنيسة، يتم تنقية جزء منها عن طريق خط تحلية وفلاتر وإعادة استخدامه، وطالبت الكنيسة مسئولى الحى أكثر من مرة لاستغلال المياه الجوفية، بدلًا من إهدارها ولم تتلقى ردًا.
كنيسة «السيدة العذراء
مخطوطات تاريخية

يقول المقريزى، إنه عندما قام القائد جوهر الصقلي، منتصف القرن الـ10 بتأسيس مدينة القاهرة، كانت هناك قبيلة مغربية من قبائل البربر قد نزحت إلى مصر مع جوهر الصقلى، وتدعى قبيلة «زويلة»، وأقامت هذه القبيلة بمنطقة «حارة زويلة»، وتركت الدير كما هو عليه حتى بعد عودة القبيلة للمغرب.
وتأسست كنيسة السيدة «العذراء حالة الحديد» قبل أن يقوم جوهر الصقلى بتأسيس القاهرة بـ6 قرون، وهناك مخطوطات قبطية بالمكتبة الأهلية بباريس، ورد بها أسماء كنائس فى مواقع بالقاهرة بعضها يقع فى قاهرة المعز (كنيسة السيدة العذراء الأثرية بحارة زويلة)، وذكرت كنيسة حارة زويلة بمخطوط اللورد كوفورد تحت اسم (كنيسة والدة الإله مريم بحارة زويلة).
وأشار المقريزى فى كتابه «السلوان» إلى سحر مكانة كنيسة زويلة عند الأقباط، وأن الحكيم زايلون هو الذى بناها. وقد ورد فى الرسالة الـ12 من الرسائل الزينية للعلامة أحمد بن زين نجم الدين الحنفى، أن كنيسة حارة زويلة أغلقت فى عصر الشيخ محمد بن إلياس بأمر من السلطان سليمان خان الأول 967هـ/1559م، ولما طلب الأقباط ترميمها أحيلت أوراقها للمفتى وأصدر أمرًا بإعادة ما تهدم منها فقط.
وذكرت السجلات القبطية التاريخية كنيسة العذراء بزويلة، كما ورد فى سيرة البابا مقارة الثانى البطريرك الـ99 فى 1102م فى عهد السلطان سليمان خان الأول، وعندما توفى أسقف مدينة مصر (بابليون)، طلب الوجهاء والكهنة من البابا أن يقيم لهم أسقفًا آخر. ويقول تاريخ البطاركة إن البابا لم يكن ميالًا لذلك، فاجتمع الشعب وكبار الكهنة بكنيسة أبا سرجة بمصر القديمة، وأجروا قرعة هيكلية ووقعت على الراهب (يؤنس سنهوت). وفى الأحد التالى لسيامة هذا الأسقف قام الشعب بالاحتفال فى كنيسة السيدة العذراء بحارة زويلة.
ويصف أبو المكارم.. فى كتابه «كنائس وأديرة مصر» حوالى 1200م؛ إن هذه الكنيسة شهدت تجديدًا فى أواخر القرن الـ12م، اشترك فيه أبو المكارم والأرشيدياكون أبو سعيد، وذلك فى عهد الحافظ لدين الله والظافر بأمر الله -الفاطميين- وقد سمحا بترميم الكنائس.
وعن الزخارف التى كانت موجودة بالكنيسة يقول: «إنه كان فى هذه البيعة صورة السيد المسيح فى العرش والأربعة وجوه حاملته ليس لها شكل ولا مثال فى جميع صور المسكونة، وهى موجودة حتى الآن، لكنها تحتاج لترميم.. وعلى يسار الداخل للكنيسة توجد ثلاث صور؛ واحدة للقديس مار جرجس التى رسمها الراهب «مقارة»، ولارتباط الكنيسة بدير راهبات السيدة العذراء بزويلة، فإن أول إشارة تاريخية مسجلة تؤرخ لهذا الدير هى التى وردت فى خطط المقريزي».
وصف بتلر 1882م تحدث فى كتابه (الكنائس القبطية القديمة فى مصر) عن كنيسة زويلة والأديرة الملاصقة لها يقول «إن مستوى الكنيسة تحت مستوى الشوارع المحيطة بها حوالى 14 قدما، ويوجد بالكنيسة 35 عمودًا، 12 على جانبى الصحن الأوسط، وأعمدة بالجزء الغربي.. وستائر فى الجزء الغربى من الكنيسة»، وهو ما يعنى أنه كان هناك قسمًا للرجال (الشرقي) و(الغربي) فكان للسيدات. كما كان يوجد على الأجنحة 10 أعمدة بالإضافة، وأمام الخورس 4 أجنحة. مشيرًا إلى أن الصحن على شكل (قبو) محمولة جدرانه على أعمدة من الشرق للغرب، وفوق الأعمدة توجد عروق خشبية عريضة، مبنى فوقها عقود صغيرة مفرغة للتخفيف من ثقل الجدران، كما توجد عروق سميكة بعرض الكنيسة لتخزينها. والكنيسة فى الوضع الأصلى 4 هياكل، وفى جوانب ثلاثة من القبة توجد نوافذ ملونة على شكل (بيزنطي)، أما الحنية الشرقية الكبيرة للهيكل الأوسط بها درج رخامى ووسطها آثار سيراميك دمشقي، ووجد فى هذه الحنية عرش البطريرك موضوعًا فى الوسط، يعتقد أنه الموجود حاليًا بالمتحف القبطي.
أمام الهيكل الرئيسى يوجد حجاب قديم مطعم بقطعة من العاج على شكل نجمة داخل دوائر، وأعلاه توجد مجموعة من الأيقونات القديمة، وفوق حافة الحجاب الأوسط يوجد صليب كبير مرسوم عليه السيد المسيح المصلوب، وعلى كلا جانبيه توجد أيقونتان داخل إطار للقديس مار يوحنا الحبيب والعذراء. وهو النموذج الوحيد الذى رأى لأيقونة السيد المسيح المصلوب معلقًا فوق حجاب هيكل فى كنيسة قبطية بالقاهرة»؛ حيث المعتاد فى الفن القبطى أن يوضع صليب القيامة فوق الهيكل (وهو صليب غير مرسوم عليه السيد المسيح)، ويرجع البعض هذا الصليب تم تنفيذه بواسطة أحد الرسامين الروم.
"
ما أكثر أغنية تعجبك في عيد الحب؟

ما أكثر أغنية تعجبك في عيد الحب؟