رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
عبد الرحيم علي

المصلح جان كلفن ودور الشيوخ في الكنيسة

الجمعة 27/أكتوبر/2017 - 04:05 م
القس سهيل سعود-المصلح
القس سهيل سعود-المصلح جون كلفن
كتب : القس سهيل سعود
طباعة
من الألقاب التي أطلقت على المصلح جان كلفن، لقب "مشرّع الكنيسة المتجددة". فجان كلفن الذي درس القانون، استخدم معرفته في وضع تشريعات متعددة لإدارة الكنيسة الإنجيلية الناشئة، ومنها وضع أسس تشريعية ادارية لدور ومهام الشيوخ في الكنيسة المحلية. فنتيجة لحركة الإصلاح الإنجيلي في القرن السادس عشر، والتي أدت الى بروز كنائس انجيلية كثيرة، رأى كلفن أن هناك ضرورة قصوى لوضع نظام لإدارة هذه الكنائس، ياخذ بعين الاعتبار ثلاثة أسس رئيسية: 1-يستند الى الكتاب المقدس. 2- يلبي حاجة الكنيسة للاهتمام والسهر على حياة أعضائها من خلال الإرشاد والتوجيه والتأديب. 3- يحقق الفصل الكامل بين ادارة الكنيسة والدولة، حتى لا تتداخل السلطات الزمنية بالسلطات الروحية، كما كان يحدث في كثير من الأحيان. 
ولتحقيق أهدافه، عاد كلفن كعادته إلى دراسة تاريخ الكنيسة والكتاب المقدس. فوجد أنه كان في الكنيسة الأولى خدمات فوق طبيعية، قام بها الرسل الأوائل والانبياء والمبشرين الذين عاشوا الشهادة الأولى للكنيسة، وقد ترافقت خدمتهم بمنحهم الرب، المواهب المميزة لإجراء الآيات والعجائب، معتبرا أن هذه الخدمة فوق الطبيعية، كانت مؤقتة الى حين تأسيس الكنيسة. لكن بعد ذلك، استمرت خدمات الكنيسة بشكل دائم، من خلال خدمة الشيوخ، التي كانت قائمة سابقا في العهد القديم مع النبي موسى، إذ عاونه شيوخا سهروا معه على حياة جماعة الايمان القديم، واعتمد عليهم في إدارة شعب الله. من المراجع الكتابية التي تظهر دور الشيوخ في العهد القديم: قال الله لموسى "فإذا سمعوا لقولك، تدخل أنت وشيوخ بني اسرائيل الى ملك مصر، وتقولون له الرب اله العبرانيين التقانا" (خروج 3: 18) وأيضا، "فجاء موسى ودعا شيوخ الشعب ووضع قدامهم كل هذه الكلمات التي أوصاه بها الرب" (خروج 19: 7). وحين دراسة سفر أعمال الرسل والرسائل في العهد الجديد، وجد كلفن أن المجمع الكنسي الأولى، الذي اجتمع في أعمال الرسل الاصحاح 15، لمعالجة موضوع اشكالية شائكية هي تعليم المتهودين، وجد كلفن أن هذا المجمع ضم الرسل والشيوخ الذين عالجوا معا تلك المشكلة اللاهوتية. وحين تفسيره لقول الرسول بولس لأعضاء كنيسة رومية "أم الواعظ ففي الوعظ، المعطي فبسخاء، المدبّر فباجتهاد، الراحم فبسرور" (رومية 12: 8 ) فقد توقف كلفن عند قول بولس "المدبّر فباجتهاد". معتبرا أن هذا القول يشير الى وجود شيوخ مدبرين، يعملون مع الرسل في ادارة الكنيسة. أيضا توقف عند توصية بولس لتيطس، بشان ضرورة اقامة شيوخ في الكنائس التي ليس ليس لديها شيوخ، قائلا له "من أجل هذا تركتك في كريت، لكي تكمّل ترتيب الأمور الناقصة، وتقيم في كل مدينة شيوخًا كما أوصيتك" (تيطس 1:5). ووصية الرسول بطرس للشيوخ، قائلا لهم، "أطلب الى الشيوخ الذين بينكم، أنا الشيخ رفيقهم والشاهد لالآم المسيح وشريك المجد العتيد أن يُعلن. إرعوا رعية الله التي بينكم نظارًا: لا عن اضطرار، بل بالاختيار ولا لربح قبيح بل بنشاط. ولا كمن يسود على الأنصبة بل صائرين أمثلة للرعية. ومتى ظهر رئيس الرعاة، تنالون اكليل المجد الذي لا يبلى" (1 بطرس 5: 1-4). وبالايجاز، رأى كلفن في الكتاب المقدس، نظامًا متماسكًا وصلبا، لادارة الكنيسة من خلال الشيوخ. 
عند دراسته للرسائل في العهد الجديد، وجد كلفن أن كلمة "أسقف" Episcope، وكلمة "شيخ" Presbytros، لهما نفس المعنى في اللغة اليونانية أي "مشرف"، الذي يقوم بمهمة الاشراف على الكنيسة. كما وجد أن الرسول بولس يستخدم الكلمتان، للاشارة الى نفس الأشخاص، وهم شيوخ كنيسة أفسس، قال بولس للشيوخ"إحترزوا إذًا لأنفسكم ولجميع الرعية التي أقامكم الروح القدس فيها أساقفة، لترعوا كنيسة الله التي افتداها بدمه" (أعمال الرسل 20: 28). فقد طلب بولس من شيوخ الكنيسة، أن يكونوا أساقفة يشرفون ويسهرون على كنيسة أفسس. وبالتالي، لم يرى كلفن بأن بولس ميّز في المرتبة والمكانة بين الشيوخ والأساقفة. لم يكن هناك علاقة هرمية. ولم يكن للواحد مرتبة أعلى من الآخر. حتى القديس جيروم (347-420) في تفسيره لرسالة تيطس، فقد رأى أن مسؤولية الشيخ هي مشابهة لمسؤولية الأسقف. إلاّ أن هذه الهرمية والتراتبية، ظهرت خلال تاريخ الكنيسة، إذ أن مسؤولية الأسقف في الاشراف، لم تعد تنحصر في كنيسة محلية واحدة، بل شملت عدة كنائس، الأمر الذي أعطى هرمية وسلطة أعلى للأسقف على الشيوخ. كما ظهرت في الكنيسة خلال تاريخها تنظيمات جديدة ومراتب كنسية جديدة لم يذكرها الكتاب المقدس.
قال كلفن: "لقد سرّ الله أن يستخدم الناس كأداة ليحافظ على جسد كنيسته. فكما أنه لا يمكن أن تدار مدينة دون حكام اداريين، كذلك أيضًا كنيسة الله. فهي بحاجة ليكون لديها سياسة لادارة كنسية تختلف، عن سياسة الادارة المدنية. سياسة ادارة لا تعيق الخدمة، ولا تشكّل تهديدًا لها، وإنما تسهّل خدمة الكنيسة وتساعدها للحفاظ على حياتها الروحية وإرساليتها في العالم، التي ائتمنها عليها رب الكنيسة يسوع المسيح". قال كلفن "من ينظر الى نظام ادارة الكنيسة، يجب أن يرى الانجيل في الطريقة التي تدار فيها الكنيسة". 
خلال خدمته ورعايته لكنيسة جنيف، وضع كلفن في كتابه "الترتيبات الكنيسة" Ordononaces Ecclsiastiques، هيكلية لادارة الكنيسة المحلية، تتضمن 4 مراكز خدمة: 1-القسوس. 2-المعلمون. 3-الشيوخ. 4-الشمامسة.
ووضع توصيف توصيف وظيفي لكل منهم، وهي كالتالي: 
1- خدمة القسوس: الكرازة بالانجيل باستقامة، واجراء سري المعمودية والعشاء الرباني بشكل صحيح. كما أنهم يتشاركون مع الشيوخ في مسؤولية ادارة الحياة الروحية في الكنيسة وحماية جماعة الايمان وتشجيع الناس على التوبة، ويشتركون في مسؤولية التأديب لأعضاء الكنيسة لمنع الاساءة الى الله.
2- خدمة المعلمين: تعليم الانجيل في المدارس.
3- خدمة الشمامسة: اظهار محبة الله داخل وخارج الكنيسة، من خلال العناية بالأرامل والمتألمين وزيارة المرضى، وجمع المساعدات المادية وتوزيعها على الفقراء والمحتاجين.
4- خدمة الشيوخ: قال كلفن عن دور الشيوخ: "أنا أعتقد أن الشيوخ المختارون من الشعب، قد أوكلوا على مسؤولية السهر والحفاظ على الحياة الروحية لكل عضو من أعضاء الكنيسة. ضبط الحياة الأخلاقية في الكنيسة. وممارسة التأديب الكنسي مع الراعي، لإرجاع الأعضاء الذين يضلون الى الايمان".
اعتقد كلفن أن هذه الخدمات الأربعة، هي متساوية في الأهمية. فليس هناك مركز خدمة أعلى من الآخر. لكن لكل منهم خدمة تختلف عن خدمة الآخر. وخلال دراسة كلفن لقول الرسول بولس "أما الشيوخ المدبّرون حسنًا، فليحسبوا أهلًا لكرامة مضاعفة، ولا سيما الذين يتعبون في الكلمة والتعليم" ( 1تيموثاوس 5: 17). قال كلفن، أن بولس يتحدث عن نوعين من الشيوخ: شيوخ يدبرون شؤون الكنيسة، وشيوخ يتعبون في الكلمة والتعليم. وقد اعتقد، أن الشيوخ الذين يتعبون في الكلمة والتعليم هم القسوس.
إن تعليم كلفن حول ادارة وخدمة الشيوخ المميزة في الكنيسة الانجيلية يعتبر من المساهمات الخلاّقة للاهوت المسيحي. 
"
ads
برأيك .. أفضل مسلسل خارج السباق الرمضاني؟

برأيك .. أفضل مسلسل خارج السباق الرمضاني؟