رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
عبد الرحيم علي

«سنوات المجد والدموع» يسجِّل ذكرياته

"دوبلير" في حياة يوسف بك وهبي

الخميس 06/أكتوبر/2016 - 12:37 ص
 يوسف بك وهبى
يوسف بك وهبى
طباعة
ما الذى يدفع طفلًا فى الثامنة من عمره، أبوه كبير مفتشى الرى فى أسيوط، إلى أن يصبح «مشخصاتيًا» كالذين شاهدهم فى فرقة «أبو سليم القرداحى» حين زار مدينته؟.
لم يذكر يوسف بك وهبى الإجابة فى مذكراته، كان يهرب منها كما هرب من أصوله وجذوره طوال مغامرة حياته، لكنها كانت واضحة فى بصماته التى تركها داخل المسرح، وعلى شاشات السينما، وحوَّلته إلى «مجنون بالفن وثائر على أسرته ومجتمعه ونفسه لتعصف به فى طريق طويل، طوله (ألف عام)».
ويصف «وهبى» أيامه قائلًا: «عشرات السنين عشتها بين مد وجزر، فى قصور فاخرة وغرف على الأسطح يشاركنى فيها الدجاج، رأسمال ضخم ورثته عن أبى وأضعته، ثم استرددته وأضعته.. دوامة لا تهدأ، فقر وغنى، شظف وترف، ظلام وأضواء، قامرت وربحت وخسرت وانتصرت وهزمت، ولكنى لم أسلم سلاحى، ولم أخضع للأقدار، وظل المسرح محبوبتى التى ذبت فيها عشقا منذ أن كنت فى السابعة من عمرى، وتضاعف هذا العشق على مر الأيام وتحول إلى وَلهٍ».
وتدوِّن راوية راشد، مذيعة «خلف الأسوار»، رحلة يوسف وهبى (مؤلفًا ومخرجًا وممثلا)، محطاته الثلاث التى تتقاطع مع السينما والمسرح، بعنوانٍ قريب إلى روح الرجل الذى اقترب ورأى.. «سنوات المجد والدموع».
سليم قرداحي
بالنسبة إلى الطفل يوسف وهبى، لم يكن وصول فرقة «سليم القرداحى» للمشخصاتية إلى المدينة برعاية والده، عبد الله باشا وهبى، حدثًا عابرًا إنما «انقلاب حياة». 
فى هذا اليوم، لم يكن يتصوَّر أنه سيعجب بالتمثيل إلى الحد الذى يكلفه شبابه وثروته وغضب عائلته، فاستسلم لمصيره، حتى إنه أصبح كالمجاذيب، والحواة، يتجوّل بين القرى ليعرضَ مشاهد من روايات شكسبير.. وكما جسَّد دور «عطيل»، صاحب البشرة السمراء، تقمّص روح «روميو». 
دعا والد «يوسف» فرقة المشخصاتية إلى غداء سريع، ما سمح للطفل أن يتبادل الحديث مع الفنان اللبنانى، سليم قرداحى، وأعضاء فرقته، لم ينبهر بهم الآن، ولم يكن يتخيّل إنهم سيتحولون – فى العرض المسرحى – إلى أشخاص آخرين يتحدّثون بلهجة مختلفة، ويرتدون ملابس أخرى، وأشكالهم تتغير، ويحملون أسماء غير أسمائهم.. هنا - فقط – انبهر. 
كان خياله الصغير يحاول أن يقيس المسافة بين الواقع والقصص.. الأرض والسماء.. وعرف أن هناك شيئًا فى العالم سيقع فى غرامه اسمه «التمثيل». 
هزم «يوسف» ليالى الشتاء الباردة بتقليد فرقة «قرداحى»، كان يغلق على نفسه باب الغرفة، يمسك بقطعة من الخشب، ويرتدى «روب» أمه، ويقفز من سرير إلى سرير، وهو يصرخ: «ديدمونة، أنا عدت». 
يسجّل إخوته فى شهاداتهم عليه أنّه كان يسرق رواية من روايات شقيقه «على» المقرَّرة عليه فى المدرسة ويحفظ مقاطع منها، ويردده بصوت خشن مقلِّدا أبطال فرقة «قرداحى». 
سخر منه أشقاؤه، إسماعيل وعباس ومحمود وعلى، بينما يقلِّد ويمثل وتفلت قدماه – خطوة خطوة – فى حب المسرح، كانوا منكبين على دروسهم فى المكتبة، التى كانت غرفة كبيرة توارى جدرانها الدواليب المكدّسة بالكتب. 
وحده «يوسف» لم يضعْ بين أحلامه السفر إلى الخارج لاستكمال تعليمه، كان ما يريده أبعد.. ليس إلى أمريكا وأوروبا، إنما إلى النجوم، لم يخطط للوصول إنما أراد أن يصبح واحدًا منها.. النجم يوسف بك وهبى. 
خيرزانة شيخ الكتّاب لم تمنعه من السير فى طريقه، ضرب والده له ليقلع عن «لعب العيال»، كل ذلك فشل فى تحويل رغبته التى كانت جرت فى عروقه وانتهى الأمر.. أن يكون «مشخصاتيًا». 
تهاني جولييت
يتوقف يوسف وهبى عند حكاية ابنة الجيران التى كانت تكبره بعامين والتى حاول إقناعها لتشاركه فى أداء دور جولييت، كانت تهانى (تاتي) اينة إسماعيل باشا فهمى جار والده، وكان عمرها اثنى عشر عاما، وكان ممنوعا على الفتيات فى سنها الخروج بعد عودتها من المدرسة فكانت تحدث يوسف عبر النافذة التى تطل من غرفتها على غرفته حتى أصبحا صديقين، وعندما وافقت على تمثيل دور جولييت كانت العقبة الوحيدة هى كيف تأتى إلى حديقتهم، ففكر يوسف بالاستعانة بأحد الصناديق الضخمة الموجودة خلف حديقة منزلهم، وظل يزيحه بكل قوته حتى وضعه أسفل شباك «تاتي» فاستطاعت أن تهبط عليه إلى الحديقة، وبدأ الفتى والفتاة فى أداء مشاهد رواية روميو وجولييت، وعندما بدأت فى تمثيل مشهد شرب السم أخذها يوسف فى أحضانه والدموع فى عينيه، وصاح: «جولييت حبيبتى حبيبتى»، وفى تلك اللحظة اشتعلت مشاعر تاتى وانقضت على يوسف تقبله فى فمه فى نفس اللحظة التى أتى فيها والده بصحبة ناظر العزبة، الأمر الذى وضع الأب فى موقف حرج أمام عائلة الفتاة التى استنكرت ما يفعله يوسف ببناتهم، وتمت معاقبة يوسف بالحبس فى غرفته ثلاثة أيام، أما تاتى فقد أغلق شباك حجرتها بمسامير وأخشاب من الداخل، وحرم يوسف من أول صديقة بادلته حب فن التشخيص. 
كان فى الثمانين يتذكر تاتى الفتاة الجميلة جارته، وترق دموعه وهو يصف ملامحها ورقة صوتها، وأول قبلة طبعتها على فمه، لكنه تناسى الصفعة التى تلقاها من والده كى يكف عن المسخرة وتقليد المشخصاتية. 
كاترينا
رغم ازدحام وقته بساعات العمل لم يتخلّ يوسف وهبى لحظة عن داء الشقاوة، حيث لم يخل فصل من مذكراته دون أن يفرد فيه وبكل جرأة حكاية أو أكثر من حكاياته المثيرة مع النساء، كان جريئًا ذا خيال واسع، خاصة فيما يتعلق بالمغامرات النسائية، وكان يحلو له بين كل فصل وآخر أن يحكى عن عشيقاته، خاصة السيدات الأجنبيات اللاتى صادفهن فى حياته ومنهن كاترينا، أول فتاة يلتقى بها فى ميلانو، وكان قد تعرف عليها فى أحد البارات وأوهمته أنها تعمل ككومبارس فى أحد المسارح، وعندما توطّدت علاقتهما انتقل للإقامة معها فى منزلها وعاش معها مغامرة عاطفية سعيدة، وكانت «كاترينا» بلطفها وظرفها تخفف عنه الكثير من معاناته فى الغربة، وتحد من اشتياقه لصديقته «كليوبى». 
لم يكن يوسف يعرف ما هى طبيعة عمل «كاترينا»، فقد كانت لا تأتى إلى المنزل إلا بعد الثالثة صباحا، بينما هو يعود بعد انتهاء عمله فى المسرح فى الثانية عشرة، لكنه كان يحتمل الساعات الثلاث حتى تعود فيقضى معها وقتا لطيفا قبل أن يناما، وفى أحد الأيام لم تعد كاترينا فى موعدها إلى البيت فتصور يوسف أن مكروها قد أصابها، وانتظر حتى الصباح فراح يسأل عنها كل معارفها فى المسرح أو البار حتى رأى شخصا من معارفها اسمه «بيتو»، فقال له إن كاترينا للإسف قبض عليها فى أحد بيوت الدعارة. لم يعرف ماذا يفعل أكانت كاترين تعمل هذا العمل البطال؟ وكيف لفتاة صغيرة تحمل هذا الوجه الملائكى أن تمارس الرذيلة؟.. كاد يوسف أن يجن كلما تصور نفسه وقد أحب فتاة ليل، لكنه فكر فى أن يقف إلى جانبها وألا يتخلى عنها. وفى المساء جمع يوسف بعض النقود التى كان يدخرها للدراسة وذهب إلى أحد المحامين مع «بيتسو» ودفعا له المبلغ المطلوب لإخراج كاترينا من حبسها. 
كانت كاترينا تعمل بهذه المهنة بعد أن أغلقت كل الأبواب فى وجهها، وبعدما قتل كل أهلها ودمرت قريتها التى تقع فى شمال إيطاليا، هربت مع من هرب إلى ميلانو لتعمل راقصة لكنها لم تجد مصدرا للرزق فى أى مكان، خاصة بعد أن أغلق الكثير من المسارح والصالات بسبب الحرب. طلب يوسف من كاترينا أن تتوقف عن العمل البطال على حد تعبيره على أن يجد لها عملا آخر فى أحد المسارح، فوافقت وشعرت أن يوسف يكن لها عاطفة تختلف تماما عن كل الرجال الذين عرفتهم.
فى أحد الأيام عندما عاد يوسف إلى البيت بعد سهرة ساخنة مع بيتسو وجد تزاحما حول البيت، وعندما صعد إلى الشقة شاهد بعض رجال الشرطة، وما إن عرفوا أنه يشاطر كاترينا المسكن حتى قبض عليه، وأشار أحد الضباط إليه وهو يصرخ: «أساسينو» أى قاتل، ثم قاده أحدهم إلى غرفة النوم حيث شاهد يوسف «كاترينا» غارقة فى دمائها. 
صرخت: «نو، نو». وحجبت عينى بكفى وصرخت: «كاترينا كاترينا». 
هكذا كان يصف يوسف وهبى المواقف الصعبة التى مرت بحياته فيضيف إليها تعبيراته الدرامية كأنه يكتب رواية من رواياته المليئة بالفواجع والأحداث غير المتوقعة. فهل دخل يوسف وهبى السجن متهمًا بقتل فتاة ليل؟ وهل حظه العاثر ساقه يومًا إلى حبل المشنقة؟ 
يقول «وهبي»: «لا أريد أن أسترسل فى سرد تفاصيل حياتى فى ميلانو فهى كثيرة بالطبع خرجت من السجن بعد أن شهد صديقى بيتسو أننى كنت بصحبته وقت وقوع الجريمة لكن تجربتى فى السجن عرفتنى الكثير عن خبايا المجتمع الإيطالى وقت الحرب، فقد كان هناك كثير من المهاجرين الذين تورطوا فى جرائم قتل ونهب بسبب الجوع والفقر. كانت الحياة أشبه بسجن كبير يختلط فيه الحابل بالنابل. لا فرق بين سيد وعبد، فالجميع فى مركب واحد على وشك الغرق بعد أن حطمت الحرب كل شىء فى أوروبا».
"
هل تؤيد فرض غرامة مالية على معلمي الدروس الخصوصية؟

هل تؤيد فرض غرامة مالية على معلمي الدروس الخصوصية؟