البوابة نيوز : من مكتبة الإسكندرية إلى كنيسة الموصل.. الإرهاب يغتال التراث الإنساني (طباعة)
من مكتبة الإسكندرية إلى كنيسة الموصل.. الإرهاب يغتال التراث الإنساني
آخر تحديث: الثلاثاء 29/07/2014 06:27 ص
من مكتبة الإسكندرية
إعداد: محمد حافظ ــ سميرة محمد
إشراف: سامح قاسم
لم ينج بشر ولا حجر في العديد من الأقطار العربية من شبح القتل والحرق والتدمير والانتقام الأسود الذي تمارسه الجماعات الإرهابية التي تتدثر بعباءة الإسلام والإسلام منهم بريء.
وعلى رأس تلك الجماعات والتنظيمات يأتي تنظيم "داعش" الذي قطع على نفسه عهد بالقضاء على الأخضر واليابس، بعد أن امتد عداؤهم إلى كل ما يرمز للحضارات المختلفة والإنسانية، فقاموا بإحراق كنيسة الموصل التي يعود بناؤها إلى أكثر من 1800 عام وهدموا الأضرحة التاريخية في المناطق الشيعية وطردوا وهجرو المسيحيين من الموصل وغيرها من المدن التي استولوا عليها.
أفعال داعش واستهدافها التراث الإنساني ليس الأول من نوعه في تاريخ الجماعات المتطرفة أو التاريخ بشكل عام ولكن رد الفعل الغربي والعالمي على ما تقوم به داعش من استهداف الآثار جاء مخيبا للآمال، على خلاف الضجة التي حدثت عندما تم هدم تماثيل بوذا في أفغانستان.
ما حدث في العراق وأفغانستان حدث كذلك في مالي وليبيا وسوريا ومازالت شاهدا قويا على سلوك التنظيمات الجهادية تجاه الآثار والتراث بكافة أشكاله، فالتيار الجهادي المعاصر دأب ومنذ 2001 في وضع الآثار على رأس قائمة خصومه.
وفي الوقت الذي نددت كل المنظمات الدولية بالقرار الذي اتخذته حركة طالبان لتدمير تماثيل بوذا باعتبار أنها "مخالفة للإسلام" بما في ذلك أكبر تمثالين لبوذا في العالم بوسط أفغانستان، ويعدان من أشهر كنوز أفغانستان الأثرية المعروفة، صمت العالم ومنظماته الدولية إزاء ما يحدث في العراق وسوريا وغيرهم من تدمير متعمد لآثارهم.

طالبان تدمر تماثيل بوذا بالديناميت لأنها حرام
ففي مارس عام 2001 قامت حركة طالبان الأفغانية بتدمير تماثيل بوذا في باميان أو كما تعرف باسم "بوذا باميان" باستخدام الديناميت بذريعة مخالفتها للشريعة الإسلامية؛ وهي نفس الحجة التي تعتمدها كل الحركات الجهادية في العالم لاستهداف الآثار والتراث المادي في المناطق التي تسيطر عليها، فهي الحجة التي نسف بموجبها تمثال أشوري عمره ثلاثة آلاف سنة الشهر في محافظة الرقة السورية على يد عناصر من تنظيم "داعش".
تنطلق كل التبريرات الفقهية والشرعية التي تتخذها المجاميع الجهادية لتدمير الآثار والتراث في العالم الإسلامي من فكرة واحدة وهي "محاربة الشرك وعبادة الأصنام" فكرة تقوم على أمر متخيل غير واقعي وغير منطقي في دول تقوم على أغلبية إسلامية من المستحيل أن تعود إلى "طور الوثنية".
ولا يمكننا أن ننسى حين دعا بعض عناصر السلفيين والإخوان عبر شاشات التلفاز إلى تحطيم تمثال أبوالهول والأهرامات وكل التماثيل في مصربزعم أنها أصنام وأوثان تعبد من دون الله!.

داعش تدمر مطرانية الموصل "1800 سنة" بعد مهلة إجلاء المسيحيين
جاء إحراق كنيسة الموصل، بعد انتهاء المهلة التي حددها تنظيم "داعش" للمسيحيين لمغادرة المدينة، وقاموا بحرق مبنى المطرانية الذي يبلغ عمره أكثر من 1800 سنة ويقع في منطقة الميدان.
لم يكن هذا الانتهاك الوحيد للآثار في العراق، فقد حطمت عناصر من تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام "داعش" الكثير من القبور الأثرية التي يمتد تاريخها لآلاف السنين، كما أحرقوا وأغلقوا كل الكنائس الكائنة في المدينة.
كذلك تناول بعض النشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع لإقدام تنظيم "داعش" على هدم قبري المؤرخ ابن الجزري، وابن الأثير صاحب كتاب "الكامل" بعد سقوط المدينة في قبضه التنظيم.
وقام التنظيم بحملة ممنهجة لتدمير الآثار الموجودة في مدينة الموصل، الدينية والفنية، حيث التقطت كاميرات المصورين فيديو لمسلحي داعش في العراق، وهم يقومون بتحطيم تماثيل لرموز دينية وثقافية عراقية مرموقة في مدينة الموصل، وتظهر اللقطات ثلاثة تماثيل ملقاة على ظهر شاحنة، بعد تحطيمها ورفعها على السيارة.
ويعود أحد التماثيل إلى عثمان الموصلي، وهو عازف وملحن عراقي مشهور، ويعود تمثال آخر إلى شاعر العصر العباسي العراقي المشهور أبو تمام، كما قام التنظيم بإزالة مرقدًا دينيًا سنيًا، غربي مدينة الموصل يعود للشيخ فتحي بن سعيد.
وفي الموصل العراقية أقدمت عناصر الدولة الإسلامية في العراق والشام "داعش" على تدمير وحرق 11 كنيسة ودير من أصل 35 موجودة في عموم المدينة التاريخية، ودمروا قبر نبي الله يونس ثم مقام نبي الله شيت وهم من الأنبياء المذكورين لدى المسلمين والمسيحيين على حد سواء.
واحترقت في العراق وبالتحديد في الموصل، مكتبة الكاتدرائية وهي أهم معلم حضاري حيث اقتحمها بعض الوهابيين المتعصبين وأضرموا النيران فيها وأحالوها بمخطوطاتها النادرة إلى ركام.
وقالت مديرة اليونيسكو، ايرينا بوكوفا، إن أعمال العنف في العراق يعرض تراثه الثقافي للخطر، وتدميره يعتبر "جريمة حرب"، داعية جميع الأطراف الفاعلة إلى تجنب أي شكل من أشكال تدمير التراث الثقافي، ولاسيما المواقع الدينية.

متحف الفن الإسلامي والمجمع العلمي يتأثران بالإرهاب
يد الإرهاب امتدت أيضًا لتطال متحف الفن الإسلامي، الذي لحق به الدمار إثر انفجار سيارة ملغومة بالقرب من المتحف، وقد تسبب التفجير الذي استهدف مديرية أمن القاهرة في أضرار بالمتحف الإسلامي القريب من منطقة الحادث.
وتأثرت جدران ومقتنيات المتحف بشدة نتيجة للتفجير وتحطم معظم ديكورات المتحف الداخلية وتساقط الأسقف وتهشم الزجاج الخارجي للمبنى الأثري وتهشم كامل لفاترينات عرض المقتنيات الأثرية، ونتج عنه تهشم للعديد من المقتنيات من بينها المحراب الخشبي النادر لمسجد السيدة رقية الذي تحطم بالكامل.
 وأكد وزير الآثار أن المتحف "دمر بالكامل ويحتاج إلى إعادة بناء من جديد".
كذلك أتت النيران على محتوىات المجمع العلمي المصري، الذي يعد أحد أقدم المؤسسات العلمية في القاهرة والذي أنشأته الحملة الفرنسية عام 1798 بقرار من قائدها نابليون بونابرت.
واشتعلت النيران مساء الجمعة 16 ديسمبر 2011 في المبنى الأثري الذي يقع في نهاية قصر العيني ويطل على ميدان التحرير.
ويضم المجمع العلمي عشرات الألوف من الكتب والمخطوطات والوثائق النادرة. وقد أدى الحريق إلى تدمير 200 ألف كتاب نادر أهمها كتاب وصف مصر.
يُذكر أن المجمع يتكون من عدة شعب، وهي الرياضيات والفيزياء والطب والزراعة والتاريخ، وفى عام 1918 أصبح مهتمًا بالآداب والفنون الجميلة وعلم الآثار، والعلوم الفلسفية أيضا.
 كما يصدر مجلة سنوية ومطبوعات خاصة.

الجيش السوري الحر يدمر الكنائس ويستنسخ تجربة داعش
إلى جانب ما يخلفه استهداف الآثار من خسارة رمزية ومادية، فإن الجانب الموجه منه نحو الأقليات موجب للقضاء على التنوع الديني والطائفي والذي كان يشكل مصدر ثراء للمنطقة العربية سابقا، فقد تحولت كنائس سورية مثلا في الفترة الأخيرة إلى مقرات عسكرية وشرعية للتنظيمات الجهادية المقاتلة هناك، ككنيستي البشارة والشهداء في محافظة الرقة وغيرهما.

فمعظم الكنائس السورية الواقعة في المناطق الخاضعة لسيطرة الإسلاميين تعرضت للتخريب والاحتلال، وبالتالي مُنعت إقامة الشعائر الدينية فيها، كما تم تدمير عدد من الكنائس بشكل كامل بعد أن تمركزت العناصر الإسلامية المتطرفة فيها رغم أن الكثير من كنائس وأديرة سوريا تعود إلى القرون المسيحية الأولى، وأهمها كاتدرائية "مار سمعان العامودي" الواقعة على بعد نحو 40 كيلومترا من حلب والتي يعود تاريخها إلى القرن الرابع ميلادي، وهي من أجمل وأكبر الكنائس في العالم حيث تبلغ مساحتها 5000 متر مربع.

وقد أدرجت الكاتدرائية والقرية المحيطة بها على لائحة اليونسكو للتراث العالمي في عام 2011، ولكنها تعرضت منذ فترة إلى التخريب.
وكان د. أسامة النحاس نائب رئيس المجلس الدولي للمتاحف، والمقرر السابق للجنة التراث بالإيسيسكو، قد أكد في تصريحات صحفية أن سوريا تحولت إلى عراق جديد، لأنها حاليا تعدت مرحلة تدمير البشر إلى مرحلة تدمير التراث، وقال في تصريحات صحفية إن هذا يتم من قبل القوات الحكومية السورية التي قامت بضرب "مدينة تدمر" الأثرية الأمر الذي يعكس عدم الاهتمام بالتراث، الذي هو مادة التاريخ، وكأن النظام يدمر التاريخ.
التدمير كما يؤكد النحاس ليس هو الشكل الوحيد الذي تعاني منه آثار وتراث سوريا، فقد انتشرت سرقة الآثار، بجانب الحفر خلسة كما يحدث في مصر، قائلًا: يبدو أن الأمر منظمًا للقضاء على تاريخ المنطقة العربية والشرق الأوسط، فهذا يحدث أيضًا في مصر ولبنان، وغيرهما من البلدان، فالهجمة تستهدف تدمير تاريخ هذه الدول، والدليل أن إسرائيل حين كانت محتلة سيناء المصرية دمرت مواقع أثرية بالكامل، لكن في سوريا الأمر مختلف فهم يدمرون تراثهم بأيديهم!
سوريا كذلك زاخرة بمساجد ومعابد أثرية كثيرة، فقد مرت بأحداث عظام ومر عليها كثير من العصور، ومنها عقد الحيثيون أول اتفاقية سلام في التاريخ، مع رمسيس الثاني، الذي تزوج ابنة ملك الحويثيين.

الجيش الحر يدمر الجامع الأموي وقلعة الحصن بسبب التدريبات بها
والكارثة أنه يتم استخدام العديد من المواقع الأثرية كمواقع للتدريب القتالي، وتقع العديد من البنايات المدرجة بلائحة اليونيسكو كتراث عالمي بيد المقاتلين وهو ما أدى لدمار شامل بقلعة "الحصن التاريخية" التي تعرضت لقصف الجيش السوري إلى جانب "الجامع الأموي" التي دمرت أجزاء هامة منه والسوق القديم بحلب الذي يعود للقرن السادس عشر.وطال الحرق والتهشيم العديد من المتاحف السورية.
لم تسلم المساجد العتيقة من نيران مدفعية الأسد، واقتتال الجيشين الحر والنظامي، فشهدنا حرائق هائلة تنشب بجدران المسجدين الأموي والعمري، وهما من أقدم المساجد بالشرق الأوسط وأجملها عمارة، وقد أدرجتهما منظمة اليونيسكو ضمن لائحة التراث العالمي.

"جَامِعُ حَلَب الكَبير" أو "الجامع الأموي" في حلب أو جامع "بني أمية الكبير" في حلب؛ هو أكبر وأحد أقدم المساجد في مدينة حلب السورية، حيث يقع المسجد في حي الجلوم في المدينة القديمة من حلب، التي أدرجت على قائمة مواقع التراث العالمي عام 1986، حيث أصبح الجامع جزءًا من التراث العالمي، وهو يقع بالقرب من سوق المدينة. كما يُعرف الجامع أيضًا بوجود ما بقي من جسد النبي زكريا.

تأثر الجامع بالمعارك الدائرة في حلب خلال الحرب الأهلية السورية سنة 2013 وتعرضت مكتبته التاريخية للحرق نتيجة للمعارك الدائرة حول محيطه. كما انهارت مئذنته التاريخية في 24 إبريل 2013 وسط اتهامات بين المعارضة والنظام.

ويعد المسجد الأموي من بين أجمل المساجد في العالم الإسلامي، كما أنه مدرج على قائمة التراث العالمي التابعة لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم "اليونسكو".

فالحرب الدائرة منذ ثلاث سنوات وأكثر في سوريا، حولت الأماكن الأثرية والمباني التاريخية المدرجة على قوائم اليونسكو للتراث العالمي إلى أنقاض، وقضت الحرب على كل شيء في سوريا.
فهناك أماكن تاريخية يعود تاريخها إلى 5 آلاف سنة، وقضت الحرب عليها منها المسجد الأموي في حلب، وباب أنطاكية، والمسجد العمري في درعا، والسوق القديم في حلب، والمستشفي الكندي، وشارع مدينة حمص التي كانت تتوسطه منارة قديمة تم قصفها هي الأخرى، وتعد هذه المواقع الست التاريخية التي أدرجت في الأمم المتحدة لأنهم يرمزون إلى ألفي عاما على الأقل من عمر التاريخ.
ولم تسلم قلعة الحصن التاريخية التي تعد أهم قلاع العصور الوسطي في العالم، من القصف وتعرضت لقصف المروحيات والمدفعية لتقف هذه القلعة المشيدة على قمة تل في حالة دمار جزئي.

وتتمتع القلعة بموقع إستراتيجي مهم، إذ تشرف على الممر الوحيد الذي يربط الداخل السوري بساحل البحر المتوسط كما تشرف على المدخل المؤدي إلى سهل البقاع اللبناني.
كتبت على الدير الصليبي الفخم داخل القلعة نقوش باللغة اللاتينية وهي "نعم الله والحكمة والجمال الذي يمكن أن تستمتع به، لكن احذر الشعور بالفخر فإنه وحده يمكنه أن يشوه الباقي".

وكانت هذه القلعة مقرا رئيسيا وترسانة ومركز إمداد للقائد الإسلامي الكبير صلاح الدين الأيوبي في معاركه ضد الصليبيين وآخرين. ويعود تاريخ معظم الأبراج الدفاعية الاثني عشر في القلعة والباحة الداخلية الواسعة إلى القرن الثاني عشر.

أنصار الدين الجهادية تحرق 300 ألف مخطوط بتمبكتو 
كذلك لم تسلم "تمبكتو" - المصنفة ضمن التراث العالمي للبشرية من قبل منظمة اليونسكو – من معاول الجهاديين، ففي يونيو 2012 قامت حركة أنصار الدين الجهادية باضرام النار في مكتبة مخطوطات قديمة في المدينة أثناء فرارهم منها قبل دخول القوات الفرنسية والمالية، ويوجد في تمبوكتو نحو 300.000 مخطوط محفوظا البعض منها يعود إلى مابين القرنين 13 و16 للميلاد ألفها علماء من المدينة ومن مدن أخرى أو تمت مقايضتها في أسواق شمال أفريقيا وبلاد الأندلس والبلدان الواقعة في الشرق، وتشهد هذه المخطوطات على حضارة عريقة تحتوي على دراسات دينية ورياضيات والطب وعلوم الفلك والموسيقي والأدب والشعر والهندسة المعمارية.

أشقياء التتار يحرقون مكتبة بغداد بإلقاء ملايين الكتب في دجلة 
لم يكن ما يمر ببغداد الآن على يد داعش هو أول تجربة في هذا الصدد بل سبقه قيام التتار إثر غزو العراق بحرق مكتبة بغداد في واقعة تاريخية شهيرة فبينما كان فريق من التتار يعمل على قتل المسلمين وسفك الدماء اتجه فريق آخر من التتار لعمل إجرامي آخر، بعد أن أكل الحقد قلوبهم على كل ما هو حضاري في بلاد المسلمين وشعروا بالفجوة الحضارية الهائلة بينهم وبين المسلمين؛ فاتجه فريق من أشقياء التتار لعمل إجرامي بشع، وهو تدمير وإحراق مكتبة بغداد العظيمة وهي أعظم مكتبة على وجه الأرض في ذلك الزمن وهي الدار التي كانت تحوي عصارة فكر المسلمين في أكثر من ستمائة عام.. جمعت فيها كل العلوم والآداب والفنون.. من علوم شرعية كتفسير القرآن والحديث والفقه والعقيدة والأخلاق، ومن علوم حياتية كالطب والفلك والهندسة والكيمياء والفيزياء والجغرافيا وعلوم الأرض، ومن علوم إنسانية كالسياسة والاقتصاد والاجتماع والأدب والتاريخ والفلسفة وغير ذلك.. هذا كله إضافة إلى ملايين الأبيات من الشعر، وعشرات الآلاف من القصص والنثر.. فإن أضفت إلى كل ما سبق الترجمات المختلفة لكل العلوم، الأجنبية سواء اليونانية أو الفارسية أو الهندية أو غير ذلك علمت أنك تتحدث عن معجزة حقيقية من معجزات ذلك الزمان.
فمكتبة بغداد هي أعظم دور العلم في الأرض - بلا أدنى مبالغة - قرابة خمسة قرون متتالية، أسسها الخليفة العباسي المسلم هارون الرشيد –رحمه الله- والذي حكم الدولة الإسلامية من سنة 170هـ إلى سنة 193 هـ، ثم ازدهرت المكتبة جدًا في عهد المأمون خليفة المسلمين من سنة 198 هجرية إلى سنة 218 هجرية.. وما زال الخلفاء العباسيون بعدهم يضيفون إلى المكتبة الكتب والنفائس حتى صارت دارًا للعلم لا يُتخيل كمّ العلم بداخلها تضم ملايين الكتب في مكتبة واحدة في زمان ليس فيه طباعة!!
كانت مكتبة بغداد تشتمل على عدد ضخم من الحجرات، وقد خصصت كل مجموعة من الحجرات لكل مادة من مواد العلم، فهناك حجرات معينة لكتب الفقه، وحجرات أخرى لكتب الطب، وهناك حجرات ثالثة لكتب الكيمياء ورابعة للبحوث السياسية وهكذا.
وكان في المكتبة المئات من الموظفين الذين يقومون على رعايتها، ويواظبون على استمرار تجديدها.. وكان هناك "النساخون" الذين ينسخون من كل كتاب أكثر من نسخة، وكان هناك "المناولون" الذين يناولون الناس الكتب من أماكنها المرتفعة، وكان هناك "المترجمون" الذين يترجمون الكتب الأجنبية، وكان هناك "الباحثون" الذين يبحثون لك عن نقطة معينة من نقاط العلم في هذه المكتبة الهائلة!
وكانت هناك غرف خاصة للمطالعة، وغرف خاصة للمدارسة وحلقات النقاش والندوات العلمية، وغرف خاصة للترفيه والأكل والشرب، بل وكانت هناك غرف للإقامة لطلاب العلم الذين جاءوا من مسافات بعيدة!
وقد كان المأمون يشترط على ملك الروم في معاهداته معه بعد انتصارات المأمون المشهورة عليه أن يسمح للمترجمين المسلمين بترجمة الكتب التي في مكتبة القسطنطينية.. وكان لخلفاء بني العباس موظفون يجوبون الأرض بحثًا عن الكتب العلمية بأي لغة لتترجم وتوضع في مكتبة بغداد بعد أن يتولاها علماء المسلمين المتخصصون بالنقد والتحليل حيث ترجمت في مكتبة بغداد الكتب المكتوبة باللغات اليونانية والسريانية والهندية والسنسكريتية والفارسية واللاتينية وغيرها وقد دمر التتار المكتبة بحمل ملايين الكتب الثمينة وفي بساطة شديدة -لا تخلو من حماقة وغباء- ألقوا بها جميعًا في نهر دجلة ولقد كان الظن أن يحمل التتار هذه الكتب القيمة إلى "قراقورم" عاصمة المغول ليستفيدوا- وهم لا يزالون في مرحلة الطفولة الحضارية - من هذا العلم النفيس.. لكن التتار أمة همجية.. لا تقرأ ولا تريد أن تتعلم.. يعيشون للشهوات والملذات فقط وألقى التتار بمجهود القرون الماضية في نهر دجلة.. حتى تحول لون مياه نهر دجلة إلى اللون الأسود من أثر مداد الكتب.. وحتى قيل أن الفارس التتري كان يعبر فوق المجلدات الضخمة من ضفة إلى ضفة أخرى وهذه جريمة ليست في حق المسلمين فقط.. بل في حق الإنسانية كلها.
وبعد أن فرغ التتار من تدمير وإحراق مكتبة بغداد انتقلوا إلى الديار الجميلة، وإلى المباني الأنيقة فتناولوا جلها بالتدمير والحرق.. وسرقوا المحتوىات الثمينة فيها، أما ما عجزوا عن حمله من المسروقات فقد أحرقوه وظلوا كذلك حتى تحولت معظم ديار المدينة إلى ركام، وإلى خراب تتصاعد منه ألسنة النار والدخان.

حريق مكتبة الإسكندرية يلتهم 700 ألف مجلد
من ضمن الآثار والأماكن المهمة التي احترقت، كانت مكتبة الإسكندرية التي أنشئت في عهد بطليموس الأول، والتي كانت منارة عالمية للعلم والمعرفة على مدى قرون، بفترة عز وازدهار، إلا أنه لسوء حظ المكتبة، وسوء حظ تراث البشرية، أن عامة الأحوال تدهور في مصر زمن بطليموس السادس والسابع والثامن، وخيم الإهمال على المكتبة، وفى سنة 145 ق.م، اضطر أرستاخوس إلى الرحيل عن الإسكندرية، وذهب إلى جزيرة قبرص، حيث بعد تلك السنة بسنوات قلائل.
وظلت أحوال المكتبة تتأرجح بين صعود وهبوط.
حسبما تقتضيه أحوال البلاد السياسية، وظلت على ذلك قرابة قرن من الزمن، حتى عام 48 ق.م، وهو العام الذي التهمتها فيه النيران التي أشعلها "يوليوس قيصر".

فبعد احتلال "يوليوس قيصر" للإسكندرية عام 48 ق.م، واجهته ثورة انتصارًا لبطليموس الثالث عشر، ولما كان محاصرًا في حي البروكيوم، لم يجد أمامه إلا حرق الأسطول المحاصر، فامتدت ألسنة اللهب إلى دار صناعة السفن، وما جاورها من المباني، وانهزم العاهل البلطمي وأعاد قيصر كليوباترا إلى الحكم.
وقد ذكر المؤرخ "بلوتارخ" أن المكتبة كانت ضمن هذه المباني، وبهذه الفعلة الشنيعة، ضاعت ذخائر لا يمكن تعويضها بأموال العالم جميعها.
وقد أغفل المؤرخون الرومان ذكر هذه الحقيقة عن عمد. فها هو "استرابون" وقد زار الإسكندرية في عهد "أغسطس" لا يذكر شيئًا ما عنها وعن احتراقها، يقال إنه سكت عن ذلك عمدا، تلبية لرغبة الوالي الروماني "اليوس جالوس"، وكل ما ذكره المؤرخ "ديودور الصقلي"، أنه اطلع على نشرات كانت تصدر في البلاط الملكي، استقى منها بعض معلوماته التاريخية، ولم يشر قط إلى "مكتبة" استمد منها معلوماته.
ولم يذكر حقيقة حرق المكتبة إلا الفيلسوف "سنيكا" بعد ذلك بمائة عام تقريبا. ويقال إن رصيد هذه المكتبة كان قد بلغ من خمسمائة إلى سبعمائة ألف من المجلدات عند إحراقها، ويقول "بلوتارخ" إن ما التهمته النيران في ذلك الحادث بلغ أربعمائة ألف من المجلدات.
ولما علمت كليوباترا بكارثة المكتبة، امتلأت نفسها بالحسرة والألم؛ لاعتزازها بها اعتزازا عميقا، مما دفع بالقائد الروماني "مارك أنطونيو" الذي خلف قيصر أن يعوض مصر عن هذه الخسارة العلمية، فأهدى كليوباترا عام 40 ق.م ما يقرب من مائتي ألف من المجلدات كما يقول المؤرخ "بلوتارخ". كان أنطونيو قد استولى عليها من مكتبات ملوك برجامون، وقد أودعت هذه المجلدات في معبد القيصرون، وكان يتردد عليه بعض العلماء من أشهرهم "استرابون".

وفى عام 296 م، أمر الإمبراطور الروماني "دقلديانوس" بحرق كتب الكيمياء بالإسكندرية، لاستخدام بعض الإغريق في الإسكندرية الكيمياء في تزييف العملة. ويذكر لنا المؤرخون أن معبد القيصرون ومكتبته قد دُمرا في أثناء الحوادث التي وقعت عام 366 م بسبب الثورات الدينية، وهُدم معبد القيصرون وضاعت مكتبته.

أما مكتبة السرابيوم، هي المكتبة الصغرى، فقد انتقلت بعض كتبها إلى القسطنطينية، وكانت هذه المكتبة في حجرات متصلة ببناء المعبد الذي أحرق بسبب الصراع العنيد بين الوثنية وبين المسيحية.
وفى عام 389 م شب حريق في المعبد، وأكلت النار ما تبقى من الكتب في المكتبة، وبلغ هذا الصراع بين الوثنية والمسيحية ذروته في عهد "ثيودوسيوس" عام 391 م على يد المسيحيين بقيادة الأسقف "نيوفيلوس"؛ لأن هذا المعبد وهو معبد السرابيوم، كان من أكبر معاقل الوثنية لمحاربة النصارى، قام نيوفيلوس بهدم هذا المعبد، وبذلك لم يتبق من مكتبة الإسكندرية شيء، بل ضاع كيانها الأصلي، ولم يعد لمكتبة السرابيوم وجود بعد عام 391 م. ويقول "أروزيس" الكاتب المسيحي: إن مظهر رفوفها الفارغة، كان لا يزال بعد ذلك بعشرين عاما مما يثير شجون العلماء.