البوابة نيوز : لو كان لي أسنان في الأسفل! (طباعة)
لو كان لي أسنان في الأسفل!
آخر تحديث: الإثنين 23/11/2020 02:16 ص
ألفة السلامي ألفة السلامي
25 نوفمبر اليوم الدولي للقضاء على العنف ضد المرأة يحل هذا العام وسط تزايد الأرقام الصادمة عن جرائم التحرش وهتك العرض والاغتصاب التي هزت الرأي العام المصري خلال عام مضى. ربما الظاهرة ليست جديدة ويمكن تفسير هذا الارتفاع في عدد الجرائم بأنه مثل النفايات عندما تطفو على السطح ويعود إلى الخروج عن الصمت الذي كانت النساء المعنفات يضطررن إليه للابتعاد عن الفضيحة التي تلطخهن كما تلاحقهن وصمة العار للأبد! 
ولعل الصادم أكثر أن تلك القضايا كشفت تورط رب الأسرة في الجريمة، فيتحول الأب الذي يُفترض أن يوفر الحماية والرعاية الحسنة لأبنائه إلى مجرم مغتصب لفلذات كبده. 
ومن واقع عناوين الصحف خلال الشهور الماضية نلاحظ عددا من هذه القضايا التي هزت الرأي العام وتُضاف للسجلات الصادمة للعنف ضد الفتيات. فهذا أب بل ذئب بشري يغتصب ابنته في منطقة منشأة القناطر؛ ليس ذلك فحسب بل تصبح الفتاة ضحية أيضا لاغتصاب مزدوج من شقيقها وينتج عن هذا الاغتصاب إنجاب طفل وتنكشف الجريمة عند إلقاء القبض على الأب أثناء محاولة التخلص من الرضيع! وهذا مجرم آخر من قنا بصعيد مصر متهم باغتصاب ابنته الطفلة ذات الـ 12 عامًا... وتلك جريمة بشعة أخرى شهدتها مدينة سرس الليان بمحافظة المنوفية عندما اغتصب أب ابنته بشكل متكرر وكان يهددها بالقتل أو الطرد من المنزل في الشارع في حالة رفضها.. ثم ذلك المجرم الذي دفن أطفاله الأربعة أحياء بعدما أنجبهم من ابنته القاصر!! 
تلك الجرائم هي حوادث غير عادية هزت المشاعر والضمائر، وربما لهذا السبب سمعنا عنها. لكن هناك بالتأكيد جرائم عنف يومية أصبحت كالخبز بالنسبة للعديد من النساء، من دون أن نعلم عنها شيئا، تتم في كنف الصمت المطبق ودون صخب، تتلقاها أجساد النساء فتشوه نفسياتهن وتؤثر على عقولهن وعلاقاتهن وحياتهن للأبد. 
والحقيقة أن ظاهرة العنف ضد المرأة ليست قاصرة على مجتمع دون آخر كما أنها ليست مرتبطة بتحضر أو تخلف أي مجتمع؛ وحتى تلك المجتمعات التي يُطلق عليها متقدمة مازال جبينها ملطخا بالعار من جراء الاغتصاب والتحرش ضد النساء بل ومن أفراد الأسرة الذكور أيضا. 
وهناك حقيقة أخرى وهي أن المجتمعات بصفة عامة، والمجتمع المصري بصفة خاصة، باتت تتقبل موضوع الحديث عن العنف ضد المرأة بشكل أفضل. كما أن وسائل الإعلام تطرح هذه القضايا الخطيرة وتناقشها بأكثر سهولة، وكذلك تناقش الأفلام والمسلسلات الاجتماعية والمؤتمرات هذه المشكلة في محاولة لبث الوعي بشأنها واقتراح حلول كفيلة بعلاجها. ولم تعد الحكومات تدفن رأسها في الرمال كالنعامة كما كانت تفعل في السابق متجاهلة هذه الجرائم، بل أصبحت تتبنى حزمة من السياسات العامة تتضمن توفير وسائل الإبلاغ عن هذه الأشكال من العنف تمهيدا للتصدي لها، من ذلك الخط الساخن التابع للمجلس القومي للمرأة، بالإضافة إلى إنشاء منصة مؤخرا تحت عنوان "شكوتِك" وهي مبادرة مشتركة بين المجلس ووزارة الدولة للإعلام لحصر شكاوى العنف ضد المرأة المصرية من خلال إرسال الشكاوى على البريد الإلكتروني:
shakwtek@smoinfo.gov.eg 
أو على رقم الواتساب ( 01555558756)، مما يعكس إرادة جادة للتصدي للمشكلة. 
ونظرا لأهمية قضية العنف ضد المرأة وفداحة آثارها، أعلنت الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 25 نوفمبر يوما دوليا للقضاء على العنف ضد المرأة بهدف زيادة الوعي العام بهذه المشكلة في شتى أنحاء العالم. وكما أشرت في البداية، فهذه القضايا قديمة وموجودة في مصر وغيرها من الدول، ولا دليل على أنها زادت أو قلت لكن تكرار اكتشافها وتحويلها للقضاء والحديث عنها في وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي يعكس جانبا مهما يتعلق بالجرأة والشجاعة التي زادت بفضل وجود وعي متنامي لمقاومة هذه الجرائم ومواجهتها بقوة بهدف عدم تكرارها.
ورغم هذا التزايد الواضح في الوعي بطبيعة هذه الجرائم واعتراف العالم بأن العنف ضد النساء والفتيات يدمر صحتهن الجسدية والنفسية وعقبة خطيرة أمام تحقيق التنمية المستدامة، لكن لا يزال هناك الكثير الذي يمكن فعله من أجل تحويل هذا الوعي المتزايد إلى إجراءات مجدية تفيد في الوقاية والحماية من هذا العنف والتصدي له. 
وفي هذه المناسبة، أتذكر قضية مشابهة- قمت بتغطيتها عندما كنت محررة للحوادث في بداية حياتي المهنية- هزت مصر في أواخر الثمانينات. كانت جريمة صادمة تمثلت في اعتداء زوج الأم في إحدى قرى الصعيد على بنات زوجته الثلاث وهن أيضا بنات أخيه المتوفي حيث تزوج أرملة أخيه بعد وفاة شقيقه الذي مات في العراق خلال حربها مع إيران. 
بدأ ذلك "الوحش" بالتحرش بأصغرهن، وهي في التاسعة من عمرها، ثم انتقل إلى اغتصابها وأختيها مرارا وتكرارا. وتجرأت الطفلة الصغيرة على تهديده بفضحه لكنه أخافها بأنه سيؤذي والدتها وأختيها فأصبحت مرعوبة منه، وتمسكت بهذا السر الذي يعذبها حتى بلغت الثالثة عشرة من عمرها. وأخبرتها الجدة، وهي على فراش الموت، أنها تعرف السر الذي كانت تحتفظ به ولعل ذلك كان بمثابة "صحوة الضمير" التي انتابت جدتها عندما اقترب الأجل! 
بعد وفاة الجدة، تشجعت لإخبار أمها بالاعتداء المتكرر الذي تتعرض له. لكنه نجح في إقناعها بأن الأشياء التي فعلها بالطفلة الصغيرة كانت خطأها! 
وكانت النتيجة أن نالها المزيد من العقاب حتى كادت تفقد حياتها خلال ضربها المبرح الذي كان ينوي به قتلها والتخلص منها للأبد وسبب لها عاهة مستديمة في عينها وأذنها. وقامت الشرطة بحمايتها وتحفظت عليه وتمت محاكمته ونال عقابا مخففا حيث قضى سبع سنوات في السجن لا يمكن أن تشفي غليل حتى "قطة" تعرضت لمثل ما تعرضت له تلك الطفلة وشقيقتاها من اعتداء مروع واغتيال لطفولتهن. وستظل الفتاة تصارع أزمتها مدى حياتها بسبب تلك الصدمات المبكرة. ولا يمكن أن أنسى تلك العبارة التي نطقت بها ببراءة وتلقائية عندما التقيت بها أثناء تلقيها العلاج في أحد المستشفيات: "لو كان لي أسنان في الأسفل لانتقمت منه!" 
آمل أن تجد هذه الطفلة وغيرها من الضحايا بعض الراحة بعد أن كبرن وعرفن أنهن لسن وحيدات في معاناتهن، وأن ما يقترفه المجرمون لم يعد يمر بلا حساب أو عقاب يناسب تلك الجريمة المروعة بعد تشديد العقوبات مؤخرا في مثل هذه الجرائم.
قلبي يخاطب كل الأطفال الذين يعانون والمجتمع بأسره ومتخذي القرار الذين يتبنون سياسات لحماية الأطفال والنساء بشكل أفضل: لا صمت بعد اليوم.. حتى لا نرى مستقبلا به صوت عال لمن يلومون الضحية ويخرسون صوت الحقيقة حتى لو كانوا شيوخا متمسحين بالأخلاق والفضيلة!
إذا عرفنا النسبة المئوية الحقيقية للنساء اللاتي اضطررن بالفعل إلى التعايش مع الاعتداء الجنسي في مرحلة ما، فإن الأرقام ستذهلنا: هناك واﺣدة ﻣﻦ كل ﺛﻼث ﻧﺴﺎء وﻓﺘﻴﺎت تتعرض للعنف اﻟﺠﺴدي أو اﻟﺠﻨﺴﻲ خلال ﺣﻴﺎﺗﻬا، ويكون الفاعل ﻓﻲ ﻣﻌﻈﻢ اﻷﺣﻴﺎن هو الزوج أو أحد أفراد الأسرة وللأسف لا يتم الإبلاغ عن تلك الجرائم.. لأن الآخرين لا يريدون سماع ذلك! 
أما اليوم، وبعد كل هذه الجهود في تغيير القوانين والتوعية بمشكلة العنف ضد المرأة وتشديد العقوبة على المتسببين في هذا الاغتيال لإنسانية النساء وللطفولة البريئة، يستحق هؤلاء المجرمين حياة مليئة بالمعاناة. لا مجال بعد اليوم لوحوش "الأنا الهشة" إلى إضفاء مزيد من النفوذ على "الكائن الخاضع" بحيث تظل المرأة ضحية للعنف الذكوري بلا ثمن. 
آن الأوان للمجتمع ومؤسساته وقوانينه وثقافته أن يتعلَم ويُعلم الرجال أن قوتهم تكمن في ألا يجعلوا أي امرأة تبكي أبدًا وتتألم بسبب ما يسببوه لها من عنف.. مجتمع يتمتع بقدر أكبر من التمكين بحيث يتفوق "التعاون" على "المنافسة" و"التكامل" على "الاستغلال"! 
olfa@aucegypt.edu