البوابة نيوز : ديدرو.. المتشكك وتأويل الطبيعة (طباعة)
ديدرو.. المتشكك وتأويل الطبيعة
آخر تحديث: الإثنين 05/10/2020 07:11 م محمود عبدالله تهامي
ديدرو.. المتشكك وتأويل
في كتابه "خطاب العميان" ناقش الفيلسوف الفرنسي دنيس ديدرو مذهبه التجريبي، الذي يقدم من خلاله صورة عن تحصيل العلوم من طريق الحواس، طارحا عدة شكوك كبيرة حول تلك القضايا المثالية والكبرى التي ورثها العقل البشري من تراث للحضارات القديمة.
ديدرو، الذي تحل ذكرى ميلاده اليوم الاثنين، استغل تلك القصة التي يرويها في كتابه ليبرز منهجه وأفكاره بصورة بسيطة وواضحة، فهو يفترض أنه قام بزيارة لفلاح قروي ضرير، يعتمد على تواصله مع الحياة من خلال حواسة وخاصة حاسة اللمس.
وانشغل ديدرو دائما بعدة مواجهات فكرية خاضها، وتتضح اهتماماته وقضاياه تلك من عناوين كتبه، فقضية اعتماد الحواس بديلا عن الفلسفة العقلية تظهر من "خطاب العميان" وكتاب "رسائل عن الصم والبكم"، وهي تشير بصورة كبيرة لتقوية وتغذية بعض الحواس على حساب أخرى مفقودة، كتقوية اللمس والشم والسمع لفقد حاسة البصر، وقضية الدين والهجوم على الميتافيزيقية يظهر من خلال كتاب باسم "جولة المتشكك" وكتاب "الراهبة"، وكتاب "تأويل الطبيعة". 
يمكن للإنسان- وفق تصورات ديدرو- أن يطرح معتقداته القديمة وأفكاره العقلانية التي ورثها من الفلسفات القديمة والتي تستند بصورة كبيرة على التأملات دون أن يستندوا إلى طبيعة الحواس في تحصيل المعارف، كانت هذه الأفكار تمثل لأصحابها وجهة نظر، ومن هنا هاجمهم ديدرو من خلال كتابه معتبرا أن ما حصلوه من النظر كان هراء ولا يستحق التمسك به في حين ما حصلته الحواس كان طيبا وجيدا على أحسن الأحوال، واقتضت تلك القضية أن تقوده لنقد القضايا الدينية المسيحية فتعرض لهجوم كبير ومحاكمة وسجن من وراء أفكاره الرافضة للميتافيزيقية.
لقد انتهى ذلك الفلاح الضرير بطل "خطاب العميان" إلى مفاهيم خاصة عن الجمال، والدين، والامتلاك، والعفة، اعتمادا على عمل الحواس، وليس خبرات العقل، فباتت الاستنارة العقلية هدفا لمذهب ديدرو التجريبي، فلا تزال مشاهداته الحسية قاعدة نهائية لأفكاره، ولا يسلّم بالفرضيات العقلية الموروثة الراسخة منذ الحضارة اليونانية.
وقد رحل الفيلسوف التجريبي دنيس ديدرو بباريس في 31 يوليو من العام 1784.