البوابة نيوز : محمود حامد يكتب: «شعب واحد».. أمي وخالتي فهيمة.. قصة حب مصرية (طباعة)
محمود حامد يكتب: «شعب واحد».. أمي وخالتي فهيمة.. قصة حب مصرية
آخر تحديث: الأحد 20/09/2020 01:25 ص محمود حامد
محمود حامد يكتب:
ذات يومٍ من الأيام، استيقظت ليأتينى صوت ترنيمات تتغنى: "طال انتظارنا والشوق مالينا.. تيجى يا عدرا ونشوفك وسطينا".. وكانت المفاجأة أن تلك الترنيمات تنطلق عبر جزء من بيتنا، أسرعت إلى والدى لأخبره بما يحدث، فقال لى بهدوء: "نعم.. تهدم جانب من كنيستهم، فهل أحرمهم من أداء صلواتهم لمجرد أن القانون يضع قيودًا على تجديد الكنيسة؟".. كانت المرة الأولى التى أسمع فيها عن ذلك القانون الذى جرى تعديله بعد ذلك، لكن والدى أعطانى بتصرفه هذا درسًا بليغًا في معنى الوحدة الوطنية وحب البشر والعيش المشترك وكل تلك القيم النبيلة التى تميز مجتمعنا وسوف تظل فينا مهما حاول أعداء الحياة.
وبهذه المناسبة، كنا نملك بيتًا كبيرًا تحيطه حديقة زاخرة بكل صنوف أشجار الفاكهة، ويتصدر البيت "فسقية" تمتلىء بالورد البلدى بلونه الأحمر الفاقع.. وفى الخلف مجموعة من الحجرات.
كانت خالتى فهيمة تسهر الليالى مع أمى فاطمة، خاصةً خلال النصف الثانى من شهر رمضان.. تجهزان معًا عجين الكحك والبسكويت والبتى فور، ليبدأ الفرن في استقبال الصوانى، فيخرج كل ذلك شهيًا نلتهم بعضه وتحتفظ أمى بأكثره في صفائح مجهزة لهذا الغرض، استعدادًا لعيد الفطر المبارك. 
وخلال تجهيز العجين وتسويته، كانت أمى تجهز مائدة السحور لتتناوله مع خالتى فهيمة.. كنا بالفعل أسرة واحدة.. لم نشعر يومًا بذلك الفيروس الذى ظهر بعد ذلك وحاول تفتيت الوطن، فلم أشعر في يومٍ من الأيام أن خالتى فهيمة مسيحية أرثوذكسية، ولم يكن غريبًا أن تلجأ أمى، عندما شعرت بضعفٍ ما، إلى خالتى فهيمة لترضع وليدها الذى هو أنا كما علمت منهما بعدما كبرت، فصرنا، أنا وأبناء خالتى فهيمة، أخوة في الرضاعة ولكن الأهم من ذلك كنا وما زلنا أخوة في الإنسانية.
عندما رحل عم قرياقص، زوج خالتى فهيمة، هرولت ابنته الكبرى نحو بيتنا تصرخ: "أبويا مات"، لتجرى أمى نحو بيته، ويجهز أبى للجنازة ويرتب من يجهز الطعام لأسرة الفقيد المنشغلة برحيل كبيرها.
وعندما مات أبى، جاء أبناء قرياقص من القاهرة قاطعين مئات الكيلومترات، ليتقبلوا معى العزاء في رحيل أبى، وظلوا مقيمين لمدة أسبوع كامل، مؤكدين: "المصاب مصابنا وليس مصابكم فقط".
وعندما رحلت خالتى فهيمة، كنتُ بين أبنائها أعزيهم وأتلقى معهم العزاء، ولم أستغرب عندما وقف شيخ أزهرى معمم ليلقى كلمة في عزائها، أشار فيها إلى أن "السيدة الراحلة كانت نموذجًا للأم المصرية وقدمت للمجتمع أبناءً يفخر بهم الجميع، ذلك أنهم تربوا على الإيمان بمصريتهم وتقديم كل العون لجميع أهل مصر مسلمين ومسيحيين".
عروة وثقى تربط عائلتينا، فما زال الحزن يعتصرنا منذ رحيل أخى سعد قرياقص.. وما زالت صرخة أخته الكبرى ترن في إذنى ونحن في سرادق العزاء: "أخوك وحبيبك مات يا محمود".
مات سعد ومات أبى وأمى وأبو سعد ووالدته، وبقى الحب الحقيقى الذى تعلمناه منهم دون دروس أو مواعظ.
الحب يبقى بيننا كمصريين، مهما كان الدين، رغم أنف كل الذين يضمرون الشر لوطننا الغالى.