البوابة نيوز : «يوسف إدريس».. تشيكوف العرب (طباعة)
«يوسف إدريس».. تشيكوف العرب
آخر تحديث: السبت 01/08/2020 09:49 م سمية أحمد
«يوسف إدريس».. تشيكوف
يحل اليوم الذكرى الـ 29 لرحيل الأديب والكاتب الكبير يوسف إدريس، والذى رحل عن عالمنا الأول من أغسطس عام 1991، عن عمر يناهز الـ 64 عامًا، خلد خلالهم اسمه بحروف من ذهب في عالم القصة القصيرة، حتى لقبة النقاد بـ "تشيكوف العرب". 
يعد يوسف إدريس أحد أبرز فرسان الأدب العربي في القرن العشرين من خلال العديد من القصص القصيرة والروايات والمسرحيات التى عبر فيها عن رأيه السياسي، فجسدت أعماله القصصية العديد من القضايا والمشكلات التي تعبر عن المجتمع المصري لاسيما في الريف. 
ويعتبر يوسف إدريس من كتاب القصة القصيرة الذين ظهروا في مصر بعد فترة الحرب العالمية الثانية، ونالت قصصه ورواياته وأعماله المسرحية، استحسانًا كبيرًا من قبل القراء والنقاد، فمنذ فترة خمسينيات وستينيات القرن الـ 20 بدأت أعمال يوسف إدريس تلقى رواجًا بين القراء، كما تناولتها السينما المصرية، فنالت أعماله شهرة واسعة بين جمهور المثقفين والدارسين والجمهور العادي أيضًا، وفي بعض الأحيان كان وضع اسم يوسف إدريس على أفيش أحد الأفلام يعد بمثابة رواج له. 
تميز إدريس بأسلوب الكتابة التصويرية، فقد كان بارعًا في إعطاء المعاني ذات الدلالات الخطيرة، بأسلوب سهل وبسيط، بعيدًا عن الكلاشيهات المحفوظة في الأدب العربي، فاستطاع أن يصف أدق واصعب الحالات الإنسانية في منتهي البساطة والعمق في نفس الوقت. 
واستطاع أن يقدم من خلال مجموعاته القصصية عالمًا متكاملًا للحياة المصرية، من خلال تحويل الواقع العادي إلى واقع ملموس، عبر تحليله لعناصر اشكاليات وقضايا المجتمع، ولعل عمله كطبيب كان له الآثر الأكبر في طريقة تشريح وتحليل المجتمع المصري، وكيفية معالجة قضاياه ومعاناته الإنسانية سواء كانت الاجتماعية أو السياسية. 
عايش إدريس فترة التحولات السياسية والوطنية والاجتماعية في مصر منذ خمسينيات القرن الماضي، وشاهد كيفية تحول الطبقات الشعبية وبروزها لتصبح عنصرًا فعالًا في المجتمع المصري بعدما ظلت تلك الطبقة مهمشة لفترات طويلة. 
ولعل أبرز ما قيل في هذا السياق هو ما ذكره الكاتب الكبير شكري عياد عندما قال:"إن موقف يوسف إدريس لم يكن في يوم من الأيام موقفًا أيدلوجيا محددًا، لقد كان يوسف إدريس ولايزال – فنانًا- والفرق بين الفنان والأيدلوجي أن الفنان يرى الواقع من زوايا متعددة وأحيانًا متعارضة، بل إن التعارض في الرؤية كلما كان حادًا كان الفن أعظم، أما الأيدلوجي فلا يرى الواقع إلا من زاوية واحدة، أما الفنان الذي يعيش الفكرة ونقيضها فمشكلته مختلفة، فمشكلته أن يعبر عن يعبر عن الفكرتين المتناقضتين في وقت واحد، ولا يمكن أن تعبر عنها إلا باستخدام شكل من أشكال الفن".
قدم إدرايس في مجموعاته القصصية تجارب عديدة ومتنوعة، تلمس فيها أعماق البنية التحتيه للمجتمع المصري، في القرية والمدينة، ولعل روايته "الحرام" أكبر دليل على ذلك..يقول إدريس في روايته "ترى كيف تكون فاعلة ذلك الحرام؟ أو على وجه الدقة كيف تكون الزانية؟ ما من مرة ذكرت أمامه الكلمة إلا واقشعر بدنه، مع أنه كان له مثلما لمعظم الناس علاقاتٌ قبل أن يتزوج وحتى بعد أن تزوج، ولكن كأنما كان يستبعد أن توجد نساءٌ في العالم يخطئن مثلما تخطئ النساء معه، وكأنما من أخطأن معه لسن زانيات … الزانيات هن من يخطئن مع غيره"
ويتابع:"يخطو الإنسان أولى خطواته في الحياة وقد اعتراه فيضٌ من بؤس وقهر، وتراكمت عليه الإحن حتى يكاد يكون أحدب الظهر من كثرة ما يحمل من مآس وهم، ويزيد هذا كله تحت وطأة الإقطاع والاستغلال، وتكون ذروته في دفع الأطفال والنساء إلى العمل الشاق الذي لا يقدر عليه غير الرجال الشداد". 
فاستطاع يوسف إدريس من خلال تلك الرواية "الحرام" في رسم صورة كبيرة جمعت ألوان القهر والذل والعوز، في عمال التراحيل ا"لشغيلة"، وما يقع عليهم من ظلم اجتماعي، يدفعهم أحيانًا لارتكاب جرم، فلا تستطيع حينها أن تفرق أيهما "الحرام": الحمل سفاحًا أم الموت جوعًا.
ولد "يوسف إدريس على " في قرية "البيروم"، بمركز فاقوس، محافظة الشرقية في ١٩ مايو عام ١٩٢٧م. عاش طفولته مع جدته بالقرية، وأكمل دراسته بالقاهرة، ونظرًا لحبه الجم للعلوم، التحق بكلية الطب جامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة الآن)، التي شهدت نضاله السياسي ضد الاحتلال البريطاني من خلال عمله سكرتيرًا تنفيذيًا للجنة الدفاع عن الطلبة، ثم سكرتيرًا للجنة الطلبة. وفي عام ١٩٥١م حصل على درجة البكالوريوس في الطب متخصصًا في الطب النفسي، وعين طبيبًا بمستشفى قصر العيني، غير أنه استقال منها عام ١٩٦٠م وقرر التفرغ للكتابة، فعين محررًا بجريدة الجمهورية، ثم كاتبًا بجريدة الأهرام عام ١٩٧٣م. كما انضم إلى عضوية عدد من الهيئات المعنية بالكتابة، مثل: نادي القصة، وجمعية الأدباء، واتحاد الكتاب، ونادي القلم الدولي.
منح "وسام الجزائر" عام ١٩٦١م تقديرًا لدوره في دعم استقلال الجزائر ونضاله مع الجزائريين في معركتهم من أجل الاستقلال، وخلال مسيرته الأدبية نال إدريس عدة جوائز، منها: "وسام الجمهورية" مرتين عامي ١٩٦٣ و١٩٦٧م تقديرًا لخدماته في التأليف القصصي والمسرحي، وفاز ﺑ "جائزة عبد الناصر في الآداب" عام ١٩٦٩م، و"وسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى" عام ١٩٨٠م، و"جائزة صدام حسين للآداب" عام ١٩٨٨م، و"جائزة الدولة التقديرية" عام ١٩٩٠م.
صنع إدريس بما ألفه مدرسة مختلفة وتجربةً جديدة اتبعه فيها الكثير، مستخدمًا براعته في اللغة ليرسم قطاعات مختلفةً من المجتمع المصري. كانت تجربته الأولى في النشر القصصي في مجلة "القصة" بنشر قصة "أنشودة الغرباء" في ٥ مارس عام ١٩٥٠م، وبعد أربع سنوات أصدر أولى مجموعاته القصصية "أرخص الليالي"، تلتها مجموعاتٌ قصصيةٌ أخرى، منها: "حادثة شرف"، و"النداهة"، و"اقتلها". ومن مسرحياته "المخططين"، و"الفرافير"، و"البهلوان". كما شارك بالعديد من المقالات الأدبية والسياسية والفكرية التي نشرها في مجموعات، منها: "فقر الفكر وفكر الفقر"، و"أهمية أن نتثقف، يا ناس"، و"انطباعات مستفزة". ومن خلال كتابه "جبرتي الستينات" سجل ما مر عليه من أحداث سياسية وفكرية خلال فترة الستينيات. تحول عددٌ كبيرٌ من أعماله إلى أفلام سينمائية، منها: "الحرام"، و"لا وقت للحب"، و"العيب"، و"قاع المدينة".