البوابة نيوز : مصطفى الفقى.. فنان الروحانيات وعاشق الحارة المصرية (طباعة)
مصطفى الفقى.. فنان الروحانيات وعاشق الحارة المصرية
آخر تحديث: الخميس 30/07/2020 09:45 م كتبت- نشوى عمران
مصطفى الفقى.. فنان
اشتهر مرسم الفنان مصطفى الفقى في الوسط الفنى بأنه (منجم الانتيكات) فهو محب لهواية أخرى غير الرسم وهى اقتناء الأنتيكات.
تجد في مرسمه مطحنة البن، والعملات القديمة الأوتوجراف وطاولة ماكينة الخياطة ومكواة الفحم والجرامافون والبيانو وأول اختراع لمبراة قلم الرصاص وكشاف السفن القديمة وأدوات العزف القديم ومكواة القدم ولمبة الجاز.
تستعجب من وجود تلك الأشياء التى مر عليها الزمن، ولم يعد أثر في حاضرنا هذا وكأن مرسمه مرصعا بلوحاته وأنتيكات الزمن الجميل على الجدران.
يقول ( أنا تربيت على هذه الأشياء ولا اريد أن تختفى من حولى ).. إن الفنان الحق كأن له عين تختلف عن باقى البشر يدرك قيمه الأشياء وأصالتها.
من مدينة طنطا إلى الإسكندرية إلى حى السيدة زينب ثم انفتاحه على العالم، امتلك الفنان التشكيلى مصطفى الفقى مسيرة رائدة ومميزة في تاريخ الفن التشكيلى فة مصر فهو فنان الروحانيات ذو البصمة الخالدة في تاريخ الفن التشكيلي.. وهو فنان الحارة المصرية وأزقتها.. فنان البسطاء والريف.. فنان شعائر الحج والمدينة المنورة.. فنان حلقة السمك والمقاهى.
عكست أعماله البيئة المصرية من صميمها، وهى بيئة مشحونة بجو روحاني، وجو شعبى دافئ، وحسب قوله «لا أشبع من القاهرة القديمة، تتجدد بداخلى شحنة جديدة، كلما أطوف بالسيدة زينب والقلعة، وكلما سافرت، أحن لهذه الأماكن».

رغم أن «الفقى» حمل البيئة المصرية في كيانه ووجدانه إلى أنه اتصل أيضًا ببيئات أخرى عاش وتعايش فيها، فاستلهم منها روحها.

يعد الفنان مصطفى الفقى من أهم مصورى القرن العشرين في محاكاته الهاربة من التعبير الصارم للمشهد التشكيلي إلى إثارة الخيال لدى المُتلقى عبر مسحة ضبابية وزوايا تترك للخيال فرصته للغوص في أعماقها.. فأسلوبه قادر على جذب المُشاهد إلى ماهية الأشياء وليس شكلها الحقيقى الظاهرى.. تجده تارة يقف أمام جدار مشروخ.. أو نافذه مشققة الطلاء.. إبريق يأكله الصدى.. تجده جالسا على المقهى يجول بذهنه شعر جاهين وطرب سيد مكاوى ويحتفظ بمخزون بصرى وسمعى للفن بألوانه ليعيد صياغته ويخلق لوحات في غاية الإبداع جداريات ولوحات لشعائر الحج بمنهج تعبير تشبع بروحانيات المدينة المنوره والمتحف الوطنى السعودي يقتنى أعماله.

من أشهر أعماله ما رسمه أثناء فترة وجوده بالسعودية، حيث تشبع بروحانيات المدينة المنورة والحج والعمرة فرسم جداريات ولوحات لشعائر الحج والمصلين وبيت الله وكأن نور المكان وخشوع الصلاة مسلط عليهم وغار حراء وجبل أحد بمنهج تعبيرى واقعى يميل للاختزال.. أبهر الحركة الثقافية السعودية بجماله لوحاته وتم اقتناء لوحات بالمتحف الوطنى السعودى وأقام معرضا قاعه ريديك بلازا بجده.
ويقول لـ"البوابة نيوز" إنها من أكثر لوحات أثرت بقلبه عاطفيا من السلام والهدوء الذى كان يشعر بهم وهو يؤدي مناسك الحج أو وهو يزور اماكن العباده في حيث طبيعه الجبال.
ويضيف: لم أجد راحه نفسيه في مكان كما كان في المدينة المنوره وسكانها حيث السكينة وطيبة الناس.

مسيرة ومسار.. من المحلية إلى العالمية وخط والده المميز كان بداية عشقه للفن

ولد الدكتور مصطفى الفقى ١٧ أكتوبر ١٩٣٧ في مدينة طنطا بمحافظه الغربية كان والده مهندسا ثريا يعمل بالسكه الحديد.. وفى حديثه لـ"البوابة نيوز"، يقول الفنان إن اول مصدر طرق باب عشقه للفن هو خط والده المميز لأنه كان يكتب بخط عربى جميل ويرسم أشكالا هندسية مبدعة.. كان معجبا جدا بجمال الخط وقدره والده على هذا الإبداع.

ثم انتقل والده إلى الإسكندرية وهو في الثالثة من عمره وفى حى محرم بك ظل الفقي يتشبع بحبه للفن والبحر والجو السكندرى وفي المدرسة اكتشف مدرس الرسم موهبته في مدرسة امير البحر كان مدرس الرسم.
يقول انا لا يوجد عندى سوى مصطفى من شده إعجابه برسمه الذي يكبر سنه.. كان يعطيه ألوانًا وأوراقًا.. ومن شده إعجاب اللغة الفرنسية كان يعطيه بون ليذهب إلى سينما بلازا لمده ٣ اشهر ليرى الفيلم السنيمائى مجانا كهديه لتحفيزه وفرحته بموهبته، وكان أخوه الأكبر أيضا من هواة الخط العربى ويتمتع بهذه المهاره وكان يرسم لوحات في مدرسة راس التين وهو في مرحلة التوجيهية (الثانوية) عن التاريخ المصرى القديم.
ثم انتقل الوالد إلى القاهره، كان يستمع لألحان خاله كمال الطويل مع والده والتحق الفقى بمدرسة الزمالك الفرنسية.. أبهر الفنان الصغير مدرس الرسم كالعادة وطلب منه أى حصة لا يستطيع حضورها ان يأتى إلى مرسم المدرسة وكان من زملائه في المدرسة تلميذان هما حاتم ومنير أولاد حسين فوزي من أشهر فنانى الجرافيك بكليه الفنون الجميلة.
كان صديقا لناظر المدرسة يأتى كل عام ليرسم خلفيه المسرح للحفل السنوى وكان يطلب الطلبة المتميزين في الرسم ليساعدوه في تنفيذ الخلفية فرشح له مدرس الرسم مصطفى وحاتم وآخرين لرسم المسرح المدرسي وسأل المتميزين ما رأيكم بقيام رحلة مدرسية لكلية الفنون الجميلة حيث إنها تقرب المدرسة الزمالك الفرنسية بثلثمائة مترًا.. وإذ به يقع في غرام الكلية من أول وهله وعندها قال الفنان هذه هى كليتى!.. فعبق الفن الذى يفوح منها كان يجذب كل موهوب ومتيم بالفن، وظل الفقى يطور رسمه رشفة برشفة إلى أن التحق بالثانوية العامة.
من أهم ما رسمه جمال عبد الناصر والثورة بالألوان الزيتية على لوحة كبيرة مقاسها متران طولا وثلاثة أمتار عرضا.. كانت لوحة تبهر كل من رآها بالنسبة لسنه الصغيرة.. معلقة على واجهة مدرسة الخديوية في السيدة زينبًً.

وزير التربية والتعليم يحقق حلم الفقى بالالتحاق بكلية الفنون الجميلة

لم يحالفه الحظ مصطفى الفقى الالتحاق بكلية الفنون الجميلة بعد الثانوية العامة مباشره فكان الأهل غير مرحبين بفكرة هذه الكلية فالتحق بالفعل بكليه الحقوق جامعة عين شمس للعام الأول كان طيلة الوقت يرسم أساتذته ويضع رسومه على مجلة حائط الكلية إلى لفت نظر بعض الأساتذة إلى ان قال الدكتور حلمى مراد وزير التربية والتعليم السابق (انت ليس مجالك الحقوق انت فنان اذهب والتحق بكليه الفنون الجميلة).
ظل حلم كلية الفنون الجميلة يسيطر على قلبه وعقله فلم يستطع إتمام دراسته بكلية الحقوق وتركها لأن شغفه بكليه الفنون الجميلة أكبر من أى دراسة اعتيادية لن يحقق فيها آماله وإذا به العام التالى يلتحق بكلية عمره ويبدأ مسيرة الحب والفن.

يقول الفقي إنه كان محظوظا بأنه التحق العام التالى كان في دفعته مميزه والمنافسة كانت قوية.. تتلمذ على يد رواد الفن التشكيلى عبد العزيز درويش وحسني البنانى وبيكار وعز الدين حموده وحامد ندا وعبد الهادي الجزار وأمين صبحى إلى أن تخرج من الكليه عام ١٩٦٤ وتعين معيدا بقسم التصوير ثم تزوج من طالبته التى كان يدرسها بالسنة النهائية لها وكان رفيقه دربه تهيئ له الجو الفنى المناسب كما تربى في بيته حيث يكون الإلهام هو مصدر الفنان للإبداع ومحاكاته للواقع وأنجب اثنين الفنانة غادة الفقى الوارثة من أبيها موهبة التصوير الزيتى والضوئى وابنا عاشق للجو الفنى الذى كان محاطا به من إبداع يقطن الفنان في الزمالك ببيت يفوح برائحة الفن وكأنه متحف صغير به عبق تاريخ كفاحه في الرسم هو عائلته الفنية.

أعمال ومعارض

أقام الفقى عدة معارض جماعية إلى ان أقام أول معرض فردى بدوله الكويت عام ١٩٧٠ وحصل على منحة التفرغ من وزارة الثقافة وكان في ذلك الحين ثروت عكاشة وزير الثقافة الأسبق الذى اهتم بإعطاء مراسم للفنانين في السفرخان حيث مرسم البنانى وحامد ندا وكان يشجعه وأعطى لهم مرسما كتشجيع لموهبته وأتم الفقى رساله الماجستير في عام ١٩٧٤ وحصل على بعثة حكومية من الدولة لاعداد رسالة الدكتوراة من إيطاليا عام ١٩٧٥ الذى ذكر فيها عن كم الاستفادة الفكرية والفنية والمعنوية حيث رأى الأعمال الفنية عن قرب واستنساخ اللوحات نسخا مباشرا لا من صور وتقنية الفنان وأسلوبه وبالألوان الطبيعية واختلاف اللوحه في الكتاب عن الطبيعه في المتحف وكان الأساتذة الإيطاليون منبهرين بمستوى الفنانين المصريين حيث إن مستوى الفنانين عال وهم مبدعون للغاية لدرجة قال له أحد الأساتذة الإيطاليين الذين يشرفون عليهم (ما جاء بكم لتتعلموا.. إنكم مبدوعون حقا !).

وأقام الفقي بإيطاليا ثلاثة معارض جماعية ومعرضًا خاصًا بقاعة تابعة للفاتيكان بروما حضر المعرض الفنان فاروق حسنى وآدم حنين ومحيى حسين خزاف والمستشار الثقافى الدكتور أحمد مرسى ومندوب الفاتيكان وبعد عودته من إيطاليا بأربع سنوات سافر إلى السعودية ١٩٨٣ حيث تشبع بروحانيات المدينة المنوره والحج والعمرة ثم عاد لمصر عام ١٩٨٩ ليترقى لدرجه أستاذ بالكلية، وانتدب في تركيا عام ١٩٩٥ لمهمه علميه حيث يشرف على النشاطات الثقافية المصرية في تركيا نظم الفقى العديد من المعارض الجماعية المحلية والخارجية منها معارض في صوفيا وإسبانيا وتركيا وفرنسا وقطر والسعودية والكويت، كما شارك في بينالى الشارقة.
وله مقتنيات بمتاحف الدولة وخارجها، أشرف على العديد من الرسائل العلمية. ومن أهم المعارض التى أقيمت له بمصر معرض استعادى بجاليرى ضى الذى كان يضم ١٢٠ لوحة تتراوح تاريخ الأعمال من بداية مشواره الفنى لعام ٢٠١٦ ولقى هذا المعرض نجاحا كبيرا وكان مردوده قوي الحركة التشكيلية.