البوابة نيوز : "غاز شرق المتوسط" يشعل الصراعات العالمية.. 340 تريليون قدم غاز مكعب يساهم في تصاعد خلافات تقسيم الحدود البحرية (طباعة)
"غاز شرق المتوسط" يشعل الصراعات العالمية.. 340 تريليون قدم غاز مكعب يساهم في تصاعد خلافات تقسيم الحدود البحرية
آخر تحديث: الخميس 25/06/2020 06:25 م مصطفي صلاح
غاز شرق المتوسط يشعل
تعد منطقة شرق المتوسط من أكثر المناطق الجيوستراتيجية التى تشكل تهديدًا لمستقبل الأمن والسلم الدوليين، وتستحوذ منطقة شرق المتوسط على أهمية جيوسياسية كبيرة لما تمتلكه من مقدرات اقتصادية يمكن أن تتسبب في زيادة معدلات الصراع الإقليمى والدول حول هذه الاكتشافات الحديثة من الغاز والتى تقدر بــ٣٤٠ تريليون قدم مكعب، وهو الأمر الذى ساهم في زيادة مستوى الخلافات بين دول هذه المنطقة ومحاولة الكثير منها إلى تقنين أوضاعها بصورة قانونية فيما يتعلق بترسيم الحدود البحرية وفق اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار عام ١٩٨٢، ومن ناحية أخرى اتجهت تركيا إلى التنقيب عن الغاز في المناطق الاقتصادية الخاصة بكل من قبرص واليونان دونما الاعتبار للقوانين الدولية المنظمة لهذه العمليات، ولجأت إلى شرعنة ذلك من خلال توقيع اتفاقيتين لترسيم الحدود البحرية مع ليبيا في نوفمبر ٢٠١٩، ومن ثم تصاعدت التوترات السياسية والاقتصادية والعسكرية بالدول المعنية وما يتعلق بها من خلافات حول الحدود البحرية لكل دولة، وبالتالى استحواذها على جزء من هذه الاكتشافات، وما قد تمثله من تحول في فرص التعاون الاقتصادى والسياسى إلى التهديدات العسكرية.
غاز شرق المتوسط يشعل
تنوع مظاهر التنافس والصراع
على خلفية الاكتشافات الحديثة في منطقة شرق المتوسط، شهدت المنطقة نوعًا من أنواع التحالف والتحالف المضاد في إطار التنافس والصراع بين دول المنطقة؛ حيث اتجهت تركيا إلى تعزيز علاقاتها مع حكومة الوفاق الليبية لتقنين تواجدها في هذه المنطقة في نوفمبر ٢٠١٩ من خلال اتفاقية لترسيم الحدود البحرية وأخرى للتعاون العسكرى والأمني، في حين اتجهت مصر إلى إنشاء منتدى غاز شرق المتوسط كآلية جماعية للتنسيق بين دول المنطقة فيما يتعلق بترسيم الحدود البحرية في يناير ٢٠١٩، ويمكن إرجاع هذه التوترات إلى مجموعة من الأسباب من أهمها: 
١) هناك إشكاليات عديدة حول ترسيم الحدود البحرية في هذه المنطقة خاصة أن هناك دولًا لم توقع على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار في عام ١٩٨٢، وعلى الرغم من اتجاه عديد من دول المنطقة إلى توقيع اتفاقيات ثنائية لترسيم الحدود إلا أن تركيا لم تعترف بهذه الاتفاقيات، وحاولت فرض أمر واقع جديد لاستثمار الثروات المكتشفة حديثًا.
٢) تسببت الاكتشافات الحديثة للثروات في منطقة شرق المتوسط في زيادة مستوى الصراع بدلًا من التعاون، وهذا الأمر انتقل إلى التأثير في عمق المساحة التى تخص كل دولة فيما يتعلق بالتنقيب عن الغاز، ويجب الإشارة هنا إلى أن اتجاه بعض الدول إلى ترسيم الحدود البحرية في هذه المنطقة لم يمنع تركيا على وجه التحديد من الاستمرار في التنقيب عن الغاز في المياه الإقليمية الخاصة بكل من قبرص واليونان.
٣) تسببت التدخلات التركية المباشرة في منطقة شرق المتوسط أو داخل الأزمة الليبية في تعزيز التوجهات الخاصة بدول هذه المنطقة نحو مواجهة سياستها وخاصة من جانب دول الاتحاد الأوروبى الذى أظهر تبنيه سياسات مختلفة من شأنها مجابهة التحركات التركية، في ليبيا أو في مساندة كل من قبرص واليونان.
٤) ليس ملف الغاز هو العامل الوحيد الذى تسبب في زيادة حدة الصراعات بين دول المنطقة، ولكنه أضاف بعدًا جديدًا إلى التوترات القديمة بين دول هذه المنطقة؛ فهناك خلاف تركى مع قبرص واليونان حول بعض الجزر في بحر إيجة، وخلاف مصرى تركى حول دعم تركيا لجماعات إرهابية تهدد الأمن القومى المصري، ومن ثم فإن الخلافات السياسية القديمة بالأساس لعبت دورًا مهمًا في تعقيد هذه الخلافات حول سيادة كل دولة فيما يتعلق بالتنقيب عن الغاز. 
مواجهة شاملة
في إطار تحقيق التعاون بين دول المنطقة والقوى الإقليمية والدولية التى تتقاطع مصالحها مع ضمان الاستقرار في هذه المنطقة، فإن هناك آليات عديدة تم الاعتماد عليها في مواجهة المخاطر المتصاعدة، وقد اتجهت كل من قبرص واليونان ومصر إلى الإعلان عن مواجهة أى عمليات تنقيب غير شرعية بمختلف الوسائل، وضمن السياق ذاته قام وزراء خارجية الاتحاد الأوروبى بإجراء مشاورات حول كيفية الحد من التأثيرات السلبية للاتفاق بين تركيا وحكومة الوفاق الليبية؛ خاصة في ظل الاهتمام الأوروبى بتحقيق الاستقرار في هذه المنطقة، فيما يتعلق بتأمين احتياجاتها من الطاقة بعيدًا عن الجانب الروسى الذى تشهد العلاقات معه توترات عدة؛ خاصة أن بنود الاتفاق تسمح لتركيا بالوجود في مناطق تخضع للسيادة اليونانية والقبرصية، والتى تشهد نزاعًا طويل الأمد حول حقوق التنقيب عن النفط والغاز شرقى البحر المتوسط.
غاز شرق المتوسط يشعل
ومن جهة أخرى وفى ظل التوترات التى تشهدها مصر واليونان وقبرص مع تركيا حول الثروة النفطية المكتشفة في منطقة غاز المتوسط، قامت الدول الثلاث بتنفيذ مناورة ثلاثية مشتركة بينهم، وذلك وفق ما أعلنه الجيش المصرى في نوفمبر ٢٠١٩ عن انطلاق مناورات عسكرية بحرية وجوية بالاشتراك مع اليونان وقبرص في البحر المتوسط، لمواجهة أى تهديدات محتملة، وذلك وسط التوتر بينهم وبين تركيا حول التنقيب عن الغاز والنفط في المتوسط، وقد تمت فعاليات التدريب البحرى الجوى المشترك "ميدوزا - ٩" بمشاركة عناصر من القوات البحرية والقوات الجوية والقوات الخاصة المصرية واليونانية والقبرصية.
وتمثل العمليات العسكرية المشتركة بين مصر واليونان وقبرص امتدادًا لتعزيز آليات الدفاع عن الأهداف المشتركة المتوافق عليها بين الأطراف الثلاثة، والتى تؤشر على عمق تلك الشراكات، وتستهدف مصر بصفة خاصة من هذه العمليات إظهار قدرتها على حماية أهدافها الاقتصادية خاصة في ظل الاعتداءات التركية غير المشروعة على بعض المناطق الاقتصادية الخاصة ببعض الدول مثل اليونان وقبرص.
غاز شرق المتوسط يشعل
سيناريوهات محتملة
في ظل اعتزام دول منطقة شرق المتوسط والدول المرتبط أمنها بهذه المنطقة فهناك سيناريوهات محتملة على خلفية التدخل التركى غير الشرعى في التنقيب عن الغاز في شرق المتوسط، والتى تتعدد انعكاساتها بين الآليات السياسية والاقتصادية والعسكرية، وفيما يلى أبرز هذه السيناريوهات:
١) سيناريو التوافق: ويستند هذا السيناريو على إمكانية التوافق بين دول المنطقة حول ترسيم الحدود البحرية وفق قواعد القانون الدولي، خاصة بعدما واجهت تركيا مجموعة من الضغوط الإقليمية والدولية، ويمكن أن يتم ذلك وفق المنتدى الذى أنشأته القاهرة -منتدى غاز شرق المتوسط- والذى يضم ٧ دول وعضويته مفتوحة لباقى دول المنطقة، إلا أن هذا الافتراض يواجه الكثير من التحديات في ظل السياسة التركية الهادفة إلى تجاوز القانون الدولى واتفاقيات ترسيم الحدود المبرمة بين دول المنطقة، ويمكن لهذا السيناريو أن يتم تحقيقه بسبب إدراك هذه الدول لمآلات التصعيد التى قد تتسبب في تهديد الأمن والسلم الإقليمى والدولى دونما تحقيق استفادة متبادلة من الثروات المكتشفة حديثًا من الغاز.
٢) التصعيد والمواجهة العسكرية: يفترض هذا السيناريو استمرار السياسة التركية في التنقيب غير المشروع عن الغاز في المناطق الخاصة بدول المنطقة، واستمرارها في انتهاج السياسات التصعيدية لها، وخلق تحالفاتها الخاصة، الأمر الذى قد يتطور إلى إمكانية فرض عقوبات سياسية واقتصادية وعسكرية، وقد يتراوح التصعيد بين العقوبات الاقتصادية والسياسية والمناوشات العسكرية إلى أن يصل حد المواجهة العسكرية المباشرة بين أكثر من دولة في هذه المنطقة.