البوابة نيوز : رفعت السعيد "5" في حضرة التجديد الديني (طباعة)
رفعت السعيد "5" في حضرة التجديد الديني
آخر تحديث: الإثنين 13/05/2019 09:02 م
المفكر الدكتور رفعت
المفكر الدكتور رفعت السعيد
حمل المفكر الدكتور رفعت السعيد، على عاتقه محاربة التأسلم وجماعة الإخوان الإرهابية، مستعينا بدراسته للتاريخ، فقدم للمكتبة العربية العديد من الكتب، ودخل إلى عش الدبابير فى قضايا كثيرة، ورصد بعقلية المؤرخ فكر الإخوان منبها إلى أن الجماعة منذ نشأتها وضعت هدف الوصول إلى سدة الحكم، مستخدمين شعارات إسلامية، وتأويلات للنصوص سواء القرآن أو السنة، وأيضًا فتح الراحل الكبير أبوابًا عديدة للاستنارة وتنبيه العقل العربى لنخبة من المفكرين فى تاريخ أمتنا العربية، ونشرت «البوابة نيوز» عام 2015 وما تبعها عدة مقالات ودراسات للمفكر الكبير.. نعيد نشرها لتكون أمام القارئ فى هذا الشهر الكريم.
فى مفاجأة للقارئ لجأ خليل عبدالكريم إلى وسيلة مبتكرة فى تقديم نفسه عبر كتابه الممتع «الأسس الفكرية لليسار الإسلامي» (كتاب الأهالي- مارس ١٩٩٥)، فقد استعار مقالا كتبه عنه الصحفى الأمريكى ستيف نيقوس فى جريدة ميدل إيست إيجيبت «بتاريخ ٢٣ أكتوبر ١٩٩٤»، والمقال بعنوان «مقابلة مع مفتى الماركسية فى مصر».
ويقول خليل عبدالكريم «إنه أحد الألقاب التى أنعم علىّ بها خصومى فى الرأي، ومنها أيضا الشيوعى الملتحي، والشيخ الأحمر وغيرها».
ولعل ذلك الغيظ الذى دفع جماعة الإخوان إلى إطلاق هذه التسميات على الأستاذ خليل عبدالكريم كان مصدره أنه لم يترك الإخوان فحسب، ولا أنتقدهم فقط، وإنما انضم أيضا إلى الحزب الأشد خصومة لتأسلمهم وهو حزب التجمع، وهو ذات ما أكده خليل عبدالكريم فى حوارات عدة معه قائلا «تركت الإخوان رافضا لمسلكهم الفكرى والعملى، وأتيت إلى التجمع لأنه الحزب الوحيد الذى رفض ذات المسلك الفكرى والعملى، وهاجمه قولًا وفكرًا وكتابة وعلى المستوى الجماهيرى، متحديا السائد آنذاك سواء من الحكم أو الإعلام أو الكثرة الغالبة من السياسيين».
ويقول خليل عبدالكريم، ناقلًا عن مقال ستيف نيقوس «وصف ملبسى ومكتبى المتواضع الذى يقع فى منطقة شعبية فقيرة، وأدركت أنه وضع يده على الجرح كما يقول المثل الشعبى، إذ تساءل «الشيخ مظهره إسلامى وسمته إسلامي، وينطلق من أرضية إسلامية فى خطابه وطروحاته، فلماذا إذن يرفضه الإسلاميون (وهم فى الحقيقة إسلامويون كما أصر على تسميتهم) وينفونه من صفوفهم ولا يعتبرونه واحدا منهم؟».
ويعلق خليل عبدالكريم «وقلت لنفسى كيف استطاع هذا الصحفى الأمريكى الذى لم يمكث معى أكثر من ساعتين أن يدرك أننى أقف على أرضية إسلامية لم أغادرها فى يوم من الأيام، ولم يدرك ذاك الإسلامويون الذين زاملت أغلب نجومهم الساطعة وبدورهم اللامعة الآن؟.
وإذ يقدم خليل عبدالكريم كتابه الجميل، فهل يمكن أن أقدمه أنا لكم؟. مع بدايات تأسيس حزب التجمع دخل مكتبى شخص طويل القامة، ضخم البنيان، أسمر الوجه بحيث يتبدى نوبيًا ويرتدى جلبابًا، وأحاط رأسه بشال أبيض ملفوف كعمامة، «السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أنا خليل عبدالكريم المحامى جئت انضم إلى حزب التجمع إعجابًا بموقفكم ممن تسميهم أنت فى كتاباتك بالمتأسلمين وأسميهم أنا بالإسلامويين»، وطلب «نعناع»، وامتلأت الغرفة بعبق العطر الإسلامى المميز والمستخدم من زيت العتر. وبدأ يحكى قصته مع الإسلامويين. كان معهم مبكرًا، وعندما تخرج فى كلية الحقوق عمل محاميًا فى مكتب الأستاذ عبدالقادر عودة المحامى وأصبح كادرًا إخوانيًا.
ثم هاله التقلب الإخواني، وهاله وجود شيء خفى فى كل ما يقولون وما يفعلون، واكتشف وجود جهاز سرى، واستمع فى الاجتماعات إلى همسات عن الأخوة «تحت الأرض»، وإلى ألفاظ مثل كافر وكفرة ومرتد، وضرورة إقامة حد الردة عليهم، وإلى التوجيه الأثير والدائم الذى يتلقنه كل كادر إخوانى مفعمًا بالولاء الكامل لقائلة الإمام حسن البنا، وهو أن على الإخوان أن يتقنوا «لعبة المصالح المشتركة مع الطاغوت»، وقالوا له تستمر اللعبة حتى نتمكن، ثم ننقلب على الطاغوت، ولابد من الاستعداد الدائم لمثل هذا الانقلاب.
وباختصار انكشف الغطاء أمام عينيه وعرف حقيقة البئر المتأسلم وما يخبئه للآخرين، كل الآخرين الذين لم يبايعوا على السمع والطاعة.. وحاول مخلصًا تخليص «الدعوة» من هذا التفكير الإسلاموي، فاستنكروا، وألح فبادلوه العداء.. وتخلص منهم وتخلصوا هم منه.
تألق خليل عبدالكريم بوضوحه وليبراليته الحقة وإصراره على خوض معركة التجديد وعلى مواجهة الإرهاب المتأسلم، مواجهة شجاعة ومباشرة، ونبدأ معه وهو لا يضيع وقتا، فالسطر الأول بعد المقدمة يقول: «لسنا نقول كالدكتور حسن حنفى «احتمينا بالنصوص فدخل اللصوص» ولكن نقول لهم «وسعتم خيمة النصوص فتعمقت هوة التخلف والنكوص». وهكذا يقتحم خليل عبدالكريم معركة «الموقف من النصوص»، ويقول «النصوص مجالها العقيدة والعبادة والأخلاق، فأرادوا لحاجة فى نفس يعقوب مدها إلى مجالات السياسة والاقتصاد والثقافة والفنون والآداب والإعلام والتعليم والعلوم الإنسانية بل العلوم التجريبية حتى الطب، فتولد من ذلك الإرهاب والعنف وازدادت التواكلية والقدرية والتسليمية والتفويضية، وظهرت الخرافات والشعوذات والتوهمات وكلها بلا استثناء رفعت شعارات الدين، وخاصمونا، ورققوا عقيدتنا عندما لفتنا أنظارهم إلى أن الإسلام شأنه فى ذلك شأن الديانتين الإبراهيميتين اللتين سبقتاه فى التاريخ، ميدانه الأصيل المساجد والجوامع والتكايا والخانقاهات والحسينيات والخلاوى وحضرات الصوفية وحلقات الذكر، ذكرنا لهم ذلك منذ خمسة أعوام فى كتابنا «الجذور التاريخية للشريعة الإسلامية» ولكن أخذتهم العزة بادعاء تملك الحقيقة المطلقة فاعتبروا ذلك تهوينا للإسلام وطعنا فيه، مع أن العكس هو الصحيح، إذ إن رسالة الدين الوحيدة والرئيسية هى تخريج المؤمن الصالح، أما الجوانب الأخرى من الحياة فهى موكولة إلى علوم دنيوية بحتة، وسندنا الذى نقطع به حجة المعاندين والمكابرين وهيئة المنتفعين بإخراج الإسلام من تلك الأماكن المبروكة التى ذكرنا هو الحديث النبوى «فما كان من أمر دينكم فإلىّ وما كان من أمر دنياكم فشأنكم به، أنتم أعلم بأمر دنياكم» (أخرجه مسلم فى صحيحه وابن ماجه فى السنن وأحمد فى المسند).
ويمضى أستاذنا خليل عبدالكريم «نحن نؤمن بتاريخية النصوص وبربطها بأسباب ورودها وبالفترة التى ظهرت فيها وبالبيئة التى انبعثت منها، وبالمجتمع الذى وُلدت فيه، بل بالظروف الجغرافية التى واكبتها وبالدرجة الحضارية للمخاطبين بها وبمداهم المعرفى وأفقهم الثقافى، مع الوضع فى الاعتبار أن النصوص ذاتها ذكرت صراحة أنها تتوجه إلى أمة أميّة».
وهكذا يحاصر خليل عبدالكريم دعاة النظر فقط إلى النص كما هو دون أى إعمال للفكر أو العقل، ولكنه يحيل رؤية المسلم للنص فى أيامنا الحالية إلى دراسة كل ملابسات نزوله من أسباب وحضارة وجغرافيا وثقافة ومعرفة وعادات، مع مراعاة أن النص يخاطب أمة أميّة.
ويمضى خليل عبدالكريم مؤكدا أن علة إنكار أسباب النزول وما تلاها من مبررات هى «من باب الاحتيال الذى يلجأ إليه العديد من الفقهاء» فهو يلقننا أنه لا يمكن فهم النص إلا إذا وضعنا نصب أعيننا «سبب» النزول.
ثم إنه يواصل وبإصرار على محاصرة هذا الصنف من الفقهاء الذين يمسكون بالنص كلفظ لغوى، أو بالدقة قاموسى، ويطبقونه على غير ما شرع له وينساقون فيجعلون من فهمهم اللغوى للنص قيدا على العقل وعلى المصلحة، وينسون كل ما تعارف عليه العرب من تفسير وتأويل وجناس وقياس..إلخ، والمثير للدهشة كما يقول خليل عبدالكريم أن النصوص ذاتها أدركت خطورة هذا المنحى القاموسى المجرد «فقررت مبدأ النسخ بمعنى أن النص إذا كان قد نزل فى وقت معين وظرف معين ليفى بغرض معين ولتحقيق حاجة خاصة محددة ثم تغيرت الظروف والاحتياجات واتضح أن الاستمرار فى تطبيقه فيه عسر ومشقة على المسلمين - فينزل نص جديد ينسخ النص السابق ويأتى بآخر فيه تيسير وفرج.
وبهذا يفتح الأستاذ خليل عبدالكريم بابًا جديدًا للمواجهة هو موضوع الناسخ والمنسوخ.
وخلال مواجهته الحامية مع قوى التأسلم الرافضة للتجديد فى الفكر الدينى فتح خليل عبدالكريم بابًا جديدًا، فإذا كان القرآن الكريم قد أخذ بنسخ آيات بآيات جديدة، وخاصة بعد هجرة الرسول إلى المدينة، أليس هذا بابًا من أبواب التجديد الذى يعنى استبدال موقف بموقف؟ بل إن بعض الفقهاء، يرى أن سورة المزمل وهى مكية فيها نسخ، وأنها نسخت بعد ذلك بالصلاة لكن هذا نادر والنادر لا يعول عليه، إنما مدار النقاش فى التجديد النسخ الذى تم فى الحقبة المدنية.
ويقول خليل عبدالكريم «لقد أدركوا مؤخرًا خطورة المغزى العميق لمسألة النسخ ومدى الحجة الدامغة التى تعطيها فنادوا برفض النسخ فى النصوص.
ففى أهرام الجمعة ١٤ جمادى الآخرة ١٤١٥- ١٨ نوفمبر ١٩٩٤ موضوع عن ندوة نظمها المعهد العالمى للفكر الإسلامى بالتعاون مع الجمعية العربية للتربية الإسلامية، وفيه إشارة إلى ما قاله أحد أعضاء هيئة التدريس بكلية الحقوق، مؤكدا أنه لا يوجد نسخ فى آيات القرآن الكريم.. وهى محاولة تكشف عن حجم التخبط الذى يقعون فيه، لأن النسخ أمر ثابت نص عليه القرآن، وقال به أعلام الأئمة بل صنفوا فيه أمهات الكتب نذكر منهم على سبيل المثال: «أحمد بن حنبل، وقتادة بن دعامة السدوسى وابن شهاب الزهرى إلخ».
ويفتش خليل عبدالكريم فى أمهات الكتب ليجد ما يشبه الإجماع على وقوع النسخ وإن اختلف الفقهاء فى عدد حدوثه، ويقول «ويرى ابن حزم أن النسخ فى القرآن الكريم حدث فى ٢١٤ قضية وعند أبى جعفر النحاس فى ١٣٤ قضية وعند ابن سلامة ٢١٣ قضية وعند عبدالقاهر البغدادى فى ٦٦ قضية وعند ابن الجوزى فى ٢٤٧ قضية»، ثم يحيلنا إلى مرجع مهم حول النسخ فى القرآن وهو «الناسخ والمنسوخ» فى القرآن الكريم تأليف الإمام الأجل الحجة أبى جعفر النحاس - تحقيق أ. د. أحمد شعبان إسماعيل».
ويواصل خليل عبدالكريم فى تدليله على صحة النسخ ليخوض فى معركة أخرى أشد ضراوة وهى موضوع الحجاب.
ويقول «إن هدف الحجاب كان التمييز بين النساء الحرائر وبين الجوارى أو العبدات، والإيضاح للذين فى قلوبهم مرض بوضع الحرائر فى مكانتهن الاجتماعية العالية فيكفوا عن التعرض لهن ومعاكستهن بالتعبير المعاصر، وهو ما عبرت عنه الآية «ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين».
ويواصل خليل عبدالكريم صيحته «وإذا كانت البشرية قد توصلت إلى إلغاء الرق فإن معنى ذلك أن النساء لم يعدن ينقسمن إلى طبقتين، كما لم يعد هناك إيذاء تتعرض له النساء مرده إلى وضعهن وملبسهن الطبقي».
ثم يقول «فإذا ثبت ذلك، وهو ثابت، استبان أن التمسك بما يعرف بالحجاب هو التفات إلى حرفية النصوص وغفلة عن مغزاها ومعناها ومقصدها والهدف الذى تبتغيه».
ونعود لنرى أن الذى أوضح لنا هذه الحجة هو معرفة السبب فى انبثاق نصوص ما يعرف بالحجاب وهو الواقع الاجتماعى السائد آنذاك والتمايز الطبقى بين الحرة والعبدة فجاء علاج المشكلة بتكريس ذلك التمايز فيكون لباس كل طبقة منهن بلباس معين علامة على وضعها الاجتماعى، فلا يقدم مرضى القلوب والفسقة على التعرض للنسوة الحرائر، فإذا انتفى هذا التمايز وأصبحت النسوة جميعا حرات وليس بينهن عبدات أصبح التمسك بالحجاب فهما مغلوطا للنصوص يتعين المسارعة إلى تصحيحه حرصا على النصوص ذاتها، لأن عافيتها لن تستمر إلا بمعرفة المغزى الذى جاءت به، وباستخدام هذا المغزى فى كل عصر وفق ظروف هذا العصر، أما التشبث بالحروف والألفاظ فهو يجمد النصوص ويظهرها بصورة الحفريات ومعروضات المتاحف».
وهكذا نكتشف أننا وقد تكلمنا كثيرا عن ضرورات التجديد فى الفكر الدينى إلا أن تناول خليل عبدالكريم للأمر يأتى فريدا فى نوعه وجديدا فى ذاته وأكثر قدرة على إلزام خصوم التجديد الحائط.
وكعادته ينتقل خليل عبدالكريم بنا فى كتابه الرائع «الأسس الفكرية لليسار الإسلامي» إلى موضوع شائك آخر وهو مسارعة البعض بتكفير المجددين ومخالفيهم فى الرأي، ولأنه تعرض هو أيضا للتكفير واتهموه بأنه مرتد، فارتد عليهم بهجوم من فقه صحيح يرفض التأسلم، ونقرأ «فى ملتنا واعتقادنا أن كل من نطق بالشهادتين فهو مسلم ولو قالهما وهو تحت حد السيف، لأننا لا نفتش فى قلوب الناس ولا نشق صدورهم لنعرف نواياهم فهذا موكول إلى الله سبحانه وتعالي».
ويعود ليؤكد «نحن لا نكفر أحدًا من أهل القبلة إلا ببرهان ساطع، وندين ما شاع وذاع فى الأيام الأخيرة من التعجيل بتكفير الموحدين لأن هذا مخالفا لأبسط قواعد الإسلام، وما اتفق عليه أئمة الهدى ومصابيح الدجى من أنه إذا قال مسلم لمسلم يا كافر بدون تأويل فقد كفر لأنه سمى الإسلام كفرًا، وقد صح أنه صلى الله عليه وسلم قال (إذا قال رجل لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما» واعتمد ذلك كثير من الفقهاء (وأورد أسماء كثيرين منهم)»، ثم قال «لمزيد من التفصيلات يمكن الرجوع إلى كتاب الإعلام بقواطع الإسلام للإمام ابن حجر المكى الهيتمي». ويمضى خليل عبدالكريم فى سوق أدلة يحاصر بها خصومه من حيث لا يحتسبون، ودون مماثلة للآخرين من دعاة التجديد فى الفكر الدينى، فتعرضوا للتكفير فيقول «وفى مذهبنا أن الإسلام الثابت لا يزول بالشك. والكفر شيء فظيع لا نقطع بحصوله إلا بدليل قاطع لا يأتيه ريب من أى مكان.
ولأن الكفر يستوجب العقوبة القصوى وبالمقابل يستلزم حجة ظاهرة كالشمس فى رابعة النهار، ومن ثم فإنه يؤكد ويلح فى التأكيد أنه «إذا اخترمتها نسبة ولو ضئيلة من الريب طرحناها جانبا. وهذا هو نهج السلف الصالح رضوان الله عليهم، وهذا هو الفارق بين الفقيه الذى يفتى لوجه الله وبين المتفيقه الذى يفتى سياسة أو لمصلحة، ويوظف معارفه الدينية لخدمة جماعة أو حزب أو جريا وراء شهرة زائفة أو منفعة عاجلة، فيبيع دينه بعرض من الدنيا قليل».
وبعد أن يغلق خليل عبدالكريم باب التفيقه فى الإسراع بالتكفير فى وجوه المتفيقهين فإنه يسرع فينتقل إلى معركة ساخنة أخرى وهى موضوع الخلافة ويقول «نحن نذهب إلى أن الخلافة منصب مدنى سياسى استقاه المسلمون الأوائل من النظام القبلى».
ألم نقل إنه يأتى إلى المتأسلمين من حيث لا يدرون ولا يكرر حججًا قالها غيره، وإنما يفتش عن قول فصل يحسم به وجهة نظره، ويحاصر المتأسلمين بحجج لم يواجهوا بها من قبل.. يقول «إن ظروفا عديدة تضافرت على بروزه لحيز الوجود، وأنه ليس فرضا دينيا ولو كان كذلك لما استطاع أتاتورك إلغاءه، لأنه لم يلغ رسما من رسوم الإسلام مثل الصلاة والصيام والحج.
والحق أن القول بأنه هو الذى ألغى الخلافة فيه تجاوز كبير، بل الصحيح أن يقال بأن الإلغاء تم فى عهده، فالظروف هى التى أملت اختفاء منصب الخلافة بعد أن اتضح أنه لم يعد ملائما لموجبات القرن العشرين، وقد مضى هذا النظام بحسناته وسيئاته بعد أن أدى دوره، ومن ثم تغدو المناداة بعودته ضربا من العبث وتضييع الجهد؛ ذلك أن المستجدات التى طرأت على أحوال المسلمين من ناحية، وعلى الساحة الدولية من ناحية أخرى، تحول دون ذلك.
فالذى يتخيل وجود حاكم واحد يحكم المسلمين من الجمهوريات ذات الأغلبية المسلمة التى كانت جزءًا من الاتحاد السوفيتى سابقا شمالا حتى جيبوتى جنوبًا، ومن مراكش غربًا وحتى سلطنة بروناى شرقًا إما واهم أو حالم.
ثم من الذى يتولى الخلافة، أهو حاكم مصر لأنها أكبر دولة عربية ولما لها من وزن ثقافى وعمق حضارى، أم ملك السعودية وهو خادم الحرمين الشريفين وتقع فى بلاده مدينتا القداسة مكة والمدينة، أم تطالب بها أكثر الدول الإسلامية تعدادا مثل باكستان أو إندونيسيا.
وفى الأيام الأولى للإسلام واجه الناس الخلفاء وصححوا لهم أخطاءهم، ألم يقل أبوبكر «فإن استقمت فاتبعونى وإن زغت فقوموني. وألم تقف امرأة لتصحح لعمر بن الخطاب ما وقع فيه من خطأ فى مسألة المهور، وتقبل منها ابن الخطاب ذلك.
أما الآن فهل يجرؤ أحد على نقد فقيه أو شيخ مذهب مبينا الخطأ فى فكره؟ ولعجزهم عن الرد ومقارعة الحجة بالحجة يلجأون للتكفير».
ويمضى خليل عبدالكريم مؤكدًا «أن حرية الفكر تثبت كل يوم أنها ضرورة ملحة لكل نهضة وصحوة».
وهو كعادته يأتيهم من حيث لا يتوقعون، وفجأة يفتح خليل عبدالكريم جبهة جديدة معلنا «نحن نعارض مقولة الغزو الفكرى من الغرب أو التغريب حسب توصيف البعض. ونرى أنها تسىء للإسلام وتظهره فى صورة الديانة الهشة التى تذروها هبة ريح. والأسباب التى يسوقها أصحاب هذه المقولة مثل العداء الصليبى للإسلام والمسلمين، والضعف الفكرى والتفكك الاجتماعى لدى المسلمين وتخلفهم عن ركب الحضارة، فى حين أن الغرب قطع شوطًا هائلًا فى التقدم العلمي، وهذه الأسباب معكوسة بمعنى أنها هى التى من المفترض أن تدفع المسلمين إلى الانفتاح على ثقافات الآخرين بمعناها الواسع، وذلك ليتعرفوا على دوافع العداء الصليبى وبواعثه وينقبوا عن جذوره التاريخية ويحاولوا تضييق مسافة الخلف أو الخصام أو العداء مع الآخرين، لأن الوضع الحالى للمسلمين لا يتيح لهم أن ينابذوهم بالشقاق بل عليهم أن يتفهموا حقيقة موضعهم من الخريطة العالمية، وعلى ضوء هذا الفهم يجىء تصرفهم بكياسة، وفى الحديث الشريف «المؤمن كيس فطن».
ويمضى قائلا «ونحن لا ندرى كيف يغدو التقدم العلمى غزوا فكريا لأن العلوم التجريبية لا جنسية لها ولا دين. وقد تتلون العلوم الإنسانية بالمنبت الذى نشأت فيه أو تحمل بصمات البيئة التى ظهرت فيها، أما العلوم التجريبية فهى بعيدة عن ذلك. وأرجو ألا يفهم من ذلك أننا ندعو للابتعاد عن العلوم الإنسانية واستبعادها، بل نحن نذهب إلى وجوب الاطلاع عليها ودراستها وتحليلها ومعرفة المناهج التى تتأسس عليها لنطبقها على تاريخنا وتراثنا ثم على واقعنا ومجتمعنا». ويمضى خليل عبدالكريم قائلا «إن رافعى شعار الغزو الفكرى يقومون بعملية انتقائية فيختارون بعض المواد يضعونها فى الصدارة للتدليل على خطر الانفتاح على ثقافات الآخرين، مثل محاولة تشويه القرآن والسنة وشخصية الرسول عليه الصلاة والسلام، وأول ما يتبادر إلى الذهن هو السؤال الآتى: على مدار الأربعة عشر قرنا الماضية توالت محاولات التشويه هذه، ولم تتوقف بل ربما كانت فى القرون الوسطى أشد فداحة وأبشع صورة منها الآن، فهل نالت من الإسلام مثقال ذرة ؟» بالطبع لا، ويمضى بنا قائلا ونظرا لأن أصحاب مقولة الغزو الفكرى أو التغريب أو الغزو الثقافى لا يملكون منهجًا واضحًا على ميزانه تنضبط النظرية وتتحدد بدقة بالغة لتكتسب الحد الأدنى من المصداقية وتصبح بالتالى مقنعة، نراهم يخلطون الأمور خلطًا عجيبًا فيدعون أن تيارات الغزو الفكرى هى: الاستشراق - التبشير - الصهيونية - الماسونية - أندية الروتاري - العلمانية – القوميات – الوجودية - الفوضوية - البابية - البهائية. وثمة كتاب عنوانه «الغزو الفكرى فى التصور الإسلامي» ويزعم أن هذه التيارات كلها تشابكت وتشاركت معا ضد العقيدة الإسلامية».
وردًا على ذلك يقول خليل عبدالكريم «إن الحضارة الإسلامية لم تتخلق ثم تزدهر إلا بانفتاح المسلمين على ثقافات الآخرين فترجموها ونهلوا منها وأوسعوها دراسة وتمحيصا، ولو أن أولئك القدامى قالوا ما يقول المعاصرون من أن هناك مؤامرة على الإسلام وعقيدته وشريعته لما حدث التفاعل ثم الازدهار والإبداع والتألق الذى بدأ منذ القرن الأول الهجرى وحتى نهايات القرن الخامس الهجري. ولكن كيف السبيل الآن للحاق بالآخرين فى العلوم التجريبية والتكنولوجيا دون الانفتاح عليها وهضمها وتمثلها، ودون الأخذ بالمنهج العلمى الذى أثمرها وهو منهج الشك، وخلع أى هيمنة على العقل الإنساني. وخاصة أن العقل الإسلامى ومنذ ما يقرب أو يزيد على ثمانية قرون لا يعرف سوى الإذعان والتسليم والسمع والطاعة للنصوص وحراسها».
وأخيرًا يوجه خليل عبدالكريم سؤالًا صاعقًا ضد القائلين بالغزو والتغريب، فيسألهم ما هى الطرق التى ستتخذونها لمنع الثورة الهائلة فى الاتصالات والتى دخلت على الناس مخادعهم وحملت ثقافات الآخرين وطرائق معاشهم وعلاقاتهم الأسرية والاجتماعية، وإذا كانوا قد نجحوا فى منع ترجمة الكتب المحرمة والتى تتناول مواضيع محرمة فهل يمكنهم الوقوف فى وجه طوفان ثورة المعلومات والاتصالات الجبارة؟.