البوابة نيوز : قواميس للحياة (طباعة)
قواميس للحياة
آخر تحديث: السبت 20/04/2019 09:11 م
فيصل الأحمر فيصل الأحمر
إحدى المحطات الكبرى في الخيال العلمى هى سلسة فرانك هيربرت F. Herbert التى عنوانها «كثيب Dune» وهى رواية وتوابعها الخمس، نجحت فى العملية التى يتكئ عليها الخيال العلمي؛ أقصد خلق عالم وإلقاء أسماء عليه، فالرواية تثير الدهشة والحماس لدى القراء منذ ١٩٦٥، ليس بسبب الاقتباسات التاريخية، بل بسبب هذه القدرة العجيبة على مستوى المشروع: إنشاء عالم مستقبلى وتأثيثه؛ عالم أصوله مستلهمة من التاريخ والأساطير والاقتراضات من اللغات الأجنبية، ومن اللغة العربية أساسا.
يستلهم الجزء الأول من سلسة (كثيب) إلى حد كبير من بدايات الإسلام وحياة نبيها الكريم محمد (ص): شعب هائم فى الصحراء ينطلق فى رحلة كبيرة لغزو العالم بالاتكال على المثل العليا للزعيم الدينى الحامل لرسالة جديدة. ويحدث ذلك حسب سلسلة طويلة عريضة من التحويلات:
- الصحراء العربية تصبح كوكب الصحراء أراكيس.
- يصبح البدو فريمينز (التسمية الانجليزية للرجال الأحرار).
- وسائل النقل التى تستهلك البترول العربى تصبح مركبات فضائية تغذيها «التوابل».
- أصبحت الإمبراطورية الفارسية المهزومة من قبل العرب إمبراطورية Padishah Shaddam IV التى هزمها Fremens الرجال الأحرار، وباديشاه هى كلمة فارسية تعنى «السيد / ملك».
- النبى محمد (ص) يصبح «المسيح» بول أترييد.
- محمد (ص) يوحد العرب، وبول أترييد يوحد الرجال الأحرار.
- العديد من الكلمات والمصطلحات المستعارة من اللغة العربية: البقلاوة، القائد، عبأ، علياء، دار الحكمة، العرق، فىء، فدائيين، غنيمة، حج، إخوان بدويين، قبة، جهاد، كرامة، خنجر، مؤدب...إلخ إلخ
مع حضور آيات من كتاب المؤدب بول آترييد الذى اسمه الكامل هو «بول مؤدب آترييد».
لكن الكثيب يستعير أيضا من الأساطير اليونانية (أحفاد أتريديس أتريديس)، اللاتينية (بينى جيسيريت)، اليهودية المسيحية (قادمة من المسيح، أورانج الكتاب المقدس الكاثوليكي).
والسؤال المطروح هو: هل تستطيع الكلمات بمفردها أن تخلق عالما؟ والسؤال الآخر هو: ما الحكاية السرية التى تجمع القراء بالكلمات المفردة؟ الكلمات ذوات الطاقة الخلقية التى تشبه...آيات مستقبلية من كتاب ما قد يكون هو قلب الإنسان.
تنويعات
عن لى فى هذا النص أن أدعو أصدقائى القراء إلى تدوين حكايات خاصة مع الكلمات فى نقطة فلسفية تجمع التخييل إلى التدليل. فقد لاحظت جمهرة محترمة من الفلاسفة أولهم أفلاطون (أو ظهيره الفلسفى سقراط) وآخرها الفيلسوفة الأمريكية الهامة «مارتا نوسباوم»، لاحظوا إمكانية تغذية التفكير فى العلاقات بين الفلسفة والأدب، بدءًا من الفرضية القائلة بأن الأدب يشكل فى حد ذاته، فى التنوع الكبير لإنتاجاته، مجال الخبرات والتفكير الخاص الذى يمكن للفلسفة أن تستغله بطريقة فعالة عندما تسعى لاختبار مفاهيمها أو مراجعة بعض الأسئلة. من ذلك لإجابة السؤال الضروري: يمكن طرح الخطاب الفلسفى داخل الأدب (واللغة) ما الاستخدامات أو الممارسات الأدبية الفلسفية التى تتوافق مع هذا الطموح؟ وما أنواع المعرفة التى تؤدى إليها هذه المواجهات بين الفلسفة والأدب؟
فى الخلاصة سأقول إن لى مع الكلمات علاقات خاصة. 
بعض الكلمات كرهتها قبل أن ألتقى بها: بشر. ميلاد. عودة. موت.ولاية. سلطة. خصوصية. عمق. حرية. انتخاب. اختصار. أبناء. صبر. خرشف. روح. شاعر. بطاقة. مدخول. مؤجل. كرامة. حقوق. سياسة. برقوق.
كلمات كثيرة ظننت لها معانى خارقة للعادة قبل أن أكتشف أنها بسيطة متواضعة ولا تطيق أحلامى اللغوية ولا تطلعاتى المعجمية ولا حتى مزاجى الفلسفي: الحيرة. القشرة. النشوء والارتقاء. أفعى. أهليليجي. مزامير. قلنسوة. ملكوت. تردي. فستق. ربوة. برج. قصب. ندي.إنسان. قطيعة.ألم. حبوب الطلع. براقش. انتقائي. الفصول. جريء. قيروان. جعة. فوانيس. دراق.
كلمات كثيرة تبقى متوحشة وغير قابلة للظهور فى المجتمع: رغبة. موت. هراء. علم. يونس. المعاني. السر الاعظم. قرطاسيه. شقيقة. حفيف. سوأة. ماسورة. نار. سفود. مخمل. شرك وإشراك. جنس. قبلة قبالة. حروف. قلق. براءة. انعتاق. حرف الزاي. حب.
الكلمات النابية أرى لها قوة لا مثيل لها...أراها أرستقراطية فى رفضها الاختلاط بالكلمات الرقيقة المريضة بالسل والمنتمية للطبقات الوضيعة ( ولا حتى هنا!.....).
هنالك كلمات تستعملها دون النظر إليها... كأنها غير موجودة أصلا... تشبه الزوجة المسنة المملة لا نشعر بوجودها إلا أن غابت فى الأعياد: واجب. عربية. كوخ. التاريخ. القرن. طهران. طشقند.الفروسية. عربة. طوابع. رافعة. حسن. تعليق. عرقوب. الضب. الصفن. جالوت. مسند. 
بعض الكلمات تخفيها فى أدراج الحنجرة السرية... نستعملها مرة واحدة فى العمر... أو نخرجها لصيد أجمل امرأة فى العالم... (لا داعى لانتظارها هنا).
يوجد صنف من الكلمات هو نساء طويلات ضامرات الصدر والخصر. حزينات وشعرهن أسود طويل. يختفين بسرعة. ذكيات وقليلات الكلام. سعادة. سوسن. لمياء. لبنى. مريم.. إيناس. نهى. فضيلة. نزيهة. حسناء. عائدة. سارة.
بعض الكلمات تبدو كالأسهم فى البنوك... تعلو وتنخفض باستمرار: الخير. التواضع. العالم. الكون. اجتماع ائتلاف. المصلحة العامة. الاتحاد. التأثير والتأثر. السعر والقصيدة. النصف. الموضوعية. القانون. الديوان. التعليب. التواضع. الهدف. 
بعض الكلمات فى منتصف الطريق بين المومس والباخرة... يحتاج الواحدة فقط إلى أجرة كى يركبها: الرواية. طيب. حكمة. مستقيم. بلاط. جودة. معرفة. لذة. وصول. برنامج. تحقيق. مواصلة. آيس كريم. مخطط. عنف. رفض. حداثة...
كلمات كثيرة تشبه بنتيّ مايا وأريام...كبرت بين أحضاني...كلما عدت فى تاريخى القلبى وجدتها... ويبدو لى أننى لم أوجد إلا لإنجابها: سينما. قصة. سيريالية. ثقب. تفاصيل. قصائد. خيال علمي. ضحك. نحو. كتابة. سيمياء. ثقافة. لعب. كتاب. كناب.كتاب... فلم. موسيقى. فلسفة. تراث. أخلاق. قندورة. بحر.صداقة.حب. تجريب. القيمة. الرقي. الإغريق. 
هذه الكلمات أحبها فى سري... وأعلن أننى غير مبال بها: الدير. قيس. لجية. بِنان. موحش. تفلسف. صمت. رائحة. أظافر. نارنج. ترجمة. رقي. زحام. تدفق. بلاط. نية. سلاف وسلافة وسواليف. كوثر. برنيق. فالج. براءة (أو براوة). الألف. سبانخ.
سيقول قارئ ضيق الصدر: إن هذه الكلمات خاصة جدا كتجارب «شعرية» ولا ترتقى قوائمها المشبعة بالتاريخ الخاص وبالاعتباطية الجمالية إلى جد تشكيل خطاب فلسفي. وسأكتفى بتذكير صاحبنا بقول نيتشه: إن كل فلسفة هى بشكل ما سيرة ذاتية خاصة لعقل ما.
خلاصة القول
اللغة ظاهرة هلامية لأنها تلعب لعبتين فى آن؛ هى تمثل العالم وتخلق عالمها الذى ينتهى إلى نسف العالم وتعويضه كما يقول لودفيغ فيتغنشتاين الذى كان يرى بأن ادعاء اللغة لتمثيل العلم ادعاء فارغ، وأن ادعاء الفكر فهم العالم هو شرط منطقى مستحيل التحقق، لأن الأشياء حبيسة البرامج التى تصنعها، ولأن العالم لا وجود له خارج اللغة التى تقوله، من جهة، فى حين تعجز اللغة عن أن تتواجد خارج اللغة، وهو ما يقود كل حقيقة إلى أن تكون صياغة بلا غاية نهائية، صياغة تشبه اللعب الذى يهدف إلى تحقيق إنجاز بلا غاية خارج الإحالة على قواعده الداخلية. (Ludwig Wittgenstein: tractus logico-philosophicus، trad. P.Klossowsky، Gallimard، Paris، ١٩٦٣، vol١/p٣٥)