البوابة نيوز : "جون" السيسي (طباعة)
"جون" السيسي
آخر تحديث: الجمعة 23/02/2018 09:28 م
وائل الشهاوي وائل الشهاوي
منذ عامين تقريبا جاء فى بعض المواقع الإخبارية خبر عنوانه «غاز إسرائيل فى أوروبا عبر تركيا»، وهو ما صاحبته ضجة كبرى من الثناء والفرحة من أنصار أردوغان وجماعة الإخوان الإرهابية، وصاحبه حديث عن مدى الأرباح والمكاسب الاقتصادية التى ستجنيها تركيا والشعب التركى من وراء هذا الاتفاق، وكيف أنه يبحث عن مصلحة شعبه ورفاهيته، ووصل لاستشهادهم بالسيرة النبوية وكيف أن الرسول (ص) كان بينه وبين اليهود تعاملات اقتصادية، لدرجة أنه مات ودرعه مرهونة لدى تاجر يهودى. 
وفى منتصف العام الماضى أعلنت وزارة الطاقة الإسرائيلية أنها ترغب فى تصدير غازها الطبيعى إلى أوروبا عبر تركيا، وأنهم اتفقوا على الخطوط العريضة للصفقة شاملة مد أنبوب بينهما خلال ثلاث سنوات على أن تنفذه شركات القطاع الخاص بدعم من الحكومتين، حدث هذا فى الوقت الذى تعتبر فيه مصر هى الدولة الوحيدة فى شرق المتوسط التى تملك بنية تحتية لتسييل الغاز، فمصر تمتلك (بشراكة مع شركات إسبانية وإيطالية وإنجليزية) منذ أكثر من ١٠ سنوات محطتين من أكبر محطات إسالة الغاز فى العالم بلغت تكلفة إنشائهما منذ ١٥ سنة ٣.٢ مليار دولار، وقيمتهما الحالية حوالى ١٥ مليار دولار، بالإضافة إلى خطوط أنابيب كبيرة، المحطة الأولى نصيب مصر فيها ٢٠٪ وباقى الـ٨٠٪ مناصفة بين شركتى فينوسا الأسبانية وإينى الإيطالية، أما المحطة الثانية فنصيب مصر فيها ٢٤٪ وشركة غاز فرنسا ٥٪ والإنجليزية بريتش بتروليوم ٧١٪، ولم تكن تعمل هذه المحطات منذ حوالى ٧ سنوات. نعود إلى العام الحالى لنجد أن الشريك الإسبانى لحقل غاز تمارا الإسرائيلى اشترى خُمس إجمالى إنتاج الحقل من الغاز من إسرائيل بصفقة قيمتها ١٥ مليار دولار على ١٠ سنوات عن طريق شركتين أمريكيتين، ووقع عقدا مع شركة دولفينوس المصرية لتقوم باستقبال الغاز الإسرائيلى عبر خطوط الأنابيب المصرية البحرية الموجودة بالفعل منذ عصر الرئيس الأسبق مبارك، وسيتم تحويله فى محطة الغاز المسال فى دمياط وإدكو إلى غاز مسال، ليتم تصديره لأوروبا، أى أن العقود الموقعة ليست بين حكومتى مصر وإسرائيل بل بين الشركة الأمريكية (ومعها شركاؤها الإسرائيليون) وشركة «دولفينوس هولدنج» المصرية وعليه فالحكومة المصرية لن تستورد الغاز من إسرائيل، ولن تدفع مليمًا واحدًا، بل ستحصل على قيمة مرور الغاز فى خطوط الأنابيب المارة بالأراضى المصرية وبالتالى فإن الغاز الإسرائيلى ليس للاستهلاك المصرى.
مرة أخرى مصر ليست بحاجة لاستيراد غاز للسوق المحلية، لأننا سنكتفى ذاتيا من الغاز فى ٢٠١٨ بعد بدء إنتاج حقول ظهر ونورس وأتول، أما الغاز الإسرائيلى فسيتم تسييله وتصديره لمن يريد من الدول الأوروبية، وبعد فترة وجيزة سنستقبل أيضا الغاز القبرصى والغاز اليونانى والغاز اللبنانى لتسييله وإعادة تصديره للخارج، وهذا لأن مصر أصبحت مركزا إقليميا للطاقة باعتراف إسرائيل وأوروبا والعالم كله، حسب كلام وكالة بلومبيرج، ووكالة ستراتفورد، وفوربس، والفاينانشيال تايمز، والإيكونوميست، والذين قالوا إن مصر أصبحت مركزا لتداول وتسويق وتوزيع الغاز الطبيعى المسال فى شرق المتوسط Mediterranean Energy Hub، لذلك ستقوم الشركات المصرية باستيراد الغاز منها، لتتم إسالته فى دمياط وإدكو ثم تتولى الشركات المصرية تصديره للخارج، وهذا هو سبب الإسراع فى إقرار قانون تنظيم الغاز الطبيعي، فمصر فتحت سوق الغاز، وأصبح من حق شركات القطاع الخاص استيراد الغاز من أى طرف من الخارج لاستخدامه فى مشروعاتها الخاصة مقابل دفع رسوم مرور هذا الغاز فى الشبكة المصرية، وليس هذا هو المكسب الوحيد كدولة معبر، ولكن هناك مكسبا آخر وهو تشغيل محطات الغاز المسال التى أنشأتها نفس الشركة الإسبانية.
نخلص من كل هذا أن مصر أصبحت هى حنفية الغاز لأوروبا والمنفذ الوحيد لغاز شرق المتوسط. وبددنا أحلام قطر فى احتكار تصدير الغاز لأوروبا، لذلك من الطبيعى أن تستفز هذه الاتفاقية قطر وتركيا وتجعل وسائل إعلامهما تهيج علينا، لأن الأمر لم يصبح مجرد خلافات سياسية، وإنما نزاع على مصالح اقتصادية فى سوق الغاز وانتقاص من مكانتهما وحصصهما.
إذن.. فالتسمية الحقيقية للاتفاق ليست «مصر تستورد الغاز من إسرائيل»، وإنما «إسرائيل تستأجر البنية التحتية المصرية لتسييل الغاز الإسرائيلى ونقله لعملائها فى أوروبا».
كلمة أخيرة لكل المصريين، تأكدوا أن بلدكم تتحرك وفق رؤية استراتيجية واضحة ومدروسة ولا يوجد بها مجال للصدف، فكل الأحداث التى تمر بنا الآن تثبت أن مصر تملك مشروعا يجعلها فعليا قوة إقليمية ودولية عظمى، والهدوء الذى يتعامل به السيد الرئيس لا يعنى أن الخونة فى مأمن. مصر لم ولن تكون إلا دولة قوية متعافية عصية على الخونة والمتآمرين، لأن فيها جيش قوى كحائط الفولاذ لا يخدم حاكما ولا حزبا ولا تنظيما، إنما جيش الشعب الذى رسم على قلبه وجه الوطن.
حفظ الله مصر وشعبها وجيشها.