البوابة نيوز : القصة الكاملة لحركة "فتح الله كولن" المتهمة بتدبير انقلاب تركيا (طباعة)
القصة الكاملة لحركة "فتح الله كولن" المتهمة بتدبير انقلاب تركيا
آخر تحديث: السبت 23/07/2016 04:28 ص د. أحمد موسى بدوي
رجل الدين التركي
رجل الدين التركي فتح الله كولن
«الخدمة» تمتلك نفوذًا ممتدًا فى أرجاء المجتمع ومتوغلة فى مؤسسات الدولة
لديها مدارس خاصة ومؤسسات خيرية وعناصرها الأكثر ظهورًا فى الوظائف الحكومية والخاصة
مظاهرات ميدان تقسيم كانت بداية الصدام بين «أردوغان» وحليفه السابق

فى أعقاب الانقلاب الفاشل الذى قامت به مجموعات من القوات المسلحة التركية منذ عدة أيام فى تركيا، لم يجد رجب طيب أردوغان وقيادات العدالة والتنمية سوى «جماعة الخدمة» التى أسسها فتح الله كولن، لكى يحملها المسئولية الكاملة عن هذا الانقلاب، وفى صبيحة الليلة الشهيرة، قامت قوات الأمن التركية بعمليات اعتقال وتوقيف ضخمة، طالت كل مؤسسات الدولة، بما فيها ديوان رئيس الجمهورية وديوان مجلس الوزراء، متهمين أعضاء جماعة الخدمة بالتواطؤ مع الخارج لهدم الدولة التركية.
وفى هذا المقال نحاول الإجابة عن سؤال رئيسي: هل تعتبر جماعة الخدمة حركة إسلامية إصلاحية أم إرهابية؟ متبوع بسؤال فرعي: ما سر العلاقة العدائية بين أردوغان بالتحديد وجماعة الخدمة؟ مع التأكيد مبدئيًا على أن كاتب المقال ينطلق من مبدأ رافض لفكرة الانقلاب على النظام الديمقراطى بصفة عامة.
المصلح الدينى الكردى
المصلح الدينى الكردى بديع الزمان سعيد النورسى
الحركة الإسلامية في تركيا
يحلو للبعض - بقصد ودون قصد - أن يصف أردوغان بأنه مهندس الصحوة الإسلامية فى تركيا، بعد تفوقه وتجاوزه لإنجاز أستاذه نجم الدين أربكان، والحقيقة أن كليهما يجنى ثمرات حالة تاريخية تمر بها تركيا، منذ إعلانها دولة علمانية فى عام ١٩٢٨ - حالة أسس لها المصلح الدينى الكردى بديع الزمان سعيد النورسى (١٨٧٧-١٩٦٠) الذى ناضل من أجل الحفاظ على الهوية الإسلامية للأتراك وقت ازدهار دولة أتاتورك.
لم يكن سعيد النورسى، حالمًا باستعادة الخلافة الإسلامية، مقارنة بهدف حسن البنا عند تأسيس جماعة الإخوان، وإنما كان حالما باستعادة الهوية الإسلامية لتركيا، فى وقت خربت فيه المساجد وهجرت، وحرمت السلطات على الأتراك المجاهرة بممارسة العبادات، ومنعت تدريس اللغة العربية وتحفيظ القرآن، وتعقبت بالسجن والتنكيل كل رجال الدين، هى حالة لم تعشها أى دولة غالبية سكانها من المسلمين تحض على المقاومة بكل أشكالها دفاعا عن العقيدة والهوية الدينية، فكيف كان منهج النورسى، والذى طوره بعد ذلك فتح الله كولن كما سنرى بعد قليل.
فى سبيل الحفاظ على الهوية الإسلامية للأتراك قضى النورسى عمره بين السجن والنفى وتحديد الإقامة، واللافت للانتباه والإعجاب فى ذات الوقت، أنه رغم كل ذلك لم يدع مطلقًا إلى حمل السلاح فى وجه الدولة العلمانية، وحرم على أتباعه وتلاميذه ومحبيه العمل بالسياسة تحريمًا مطلقًا، وكان دائم الترديد لشعار (أعوذ بالله من الشيطان والسياسة)، وعجزت السلطات التركية عن إثبات تهمة واحدة عليه، فاكتفت باستمرار سجنه ونفيه بلا تهمه، حتى بعد وفاته لم يسلم جسده من المعاناة، فقد أصرت السلطات التركية على نقل جثمانه بعد الدفن بأيام إلى مكان غير معلوم. على أى حال، انشغل سعيد النورسى، بتأليف رسائل النور، مستغرقًا فى ذلك نصف قرن من عمره، وكان يكتبها طلابه، وينسخونها فى سرية تامة، ثم يتم توزيعها فى أرجاء تركيا بعيدًا عن أعين الأمن، جددت هذه الرسائل الدين الإسلامى بوسطيته وعدم تناقضه مع الحضارة الحديثة، وصارت هذه الرسائل وحتى الآن المصدر الرئيسى للمعرفة الدينية فى تركيا. لا علاقة لهذه الحركة من حيث المنهج والأهداف بالحركات والتنظيمات الدينية فى العالم العربى.
القصة الكاملة لحركة
تطور الحركة النورية
تغيرت الأحوال السياسية فى تركيا فى سبعينيات القرن الماضى، وسمحت السلطات بالنشاط الدينى فى حدود ضيقة وصارمة يرسمها القانون، واستغلالًا لهذه الانفراجة السياسية، أسس طلاب ومُحبو النورسى العديد من المؤسسات الخيرية لنشر تعاليم النورسى ورسائله، وجميع هذه المؤسسات تحافظ بصورة أو بأخرى على وصية النورسى لطلابه بعدم الاشتغال بالسياسة، فلا يسمح لأعضائها، بالترشح فى أى انتخابات، من أى نوع، كما أن هذه المؤسسات لا تدعم بصفتها الاعتبارية أى مرشحين من أى نوع، فتحولت لهذا السبب إلى مؤسسات تمنح الدعم المعنوى والفعلى للأحزاب الإسلامية، دون أن تضطر هذه الأحزاب إلى دفع ثمن سياسى مقابل هذا الدعم، لذلك فقد شكلت هذه المؤسسات، قوة ناعمة ذات تأثير عميق وممتد فى المجتمع التركى، وليست جماعة فتح الله كولن، سوى واحدة من هذه المؤسسات.
ومن هنا نؤكد للقارئ أن الحركة النورية (نسبة لرسائل النور التى ألفها النورسي)، كتب لها البقاء والازدهار ولم تمت بعد موت مؤسسها.
وأصبحت حركة اجتماعية كاملة الأركان، وفقا لنظرية تشارلز تلى، لأنها استوفت مقومات قيام الحركة الاجتماعية بشروطها الثلاثة المتمثلة فى:
(١) وجود مجهود عام مستدام ومنظم لتحقيق الفكرة الإصلاحية الدينية، يسميه تلى «الحملة المستمرة».
(٢) وجود أشكال متنوعة من الممارسات والمؤسسات الداعمة (جمعيات، تحالفات، مواكب ثقافية، خدمات، ظهور إعلامي.. إلخ) كل هذه المظاهر وغيرها يسميها تلى «ذخيرة الحركة الاجتماعية».
(٣) تَجَسُّد فكر الحملة فى صورة أفراد يتميزون بخصائص متشابهة هي: الجدارة، الوحدة، الزخم، الالتزام.
غير أنها لم تعد حركة واحدة أيضا، ولكنها انقسمت إلى عدد كبير من الحركات على رأس كل منها تلميذ أو أكثر من تلاميذ النورسى فيما بينها تنافس وأحيانا صراع، ولكنها جميعا تحتفظ بصورة أو بأخرى بروح سعيد النورسى وأفكاره التنويرية الدينية المعتدلة ما يجعلها تملك دون شك نفوذًا ممتدًا فى جميع أرجاء المجتمع التركى، وفى كل مؤسسات الدولة، بالإضافة إلى ما تمتلكه هذه الحركات من مؤسسات خيرية وأوقاف للصرف على التعليم والخدمات الاجتماعية والثقافية.
فتح الله كولن
فتح الله كولن
جماعة الخدمة
فتح الله كولن (خوجة أفندي): رجل دين إصلاحى من مواليد عام ١٩٤٢، وأحد أتباع العلامة سعيد النورسى، يتمتع بثقافة واسعة ولديه قدرة غير محدودة على التفكير الإبداعى، حمل على عاتقه منذ انشغاله بالعمل العام فى تركيا نقل تعاليم سعيد النورسى إلى العالم بطريقة مبتكرة، تثبت قدرة الإسلام على التشكيل الحضارى، تقوم فلسفة فتح الله كولن على إيجاد مجتمع إسلامى ملتزم، لكن فى الوقت نفسه متلهف للمعرفة والتكنولوجيا الحديثة والتقدم.
واليوم يقترن اسم فتح الله كولن بمصطلح الإسلام التركى المستنير أو المعتدل، إذ حاول كولن مع مؤيديه تأسيس حركة دينية سياسية اجتماعية حديثة تمزج الحداثة بالتدين، ووضع الإسلام والقومية والليبرالية فى بوتقة واحدة.
بعد الانقلاب العسكرى بقيادة كنعان افرين، عام ١٩٨٠، والقرارات التى اتخذتها الحكومة العسكرية فيما يتعلق بتحرير الاقتصاد وخصخصة الإعلام وإتاحة حرية عمل أكبر للمنظمات المدنية، بما فى ذلك الجماعات الدينية، بدأت الحركات الدينية ذات الأصول النورية تزدهر، وعلى رأسها حركة الخدمة التى أسسها فتح الله كولن، مركزًا اهتمامه على قطاع الثقافة والتعليم، فأسس العديد من المدارس الخاصة، يقدم فيها تعليما راقيا عالى الجودة، تفوق على التعليم الحكومى بدرجة ملفتة، ولم يمض وقت طويل حتى كان خريج مدارس الخدمة هو الأكثر حظًا فى التعليم الجامعى، والأكثر طلبًا فى سوق العمل الحكومى والخاص على حد سواء.
لم يكتف كولن بقطاع التعليم، لأنه يمتلك مبادرة حضارية شاملة، فقام بتأسيس مجموعة من المؤسسات الاقتصادية الناجحة فى مجال النشر ووسائل الإعلام المختلفة، وانطلاقًا من النجاح الداخلى توسعت جماعة الخدمة خارجيًا فأسست مدارس لها فى أوروبا والولايات المتحدة وأستراليا وآسيا الوسطى، بالإضافة إلى شركات اقتصادية ناجحة. ثم أسس (بنك مشاركة) فى عام ١٩٩٠ برأسمال تركى ١٠٠٪ على غرار بنك الفقراء الذى أسسه محمد يونس فى بنجلاديش.
وحافظ كولن على شعار النورسى، فلم يحترف السياسة ولم تؤسس الجماعة لنفسها حزبا سياسيا، ولو فعلت لكانت فى سدة الحكم منذ زمن بعيد. فكل التطور الذى لحق بحركة كولن حدث قبل أن يكون للأحزاب السياسية الإسلامية وزن حقيقى على المسرح السياسى التركى، ما يجعلنا نؤكد أن النموذج الناجح الذى قدمته جماعة الخدمة كان من أهم العوامل التى جذبت الناخب التركى للتصويت للأحزاب الإسلامية بعد ذلك.
ونتوقف هنا مع القارئ لتأمل نشاط فتح الله كولن الاجتماعى والثقافى والاقتصادى، وكيف أثمر هذا النشاط فى تنشئة جيل جديد من الإسلاميين الأتراك القادرين على فهم مشكلات العالم المعاصر، متسلحين بالعلم والثقافة المطلوبين، وهو الجيل الذى أسهم بدور كبير بعد ذلك فى نهضة تركيا الاقتصادية، وهو نفس الجيل الذى يعتلى أعلى المناصب فى كافة المؤسسات التركية الآن. ومن هنا يكتشف القارئ سر الوصف الاعتباطى - المناقض للحقائق والوقائع - الذى أطلقه أردوغان على جماعة الخدمة بأنها كيان مواز، وأغلب الظن أن الأعداد الضخمة التى تم توقيفها عن العمل بعد الانقلاب هم من خريجى مدارس الخدمة، ومن العاملين فى مؤسسات الخدمة المتنوعة.
القصة الكاملة لحركة
تأثير النورية في السياسة
دون شك، فإن جميع الأحزاب الإسلامية التركية، التى بدأت فى الظهور فى مطلع السبعينيات، اكتسبت قوتها، من مصدر وحيد وهو أتباع الحركات الاجتماعية النورية، ما يعنى أن منح القوة السياسية لهذا الحزب أو ذاك، يمر بطريقة غير مباشرة عبر هذه الحركات المنتشرة فى كل بقاع تركيا، وعلى رأسها جماعة الخدمة. وأن أردوغان ومن قبله أربكان، هما من صنع هذه القوة الناعمة. والمتأمل فى تأسيس الأحزاب الإسلامية وحلها، فى التاريخ السياسى التركى، يتبين أنه لا يهم اسم الحزب ولا من يرأسه، فكل حزب له توجه إسلامى فى تركيا، سوف يظهر مؤقتا ثم يختفى، وفى كل ظهور جديد هناك دائما قوة شعبية تقف خلفه، على النحو التالي:
(١) حزب النظام الوطنى (١٩٧٠-١٩٧١): كان الحزب الإسلامى الأول فى تركيا الجمهورية، الذى دعا إلى اعتماد الإسلام فى سياساته، أسسه نجم الدين أربكان، وعقد الحزب مؤتمره الأول فى فبراير ١٩٧٠، ولكن لم يلبث أن أحيل مؤسسه لمكتب المدعى العام فى عام ١٩٧١، لمحاكمته بتهمة استغلال الدين لتحقيق أهداف سياسية، ومن أهم برامجه إعادة تأسيس وتشجيع التعليم الدينى فى كل المدارس التركية.
(٢) حزب السلامة الوطنى (١٩٧٢-١٩٨٠): أسسه ١٩ شخصا، ارتبط أغلبهم بحزب النظام الوطنى المنحل، وانتشر الحزب سريعا فى ٦٧ منطقة بتركيا، بفضل الحركات الاجتماعية النورية، وكارزمية أربكان، فنجح الحزب الوليد فى الحصول على ٤٨ مقعدا من ٤٥٠ فى الانتخابات البرلمانية عام ١٩٧٣، وفى عام ١٩٨١ قامت السلطات العسكرية بحل الحزب.
(٣) حزب الرفاة (١٩٨٣-١٩٩٨): أسسه على تركمان، بعد حظر نشاط نجم الدين أربكان وآخرين، ولكن بعد رفع الحظر فى عام ١٩٨٤ عاد أربكان رئيسا لحزب الرفاة، وشهد المجال السياسى التحول الكبير فى انتخابات ١٩٩٦ حين حصل حزب الرفاة على ١٥٨ مقعدًا من أصل ٥٥٠، ما جعله أقوى الأحزاب وسمح لزعيمه، أن يصبح رئيسًا للوزراء. وفى ١٩٩٧ أخرج الجيش أربكان وحزبه خارج الحكومة، ثم فى يناير ١٩٩٨ قامت المحكمة الدستورية بحل الحزب.
(٤) حزب الفضيلة (١٩٩٨-٢٠٠١): قام أعضاء حزب الرفاة المنحل، بتأسيس حزب الفضيلة، وترشح عدة أسماء لرئاسة الحزب الجديد، من بينهم رجب طيب أردوغان وعبدالله جول، واختار الأعضاء رجائى طوقان رئيسًا للحزب فى ديسمبر ١٩٩٨. وتم حل الحزب فى يونيو ٢٠٠١. بتهمة تهديد النظام العلمانى فى تركيا.
(٥) حزب العدالة والتنمية (٢٠٠١- ): بعد حل حزب الفضيلة، انقسم الأعضاء إلى فريقين: الأول يسير على النهج الأربكانى، وبدأ إجراءات تأسيس حزب السعادة. أما التيار الثانى من حزب الفضيلة المنحل، فيضم الجيل الجديد من السياسيين الإسلاميين، وعلى رأسهم عبدالله جول ورجب طيب أردوغان، وأسست هذه المجموعة حزب العدالة والتنمية، واعتلت سدة الحكم حتى اللحظة الراهنة. كل هذه المحاولات، ما كان لها أن تستمر، فى ظل هذا المناخ السياسى العجيب، إلا إذا كانت هذه الأحزاب ضامنة فى كل مرة ظهور وتأسيس، أن هناك قوة اجتماعية تؤازرها، وهى الحركات الاجتماعية النورية، وعلى رأسها حركة جماعة الخدمة.
مظاهرات ميدان تقسيم
مظاهرات ميدان تقسيم 2013
العدالة والتنمية وجماعة الخدمة
جماعة الخدمة بطبيعة تكوينها تمتلك مبادرة حضارية شاملة، وقدرات كبيرة على تفعيل هذه المبادرة على الأرض داخل وخارج تركيا، ما جعلها تحظى بالقبول الاجتماعى والثقافى الواسع، وأصبحت بحق قوة ناعمة غير قابلة للاحتواء، وتمثل التعبير الحقيقى عن الحس المشترك الإسلامى فى تركيا، ومن المؤكد أن قيادات العدالة والتنمية على يقين بهذه الحقيقة. ومن المعلوم أن الحزب فى بداية حكمه استعان بفتح الله كولن وكوادر الخدمة فى رسم السياسات التعليمية والثقافية التركية، لكن المشكلة أن الحزب أراد احتواء ما لا يمكن احتواؤه، فإما أن تكون جماعة الخدمة مؤيدة تأييدا مطلقا للحزب، أو يتم التنكيل بها ووصفها تعسفيا بالمنظمة الإرهابية، هى استراتيجية خاطئة فى التعامل مع حركة اجتماعية إصلاحية تنموية، أدت إلى تسميم الحياة السياسية فى تركيا، والواقع أن رجب طيب أردوغان يتحمل مسئولية تاريخية تجاه شيطنة جماعة الخدمة، عبر أربع وقائع متعاقبة.. كيف ذلك؟
(١) تمثل مظاهرات ميدان تقسيم فى شهر مايو من عام ٢٠١٣ بداية توتر العلاقة بين أردوغان والقوى السياسية والاجتماعية التركية، ومن بينها جماعة الخدمة، فقد اعتادت تلك القوى على الاحتفال السنوى بعيد العمال فى هذا الميدان منذ سنوات طويلة، وتعكس فعاليات الاحتفال بشكل كبير موقف الأتراك من النظام الحاكم، وعلى خلفية ربيع الميادين العربية، قررت حكومة أردوغان القيام بعدة مشروعات لتغيير معالم الميدان لمحو رمزية الميدان فى الحياة السياسية التركية. فضلًا عن ظهور أردوغان فى نهاية مدته كرئيس للوزراء بمظهر الحاكم بأمر نفسه.
تعاملت الشرطة بعنف مفرط مع المتظاهرين، ما أدى إلى اندلاع المظاهرات فى مدن تركية أخرى، وهنا يحاول أردوغان الخروج من الورطة، باستحضار العدو الداخلى حينما اندفع فى اتهام فتح الله كولن مؤسس جماعة الخدمة بتدبير أزمة ميدان تقسيم، مدعيًا أن قوات الأمن التى تعاملت بعنف مفرط مع المحتجين هم من أنصار كولن، الذين يسيطرون على مواقع مهمة داخل قوات الشرطة التركية، وعلى إثر ذلك قام بالتخلص من مئات القيادات الأمنية.
(٢) بعدها بشهور قليلة استطاعت الشرطة التركية وهيئة الادعاء العام الكشف عن مجموعة قضايا فساد كبيرة تورط فيها وزراء ومسئولون وأبناء مسئولين متنفذين فى الدولة وامتدت لتطال أسرة أردوغان. ومرة أخرى يستحضر أردوغان العدو المصطنع مندفعا نحو اتهام جماعة الخدمة بالسيطرة على القضاء. ولا يمل أردوغان من ترديد مقولة الدولة الموازية. وحاول بشكل سافر، التغطية على هذه الجرائم وعدم الاعتراف بها.
(٣) عاد أردوغان وقبيل الانتخابات البرلمانية عام ٢٠١٥ وطمعًا فى الحصول على أغلبية مطلقة تتيح له تغيير الدستور والتحول إلى النظام الرئاسى، وقام بشن حملة ضارية وهجوما شرسا على الجميع، متهما حزب الشعب وجماعة الخدمة وحزب الشعوب الديمقراطى، بالتواطؤ معًا من أجل تدمير الهوية الإسلامية لتركيا، ووقف مشروع تركيا المستقبل. يحاول أردوغان التشويش على الرأى العام، واستغلال سطوة الحزب وسطوته الشخصية مدعيا احتكار الوطنية لنفسه كقائد ولحزبه كتنظيم سياسى، موزعا الاتهامات الجزافية على الجميع. كما حدث فى مسألة الأكراد الأتراك، وكيف حولهم من فصيل نجح فى الاندماج فى الحياة السياسية التركية، بعد حصول حزب الشعوب على ٧٩ مقعدًا فى البرلمان التركى، إلى قوة سياسية تواجه الاعتقال والتوقيف، ولا نريد التوسع فى الحديث عن الأزمة الكردية فى تركيا حتى لا يخرج المقال عن سؤاله الرئيسى.
(٤) بمجرد الإعلان عن الانقلاب الفاشل، سارعت قيادات الحزب فى اتهام جماعة الخدمة، وألصقوا بها تهمة جديدة استغلالًا لتوحد الشعور التركى الرافض للانقلاب، وهى تهمة تنفيذ مؤامرة خارجية على تركيا. وباشرت السلطات تنفيذ حملة اعتقالات وتوقيف طالت عشرات الآلاف من الموظفين، فى الشرطة والجيش والقضاء والمخابرات والتعليم والمالية، بالإضافة إلى غلق مئات المؤسسات التعليمية والإعلامية، حملة لم يشهد لها مثيل فى أى نظام سياسى على مستوى العالم، ولا يمكن منطقيًا أن تكون كل هذه الأعداد جزءًا من الانقلاب أو داعمة له، لأنهم ببساطة لو كانوا كذلك لدعموا الانقلاب شعبيًا من أول لحظة ولتغير الموقف تمامًا.
نستخلص مما سبق أن جماعة الخدمة، لا يمكن وصفها بالتنظيم الإرهابى، لأنها جزء أصيل من مكونات المجتمع التركى، ولها دور تنموى بارز فى مختلف المجالات، ولا يعنى اختلافها سياسيا مع الحزب الحاكم أو معارضتها لطموحات رجب طيب أردوغان أن تتحول إلى منظمة إرهابية، ولا شك أن الانقلاب الفاشل وما تلاه من قرارات خارج إطار القانون والعرف معًا، لن تضع تركيا على مسار الاستقرار الذى نتمناه للشعب التركى.