رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
عبدالرحيم علي
رئيس مجلسي الإدارة والتحرير
عبدالرحيم علي

سياسة

طالبان أفغانستان وباكستان.. توأمة النشأة وافتراق المصير

حركة طالبان- أفغانستان
حركة طالبان- أفغانستان
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق google news

نشأت حركة طالبان، بقيادة الملا محمد عمر، عام 1994، على إثر التطورات الناشئة عن الحرب الأهلية الأفغانية، حيث تمركزت في المنطقة الحدودية بين أفغانستان، وباكستان، وكان من بين أهدافها مواجهة وإسقاط حكومتي البلدين، وهو ما دفع الجيش الباكستاني إلى التوغل في معركة ضارية ضد مكونات الحركة، الأمر الذي أدى لنشأة جناح لها مختص بالهجوم والضغط على الحكومة الباكستانية، منذ عام 2007، بعد أن اتحد نحو 13 فصيلا متطرفا، تحت راية قائد واحد هو بيت الله محسود.
الاتفاق الفكري والعقائدي بين جناحي طالبان، الذي استمر حتى السنوات الأخيرة، كان من المفترض أن يتبعه اتفاق في المصير، لكن التطورات الحاصلة، ولا سيما في السنوات العشر الأخيرة، تشير إلى اختلاف جذري في مصير الفريقين.
فبينما تتجه طالبان أفغانستان إلى التحول لنظام حكم يدير دولة كاملة الأركان، تبقى طالبان الباكستانية جماعة إرهابية مطاردة محليا وإقليميا ودوليا، وهو ما يطرح سلسلة من التساؤلات، أهما: ما السبب الرئيس وراء اختلاف مصير طالبان الأفغانية عن نظيرتها الباكستانية على الرغم من اتفاقهما في النشأة والأهداف والعقيدة؟ 
وأيضا هل ستستقر الأمور بطالبان الأفغانية كنظام حكم، وتبقى الباكستانية كيانا مطاردا، أم هناك احتمالات أن تعود طالبان الأفغانية كيانا مطاردا مرة أخرى؟ وهل تستطيع طالبان الباكستانية تحقيق مكاسب تصل بها إلى الحكم أو حتى تجعلها كيانا معترفا به؟
وتبدو إجابة هذه الأسئلة ضبابية في ظل التوتر المتصاعد حاليا، بين السلطات الباكستانية وحركة طالبان الأفغانية، بسبب اتهام إسلام أباد لطالبان الأفغانية، بأنها تتعمد ترك الحدود مستباحة لحركة عناصر طالبان الباكستانية.
وتتنامى في هذه الأثناء، داخل باكستان نبرة تطالب بالتحرك عسكريا على الحدود، لضرب الملاذات التي توفرها طالبان أفغانستان لنظيرتها الباكستانية، طبقا لرؤية إسلام أباد. 
المبرر الرئيس للغضب الباكستاني ينبع من تصاعد الهجمات التي تشنها حركة طالبان باكستان، ضد قوات الأمن الباكستانية، على مدار الأشهر الثمانية منذ استيلاء طالبان على السلطة في كابول خلال أبريل 20222.
وبالفعل شن الجيش الباكستاني غارات جوية منسقة داخل الأراضي الأفغانية على مواقع، وهو ما ردت عليه طالبان باستدعاء مبعوث إسلام أباد في كابول، وتهديده بالانتقام في حالة وقوع مزيد من الهجمات، التي قالت طالبان الحاكمة في أفغانستان، أنها أسفرت عن قتل مدنيين.
الرد الباكستاني جاء سريعا إذ أكدت إسلام أباد أنها سترد على استخدام الجماعات الإرهابية للأراضي الأفغانية في تهديد الأمن الباكستاني، وأنها قد تنخرط في عمل عبر الحدود مرة أخرى، للحفاظ على أمنها. 
وعلى الرغم من أن المسئولين الباكستانيين، قضوا الأشهر الأولى لاستيلاء طالبان على الحكم في أفغانستان، وهم يطالبونها سرا بالتدخل للحد من حركة نظيرتها الباكستانية على الحدود، فإنهم كانوا يقللون في العلن من أهمية الموقف، ومن تبعات النهج السياسي لطالبان الأفغانية تجاه هذه القضية.
هذا التحرك الباكستاني غير المنسق، دفع طالبان الأفغانية إلى الرد بأنه يتعين على باكستان معالجة ما أطلقت عليه "مظالم حركة طالبان باكستان"، بل عرضت التوسط في محادثات بين الطرفين لإنهاء الصراع بينهما، إذ لم تجد طالبان الأفغانية، داعيا للقبول بفكرة الضغط على نظيرتها الباكستانية، لصالح إسلام أباد، خاصة أن الأخيرة لم تقدم أي منافع لطالبان الأفغانية يمكن أن تحصل عليها مقابل مساندة السلطات الباكستانية ضد الحركة النشطة على الحدود بين البلدين.
ومع فقدان باكستان الأمل في أن تحظى بدعم طالبان أفغانستان، لجأت إسلام أباد إلى الولايات المتحدة الأمريكية، للحصول على الدعم السياسي المطلوب، وهو ما تجلى فعليا في قرار واشنطن بإضافة حركة طالبان باكستان إلى قائمة الجماعات الإرهابية العالمية. 
من جهتها شنت حركة طالبان باكستان هجومًا أطلقت عليه اسم "البدر"، وهو أكبر هجوم للمتمردين على باكستان في السنوات الأخيرة، وهو ما دفع باكستان إلى استخدام القصف الجوي بالطائرات المقاتلة، لتجعل من أماكن تمركز طالبان باكستان على الحدود، ملاذات غير آمنة، على أمل ردعها عن المزيد من الهجمات داخل أراضي باكستان.
الهجوم الباكستاني الجوي على تمركزات حركة طالبان باكستان، يمثل رسالة للحركة في أفغانستان، مفادها أن إسلام أباد قادرة على إثارة أزمة على الحدود، وأن الحركة الحاكمة في كابول إن كانت تشعر بالأمان لأن طالبان باكستان لن توجه إليها هجوما في ظل التنسيق بينهما، فإن الإضرار بأمن الحدود قد يأتي من إسلام أباد نفسها.
ويرى الدكتور فتحي العفيفي، أستاذ الفكر الاستراتيجي بجامعة الزقازيق، أن التحركات الباكستانية لن تفضي إلى تحقيق أهداف إسلام أباد.
وقال: "باكستان تريد أن تصدر شعورا بالخطر إلى طالبان الأفغانية، الأمر الذي يدفع الأخيرة للتدخل والضغط على طالبان باكستان للتوقف عن استفزاز إسلام أباد، حتى لا تتفاقم الأوضاع على الحدود".
وأضاف: "هذا لن يحدث غالبا لأن التوافق الأيديولوجي في الأفكار والأهداف بين طالبان الأفغانية والباكستانية، لا يمكن كسره".
وتابع: "كما أن طالبان أفغانستان ترى أن الخلاف مع باكستان يمكن حله، لأنها في النهاية دولة مؤسسية، تخضع للقانون الدولي ولقواعد السياسة المعروفة، في حين أنها لن تجازف باستثارة العداوة مع طالبان باكستان، التي يمكن أن تسبب متاعب خطيرة داخل أفغانستان بحكم تحركاتها العشوائية وأسلوبها العنيف في تنفيذ الهجمات الإرهابية، خاصة مع وجود تنظيم داعش الذي يتمنى أن تتحرك طالبان الباكستانية داخل أفغانستان لفتح جبهة جديدة تعزز موقفه.