الخميس 29 سبتمبر 2022
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
عبدالرحيم علي
رئيس التحرير
داليا عبدالرحيم
رئيس مجلسي الإدارة والتحرير
عبدالرحيم علي
رئيس التحرير
داليا عبدالرحيم

آراء حرة

تخلي وتحلي.. التصوف في زحام العلوم

تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق google news

يتساءل الكثير عن ما إذا كان التصوف علم ندرسه في الكتب أم عمل نمارسه في الحياة، وقد يختلط عليهم الأمر في كثير من الأحيان نتيجة الأفكار والشائعات التي يتعرضون لها من المعترضين علي هذا المذهب، وفي هذا الأمر نقول أن التصوف علم وعمل بالأدلة والبراهين الشرعية والكونية معًا، فعند النظر إليه من زاوية العلم نجده اشتمل علي كل الأركان التي تجعله علم ويمكن دراسته أيضًا.
وإطلاق كلمة علم علي محتوى معين أمر ليس سهلا، ووجب قبل إطلاقها التحقق أولًا من توافر كافة الجوانب التي تؤهله لذك، وفي هذا المقال سوف نتناول بعض من هذه الجوانب والأركان، كل علم يحتاج إلي إدراك، والإدراك يعني حدوث صورة الشيء في الذهن، والشيء إما أن يكون مفرد أو مركب، لذلك قسمه العلماء إلي نوعين هما تصور وتصديق، الأول للمفرد والثاني للجملة المفيدة، وكل علم لابد من وجود مصطلحات ومسائل له، وهنا نقصد العلوم الشرعية، كل هذا موجود في التصوف كعلم.
أي علم لا بد أن تشتمل أركانه على مبادئ العلوم العشر، والمبدأ في اللغة هو مصدر ميمي يصلح للدلالة علي المكان والزمان والحدث، وهم يشيرون إلي مكان البدء ونفس البدء "الحدث" وزمان البدء، وقبل تعلم أي علم يجب أن نبحث فيمن ألفه ونقول أن واضع هذا العلم هو فلان حيث أنه في بعض الأحيان يأخذ العلم في التطور والاستقرار وفي التأليف البسيط حتي يأتي شخص يُألف فيه شيئًا فيحوله من مجرد أفكار متناثرة إلى علم.
وإذا بحثنا عن أول من وضع علم التصوف نجد أن البعض يقول إنه الحكيم الترمزي والبعض الآخر يقول أبو عبدالرحمن السلمي حيث أنه ألف طبقات الصوفية، وهناك من يقول إنه الإمام عبدالكريم القشيري، كل هذه الآراء جائزة إلا أننا إذا قرأنا للحكيم الترمزي ولأبو عبدالرحمن السلمي نجد شذرات هنا وهناك بخلاف الإمام القشيري الذي ألف الرسالة القشيرية التي شملت كل جوانب علم التصوف.
وعن تعريف التصوف، ذكر أبو نعيم الأصبهاني في حلية الأولياء أكثر من 800 تعريف للتصوف منها أنه علم اهتم بدراسة مرتبة الإحسان الذي ذُكر في حديث جبريل كما في حديث جبريل فإنه سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الإسلام فقال‏:‏ «‏الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلًا‏»، وسأله عن الإيمان فقال‏:‏ ‏«الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره‏» (‏رواه الإمام مسلم في ‏‏صحيحه‏) من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه‏ وهو جزء من حديث جبريل الطويل‏‏‏.‏
وأهداف التصوف هي أنه يعلمنا كيف ندرس مرتبة الإحسان وكيف يعبد العبد الله كأنه يراه، وكيف نستطيع أن نصل إلى هذه الدرجة العالية في التعامل بيننا وبين الله سبحانه، وكأن جبريل نزل خصيصًا بأمر إلهي لتعريف المسلمين بهذه المرتبة، حيث أن الصحابة كانوا لا يسئلون النبي بموجب النهي عملًا بالآية الكريمة « يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم »، وفي الآية الأخرى « قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِّن قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ»، فلم يسأل الصحابة النبي سوى 13 سؤال وجاءت كلها في القران الكريم مثل ويسألونك عن المحيض.... إلخ، والأصل عدم السؤال، كما قال ابن عباس "كان الصحابة يقولون كنا نحب الأعرابي العاقل يأتي فيسأل الرسول فنتعلم"، وقال صلي الله عليه وسلم "اتركوني ما تركتكم فإنما أهلك الذين من قبلكم كثرة أسئلتهم لأنبيائهم ثم أصبحوا بها كافرين".
ولعلم التصوف موضوع كسائر العلوم، وموضوع العلم هو ما يُبحث فيه عن عوارض ذلك الموضوع الذاتي، بمعني انه علي سبيل المثال الفقه موضوعه (فعل مُكلف) مثل الصلاة والصوم والسرقة وغير ذلك، كل هذا نأتي به ونبحثه فالصلاة واجبة والسرقة حرام، وكلها أفعال وعنما نصفها نقول: واجب، مباح، حرام، وعلى هذا نقول أن أي فعل من أفعال البشر له حكم، وذلك بالنسبة للعلوم الشرعية، وعندما نعطى مثال في العلوم الأخرى مثل الطب، فموضوع علم الطب هو جسد الإنسان من حيث الصحة والمرض، يمرض بكذا ويصح بكذا، أما موضوع علم التصوف هو أعمال القلوب، مثل أن الكبر عمل من أعمال القلب لكنه مكروه، أما الحب فهو محبوب، فهو يوصل إلي مرتبه الإحسان بعد التخلي عن القبيح والتحلي بالصحيح، ويتم تصنيفه من العلوم الشرعية لدراسته أعلي مراتب الوصول إلي الله وهي الإحسان.
وعن مصدر التصوف نجد أنه اُستمد من الكتاب والسنة كما قال الإمام الجنيدي " طريقنا هذا لابد أن يكون مقيد بالكتاب والسنة"، ونستمد الجانب العملي من التجربة الإسلامية الإنسانية، فالصحابة ذكروا الله وحدثت لهم أحوال، فعبادة ابن الصامت كما جاء في صحيح البخاري كان يسمع سلام الملائكة، فعندما نظر لحالة عبادة نجد أن مصدرها من الكون وليس من الشريعة، فليس في الشريعة أن من يذكر الله يسمع سلام الملائكة، وعندما اكتوى عبادة ابن الصامت لم يسمع سلام الملائكة، ولما ترك الكي بدأ يسمعه من جديد.
اعتماد التصوف على التجربة الإنسانية الإسلامية مبني علي أن الشرع الحنيف جعلنا نأخذ أحكام الشريعة من الوحي ومن الوجود معًا حتي يكون هناك دليل، فقال سبحانه «اقرأ باسم ربك الذي خلق» فهنا أشار رب العزة إلي الكون، ثم رجع فقال «اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم» وهنا يشير إلي الوحي، فهنا مصادر المعرفة تكون الوجود والوحي لأن الكون والقرآن صدرا من الله والكون من عالم الخلق أما القرآن من عالم الأمرفهو غير مخلوق ولا يختلفان أبدًا لأن المصدر واحد وقال سبحانه «ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين».
وعن جانب العمل نقول أن العلم يكون مقابله العمل، فقال صلي الله عليه وسلم «من عمل بما عمل أورثه الله علم مالم يعلم»، ويقول رب العزة سبحانه «واتقوا الله ويعلمكم الله»، فلو أننا تعلمنا فقط ولم نطبق هذا العلم ونترجمه لعمل كان ذلك خللًا، فلا بد بعد العلم أن يكون العمل.