الأربعاء 10 أغسطس 2022
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
عبدالرحيم علي
رئيس التحرير
داليا عبدالرحيم
رئيس مجلسي الإدارة والتحرير
عبدالرحيم علي
رئيس التحرير
داليا عبدالرحيم

آراء حرة

كان زمان وجبر (2-2)

تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق google news

 

.. ويوما ما، وقف المشايخ ضد المطبعة وكأنها رجس من عمل الشيطان!!.. وأصدر مشايخ الأزهر فتوى عام 1515 بتحريم الطباعة كان عنوانها: -- "رسالة تحذير من الكتب المطبوعة وبيان أنها تسبب تقليل الهمم وهدم حفظ العلم ونسيانه"!! 

وقد تسبب هذا الموقف الغريب فى تأخر دخول المطبعة للعالم الإسلامى قرنين ونصف من الزمان، كانت أوروبا خلالها قد تقدمت كثيرًا وخرجت من الظلمات إلى النور، بينما استمر العالم الإسلامى سابحا فى بحار الجهل والخرافة !!

وفى عام 1819 أصدر الأزهر فتوى أخرى قال فيها:-- "إن طباعة المصحف فى المطبعة حرام، ومن يطبعه كافر وعقوبته القتل!!.. وذلك لسببين (1) مواد الطباعة نجسة ولكن القرآن طاهر!! (2) لا يجوز شرعا ضغط كلمات الله بالآلات الحديدية !! 

وبسبب هذه الفتوى العجيبة ظهرت أول نسخة مطبوعة من القرآن فى العالم فى أوروبا، وتحديدا فى مدينة البندقية بإيطاليا عام 1538.. ثم فى عام 1694 ظهرت طبعة ثانية من القرآن وكانت فى أوروبا أيضًا فى مدينة هامبورج بألمانيا.. والأعجب من هذا أن هذه الطبعات لم تصل للبلاد الإسلامية بسبب أن شيوخ الأزهر حرموا دخولها للبلاد الإسلامية!!

وعندما تولى محمد على الحكم حاول طباعة القرآن فى مصر، فتصدى له شيوخ الأزهر ولكن محمد علي كان حازمًا معهم فخاف الشيوخ وتراجعوا مرغمين.. وتمت طباعة أول مصحف مصرى فى مطبعة بولاق عام 1832 ممهورا بخاتم مفتى الديار المصرية الشيخ التميمي ولم يجرؤ مشايخ الأزهر على الاعتراض.

.. ويوما ما، كانت أسواق النخاسة (التى يتم فيها بيع وشراء العبيد والجوارى) منتشرة بطول مصر وعرضها وخاصة فى القاهرة والإسكندرية وطنطا، وكان سوق باب زويلة أحد أشهر هذه الأسواق..

ونقلا عن مدونات الاستاذ محمود حسنى رضوان الباحث فى شئون جماعات الإسلام السياسى كتب الباحث "عماد هلال" فى كتابه "الرق والعتق فى مصر فى القرن 19" الصادر عام 2014:-

 "كانت تجارة الرقيق تمارس على نطاق واسع فى مصر، وكان العبيد يتم بيعهم وشراؤهم كالبضائع والماشية تمامًا، وكان العبيد البيض يتم جلبهم من المستعمرات الشركسية، والعبيد السود يتم جلبهم من كردفان ودارفور..

 وكان للرقيق أوضاع قانونية تحدد طرق معيشتهم، وأساليب شرائهم وبيعهم، وكيفية تحديد أسعارهم..

وكان من المعتاد عند شراء الرقيق من الجنسين (رجلا أو إمرأة) أن يتم تعريتهم تمامًا كما ولدتهم أمهم،  للتأكد من خلوهم من الأمراض، وإجراء اختبارات معينة لهم، فمثلا كان يتم جس عضلات العبد، وكان يطلب منه أن يجرى لمسافات معينة وذلك للتأكد من حالته الصحية، وأما الأنثى فكان يتم فحص ثدييها، والعبث بأعضائها التناسلية لتقدير مدى اكتنازها باللحم والشحم للتأكد من صلاحيتها لممارسة الجنس"!!.

وكان هذا كله يتم بعلم ومباركة مشايخ الأزهر، وذلك باعتبار أن الإسلام - حسب زعمهم - يقر تجارة الرقيق!!.

 وكانت قصور كبار القوم (من المصريين والأتراك) مليئة بالعبيد والجوارى..

واستمرت تجارة الرقيق حتى اندلاع الحرب الأهلية الأمريكية حين بدأت حركات حقوق الإنسان وقيام الرئيس الأمريكي أبراهام لينكولن بتحرير العبيد..

وبمجرد أن تولى الخديو إسماعيل الحكم عام 1863، ضرب ضربته الكبرى، فأصدر أمرًا إلى حكمدار السودان بتعقب تجار الرقيق ومنعهم بالقوة من ممارسة تجارتهم..

 ونفذ الحكمدار أوامر الخديو، وقام بضبط 70 سفينة مشحونة بالرقيق، واعتقل التجار الذين جلبوهم، وأطلق سراح العبيد وسمح لهم بالعودة لبلادهم.. 

وثار مشايخ الأزهر ثورة عارمة على الخديو إسماعيل واتهموه بالخروج على الشريعة الإسلامية !! وحاول الخديو التفاهم معهم وإقناعهم بأن إلغاء العبودية يتفق مع صحيح الإسلام ولكنه فشل فى إقناعهم.. 

واستمر الخديو إسماعيل فى محاربة تجارة الرقيق - رغم معارضة المشايخ - واتخذ عدة إجراءات منها إنشاء شرطة نهرية، وإقامة نقطة مراقبة فى بلدة فاشودة بأعالى النيل، وأسند مهمة مقاومة الرقيق إلى الجنرال جوردون.. ورغم أن معظم جنود الجيش المصرى كانوا من العبيد، لكن هذا لم يمنع الخديو إسماعيل من مواصلة حربه ضد العبودية..

وأصدر الخديوي أمرا إلى المالية فى 29 ديسمبر 1874 بصرف مبلغ 26942 قرشا من خزينة الدولة لمالكى العبيد تعويضا لهم عن كل عبد يتم تحريره..

وفى 4 أغسطس 1877 وقعت الحكومة المصرية مع بريطانيا اتفاقية "الإسكندرية" التى نصت على محاربة تجارة الرقيق ومنع استيراد أو تصدير العبيد السودانيين والأحباش، وفرض عقوبات مشددة على تجارة العبيد..

وكتب د.عمرو عبد العزير منير دراسة مهمة فى مجلة ذاكرة مصر العدد 23 فى أكتوبر 2015، قال فيها:-

 "كانت مناهج الأزهر التى يدرسها الطلبة الأزهريون تقول إن الإسلام أباح امتلاك العبيد وذلك بثلاث طرق مختلفة 1- السبى فى الحروب، 2- الشراء،  3- الهبة.. وأن العبد يعتبر جزءًا من أملاك سيده، وأن الأملاك لها حرمة، لدرجة أن العبد المملوك إذا هرب من مالكه أصبح كافرًا حتى يعود إليه !!"

وفى چينيف عقد مؤتمر الرق العالمى International Slavery Convention 

وتم إقرار اتفاقية إلغاء الرق والعبودية، وكانت بريطانيا إحدى الدول الموقعة على الاتفاقية، وقد تعهدت بريطانيا بتنفيذ الاتفاقية فى مصر باعتبارها الدولة صاحبة السيادة على مصر..

ولم تتوقف معارضة مشايخ الأزهر للخديو إسماعيل..

وكان شيخ الأزهر ومفتى الديار المصرية على رأس من يقود الحملة الضارية ضد الخديوى، وانضم لهما هيئة كبار العلماء بأكملها !! 

وأصدر شيخ الأزهر فتوى قال فيها:- "إن الرق باق مع بقاء الجهاد إلى يوم الدين"!!

وعند هذا الحد أدرك الخديوي إسماعيل أنه لا جدوى من الحوار بالحسنى مع مشايخ الأزهر، وأنه لا مفر من مواجهتهم بصرامة وعنف.. فقام بعزل شيخ الأزهر والمفتى عن منصبيهما، وهدد بإلغاء هيئة كبار العلماء.. 

وهنا فقط تراجع المشايخ وقبلوا بالأمر الواقع ووافقوا مرغمين علي إلغاء الرق!!

ولله فى خلقه شئون ومشايخ وعبيد ومفتيين وأصنام وأسود وإسماعيل وسعد الهلالى ومعارك حول قطعة من القماش على رأس المرأة مع إجازة إرضاع الكبير، وقتل نيرة مرتين على رؤوس الأشهاد وذئاب القضاء الواقف وعلى كل صنف ولون.