الأحد 03 يوليو 2022
رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
عبد الرحيم علي
رئيس التحرير التنفيذي
داليا عبد الرحيم
رئيس مجلس الادارة والتحرير
عبد الرحيم علي
رئيس التحرير التنفيذي
داليا عبد الرحيم

البوابة القبطية

إنجي عاطف تكتب: ماجدة.. رحلة من اليأس إلى القوة والفخر

انجي عاطف صديق
انجي عاطف صديق
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق google news

يميل الناس في المجتمعات الشرقية إلى خلق صور ذهنية عن المجموعات المختلفة في المجتمع وتأسيس أنظمة للتعامل معهم، ومن بين تلك المجموعات كانت فئة السيدات الأرامل، فقد وصفهن المجتمع بالمنكسرات والضعيفات ونُعتن بجمل مثل "دي بتجري على يتامى" أو"دي مسكينة مالهاش حد" أو "دي مكسورة الجناح" وحصر المجتمع احتياجاتهن في الجزء المادي، فمنح ذلك البعض الفرصة لاستغلالهن، وأحيانا أخرى يحاول البعض تقديم التعاطف الذي يؤدي أحيانًا إلى "كسر النفس". 
ولكن هناك نماذج من السيدات كـ "الست ماجدة" التي تحدت ظروف ما بعد وفاة الزوج وتحولت حياة أسرتها من المعاناة إلى الفخر عندما وجدت الفرصة إلى أن تتلقى نوعًا مختلفًا من التمكين والدعم لتصبح مستقلة وقادرة على إدارة أسرتها.

ماجدة أرملة ترتدي الأسود منذ أن رحل عنها زوجها، لها تسريحة شعر ومظهر بسيط، إلا أن كلماتها معبرة وصادقة جدًا: "اتجوزت لما كنت 16 سنة، كنت يتيمة وجوزي كان لي زوج وأب وأخ وسند في كل شي، عشت معاه سنين حلوة وكبرت على إيده وجبنا 4 عيال، بس في خلال كام شهر جاله فشل كلوي وتوفي، الدنيا بقت ضلمة في وشي وانهرت لدرجة اتمنيت إنه  كان حد من عيالي اللي مات بس هو يعيش".  وتبدلت الحياة بعد وفاة الزوج.
كالعديد من السيدات اللاتي ترملن سواء كن من الطبقات المقتدرة أو محدودة الدخل، وقعت الست ماجدة تحت الضغط النفسي لتغير حالتها الاجتماعية (من متزوجة إلى أرملة) إلى جانب محدودية الدخل،  بل وتفاجأت بما لم تكن على علم به من ديون علاج الزوج، وزاد الأمر سوءًا بتحكم أهل الزوج في حياتها وأطفالها، واستغلال أحد الأعمام للابن الأكبر حتى أنه كان يُجبره على العمل وفتح الدكان مبكرًا مقابل مبلغ 120 جنيها في الشهر وقضاء احتياجات أطفاله.
غاب عنها الدعم المعنوي وحضر محله مشاعر الوحدة، الإحتياج، اليأس، الضيق، الحزن، والخسارة والألم بل والاستغلال أحيانا، فتضيف الست ماجدة "اتضايقت واتخنقت كتير لدرجة إني تمنيت الموت".
استمر الوضع إلى أن تقابلت الست ماجدة مع أمل المتطوعة في برنامج "لست وحدك" في هيئة كوبتك أورفانز والخادمة بكنيسة المنطقة، وبعد أن قصّت الست ماجدة الوضع على المتطوعة أمل، تفوهت الأخيرة بكلمات الأمل والحياة "ماتعوليش هم تعليم العيال، كوبتك هتساعد وربنا اللي يدبر". كانت لكلمات المتطوعة أمل على الست ماجدة أثر ككأس ماء بارد في يوم حار وجاف، فبالرغم من شعور الست ماجدة بالخجل من أنها اضطرت إلى طلب مساعدة الآخرين، إلا أنها كانت مشغولة بتعليم الأطفال.
"لما دخلت البرنامج جديد كل اللي كان شاغل بالي إن حد هيساعدني في تعليم العيال ومش عاوزه أكتر من كدا بعدين لقيت الوضع مختلف حتى أنا اتعلمت واتغيرت"، كانت صورتها الذهنية عن تلقي الدعم الذي  تحتاجه مطابق لما يصدره المجتمع في الوضع التقليدي، ولكن تغيرت أفكارها بأن هناك دعم من خلال التواجد والمساندة الذي يمنح الفرد الفرصة لتغيير أفكاره واستعادة شعوره بالقيمة والثقة بالنفس، وهذا ما تقدمه "كوبتك أورفانز" في برنامج "لست وحدك". 
برنامج "لست وحدك" هو أحد برامج هيئة كوبتك أورفانز في مصر ويعمل على بناء شخصية متكاملة من خلال تنفيذ أنشطة في ثلاثة محاور هي:حث المشاركين على حب التعليم ورفع التحصيل الدراسي وتشجيعهم للحصول على أعلى درجات التعليم الممكنة، تكوين شخصية متكاملة قادرة على إدارة ذاتها والتعامل مع الآخرين، والقيام بأنشطة تطوعية في المجتمع. 
وعلى نحو آخر، يهتم برنامج "لست وحدك" بالعمل على تنمية شخصية الأم حتى تتمكن من رعاية أطفالها بطريقة سليمة، فيقدم البرنامج ورش عمل توعوية للأمهات لتعليمهن إدارة المشاعر وطرق التربية الإيجابية ورفع الوعي بطرق حماية الأطفال من الأنواع المختلفة من الإيذاء وذلك لرفع وعيهم وشعورهم بالاستقلال، فتمكين الطفل يبدأ بتمكين الأم واستنارتها.
"من وقت ما دخلت الكوبتك وميس أمل تزورني باستمرار،  لينا يمكن أكتر من 8 سنين مع بعض، زيارتها بتخلينا نحس أنه في حد مهتم بينا".
يُقدم برنامج لست وحدك أنشطته من خلال مجموعة من المتطوعين الذين يقومون بدور المرافق والموجه للأسرة. فدور المتطوع داعم وتوجيهي، كما أنه يقوم بدور معرفي من حيث تنفيذ ورش العمل للأمهات، فدور المتطوع فريد في حياة الأسرة حيث يرسل وجوده مشاعر الدعم والمساندة والتوجيه الذي يفقده الكثير من الأسر بفقدان ولي الأمر.  
لم يمضي على الست ماجدة الكثير من الوقت حتى دعتها المتطوعة أمل إلى ورشة عمل عن "تكوين الصورة الذاتية"، وبعد أن تلقت الورشة أدركت أنها ليست في برنامج لمنح الصدقات كما كانت تظن، بل أنها في عمل مختلف يهدف إلى بناء…إنسان متكامل. 
تُضيف الست ماجدة "اللى اتعلمته من ميس أمل وفي ورش العمل فتح لي عيني، خلاني أشوف عيالي ونفسي بشكل تاني، البرنامج خلاني شوفت نفسي قوية وأنه في ناس عاوزانا نبقى كويسين، خلاني اتشجعت اني أتعلم مع العيال عشان أقدر أذاكر مع البت الصغيرة ". 
وتكمل حديثها في قوة وفخر: "مش كدا وبس.. ده أنا سبت بيت أهل جوزي وربنا قدرني وبنيت البيت اللي احنا فيه"،  ليس ذلك وحسب، بل وأنهى أثنين من أبنائها تعليمهم بل وحدثت المفاجأة التي أسعدت الست ماجدة "ماكنتش أحلم أن حد من عيالي يدخل ثانوي عام. ولدي الوحيد في العيلتين اللي في ثانوي عام أنا مش عاوزه أكتر من كدا، ومش هسيب البت تاخد تعليم قليل، ودلوقت بحضر شقة ولدي الكبير".
هذا ما تعمل من أجله هيئة كوبتك أورفانز "بناء وتمكين الإنسان". فقد نجح برنامج لست وحدك في توجيه نظر الست ماجدة من الشعور بالحزن والضعف والخجل إلى القوة والثقة في النفس والاستقلال، فتقول: "بنيت البيت، وماخلتش عيالي عاوزين حاجة، عيالي فخورين بي زي ما أنا فخورة بيهم وهكمل دوري معاهم لغاية ما أخليهم ناس حلوين لنفسهم وللمجتمع، أنا ماكنتش محتاجة الفلوس بس، لكن كنت محتاجة اكتر، حد يعلمني ويوعيني اعمل ايه، أيام المرحوم ماكنتش اعرف حاجة عن البيت وتعبت بعده، بس لما دخلت البرنامج وعيت وبقيت واثقة في نفسي".
فبعد أن كانت تتمنى الموت للهروب من المسؤولية، انتفضت الست ماجدة للاهتمام بأسرتها، تحولت ماجدة من أم منهارة تبكي زوجها وحبيبها المتوفي إلى أم شجاعة لها رؤية خاصة بمستقبل أولادها، استمرت وفية إلى زوجها الراحل ولكنها حاضرة وقوية لدعم أبنائها.