رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
عبد الرحيم علي
رئيس التحرير التنفيذي
داليا عبد الرحيم
رئيس مجلس الادارة والتحرير
عبد الرحيم علي
رئيس التحرير التنفيذي
داليا عبد الرحيم

آراء حرة

أبو الكلام آزاد

تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق google news

يُعد فن كتابة السيرة الذاتية واحدا من أهم وأروع وأرق الفنون الأدبية جميعا، ولابد أن يمتلك كاتب السيرة الذاتية القدرة على بعث الحياة مرة أخرى لما جرى من أحداث واقعية مضي علي حدوثها زمن طويل، وأن يكشف عن غموض وتناقضات هذه الأحداث سواء كان يكتب سيرته الشخصية أو يكتب سيرة أحد العظماء أو الشعراء الراحلين مثلا، كما أنه مطالب بأن يتوخى الدقة والنظام والمنطق في وصفه لهذه النفس البشرية المتأججة والتي يتعذر الإمساك بها، ولكنها تبعث في القلب البهجة حين تتحدى النظام والمنطق والدقة فيتدفق سيل من المشاعر والأحاسيس التي مرت في حياة صاحب السيرة يستقبلها القارئ بالشغف والمحبة كلما كانت صادقة ومعبرة عن الحياة الإنسانية عموما ومليئة بالمعلومات والحقائق التي تضيف لنا الجديد وتنير طريق الحياة أمام من يبحث عن القدوة والمثل الأعلى، أو تضفي على الوقت سحرا بما اختزنه العقل والذاكرة من أحداث ووقائع شيقة ومثيرة.

من أجمل كُتب السيرة الذاتية التي صادفتني خلال الفترة الماضية كتاب "غُبار الخاطر" للكاتب والسياسي الهندي الشهير "أبو الكلام آزاد "وهو يروى من خلاله أوقاتا عصيبة مرت به خلال كفاحه ضد الاحتلال الإنجليزي للهند أوائل القرن الماضي، واعتقاله أكثر مرة هو وزملاء كفاحه جواهر لأل نهرو ومهماتا غاندي حتى تحقق لهم الاستقلال النهائي للهند عام 1947، ومعظم احداث الكتاب مروية على شكل خواطر وخطابات يرسلها مولانا أبو الكلام آزاد من محبسه في قلعة أحمد نجر شرق الهند إلى صديق حميم هو الأمير صدريارجنج مولانا حبيب الرحمن  أحد أمراء الهند وكان حاكما لإحدى المقاطعات الهندية الكبرى وتربطه علاقة صداقة ومحبة وإخلاص بمولانا أبو الكلام آزاد استمرت لأكثر من أربعين عاما وينطبق عليها قول الشاعر: 
تزول الجبال الراسيات وقلبهم
عن الحُب لا يخلو ولا بتزلزل 
(الثعلبي)

وُلد أبو الكلام آزاد في مكة المكرمة عام 1888 لأب هندى من عائلة علمية وصوفية شهيرة، وأم عربية من المدينة المنورة، ونشأ محبا للعلم غزير الثقافة والمعرفة، وصار سياسيا كبيرا بعد عودته لبلاده للكفاح ضد الاستعمار الإنجليزي، وامتلك شخصبة محببة متعددة الجوانب فهو عالم دين ومفكر وفيلسوف وخطيب مُفوه ومؤرخ في تاريخ العرب والعجم وصحفيا مشهورا أصدر عدة صحف بالعربية والأردية مثل البلاغ والهلال والجامعة وثقافة الهند، كما كان رئيس أكبر حزب سياسي هو حزب "المؤتمر" الهندي الذي ظل يحكم الهند قرابة خمسين عاما، وتم اختياره وزيرا للثقافة بعد الاستقال وحتى وفاته عام 1958.

الكتاب الجميل "غُبار الخاطر" الصادر مترجما عن المركز للقومي للترجمة ملئ بالحكمة والمعرفة في شتى المجالات، ويزخر بالاشتشهادات الجميلة من متون الشعر العربي والهندى والفارسي: 
"لي قَلب مجنون لكنه هَائم في الصحراء"
(حافظ الشيرازي) 
ويروى أبو الكلام في أحد الفصول حكاية عشقه لفن الموسيقي، وفيه يستعرض رحلته إلى مصر في بداية القرن الماضي، ويحكي أن فرقة الشيخ سلامة حجازي كانت مشهورة جدا وذائعة الصيت في مصر وتعرض أحدث إبداعاتها الموسيقية في دار الأوبرا بالقاهرة وتحيي الحفلات في قصور الملك والأمراء، وكانت هناك في ذلك الوقت "عالمة" مشهورة من سكان مدينة طنطا اسمها "الطاهرة" وهم يطلقون في مصر اسم "عالمة" على المغنية التي تملك فرقة موسيقية خاصة بها أي أنها عالمة بالموسيفى حتى لا يسىء علماؤنا الكرام فهم هذا المصطلج وهذه الكلمة موجودة أيضا في اللغات الأوروبية "Alume"، وكان الشيخ سلامة حجازي قد اعترف بفن هذه العالمة وكان يدعوها لمشاركته في حفلاته ولكن صوتها كان أكثر منه فتنة وطلاوة وإيمانا، وقد تيسر لأبو الكلام معرفة العالمة "الطاهرة" والاستماع إلى إبداعاتها في الموسيقى العربية فمن ذا الذي يبحث في الأزقة جيدا عن متاع حلم الشوق.

ثم يواصل رحلة الموسبقى بالحديث عن أم كلثوم التي ذاع صيتها في ثلانينيات وأربعينيات القرن الماضي، وقد استمع إلى أغنياتها الجميلة التي تصدح بها في إذاعات عربية وشرقية كثيرة في ذلك لوقت مثل راديو فلسطين وسنغافورة وطرابلس الغرب وصوت العرب ولها انشادات مشهورة منها نشيد عالية بنت المهدى: 
وحَبب فإن الحُب داعية الحُب وكم من بعيد الدار مُستوجب القُرب.