السبت 16 أكتوبر 2021
رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
عبد الرحيم علي
رئيس التحرير التنفيذي
داليا عبد الرحيم
رئيس مجلس الادارة والتحرير
عبد الرحيم علي
رئيس التحرير التنفيذي
داليا عبد الرحيم

بروفايل

سمير الإسكندراني الذي صفع المخابرات الإسرائيلية

سمير الإسكندرانى
سمير الإسكندرانى
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق google news

يحل اليوم ذكرى وفاة الفنان سمير الاسكندرانى الذى وافته المنية يوم الخميس 13 أغسطس 2020، اسمه بالكامل سمير فؤاد الإسكندرانى وهو  مطرب مصرى وفنان ورسام، ولد الإسكندرانى في حى الغورية فى 8 فبراير سنة 1938 وقضى في الغورية طفولته وصباه، ونشأ الاسكندرانى على سهرات وأمسيات الأدب والفن والغناء التى كان يقيمها والده فوق سطح منزلهم، فأحب الفن بكل أنواعه، وامتزج نموه بأشعار بيرم التونسى وألحان الشيخ زكريا أحمد وغناء والده بصوته العذب وأحاديث السياسة والحرب والاقتصاد. 

وفى مرحلة الشباب انتقلت أسرته من الغورية إلى شارع عبدالعزيز، وهناك تعرف على عادات وتقاليد إيطالية ويونانية وإنجليزية، وذلك نظرًا لوجود الاجانب هناك في ذلك الوقت، ووقع حينها في حب فتاة إيطالية تدعى يولندا، وهذه الفتاة كان لها أثر كبير، وتحول أيضا في حياة الفنان الراحل سمير الإسكندرانى الذى قهر المخابرات الإسرائيلية وهو لم يتجاوز العشرين من عمره. 

عشق الإسكندرانى من أجل يولندا كل ما هو إيطالى، وقضى بصحبتها أمسياته الجديدة فوق سطح منزل شارع عبدالعزيز، وقرر أن يتعلم اللغة الإيطالية بإتقان شديد حتى يستطيع أن يعبر عن حبه ومشاعره تجاه هذه الفتاة دون أى عقبات وبالفعل تفوق سمير في دروس الإيطالية ونجح في الحصول على منحة دراسية في مدينة بيروجيا الإيطالية لدراسة الأدب واللغة الإيطالية. 

وسافر سمير قبل موعد الرحلة بثلاثة أسابيع ليزور والدته الدكتورة ماريا هايدرو التى كانت أستاذة بجامعة فيينا ودعته لقضاء السهرة في مرقص صغير راح يراقصها فيه بكل مرح وبراعة وضحكاتها تملأ المكان حتى ارتطمت قدمه عفوا براقص آخر التفت إليه في حدة يسأله عن جنسيته، وعندما أجابه بأنه مصرى ارتسم الغضب على وجه ذلك الراقص ولوح بقبضته في وجهه صائحا في مقت شديد: » وأنا إسرائيلى ويوما ما سنحتل مصرك هذه كلها وعندئذ سأبحث عنك أنت بالذات وسط الخراب والدمار وأقتلك مرتين..... » وقبل أن يكمل حديثه كانت قبضة سمير تحطم فك الإسرائيلى وتحول المكان كله إلى ساحة قتال. 

وفى بيروجيا استقر به المقام عند سنيورا كاجينى، التى عاملته كابنها، وقضى في منزلها منحته الصيفية، وعاد إلى القاهرة وكله شوق ولهفة للقاء يولندا، ولكن كانت هناك في انتظاره مفاجأة مؤلمة، حيث رحلت يولندا مع أورلاندو صديقها القديم ليتزوجا في أوروبا، وكانت الصدمة قاسية عليه، ولكنها لم تحطمه، وإنما دفعته للاهتمام أكثر من دراسته للغة الإيطالية، حتى حصل على منحة دراسية ثانية في جامعة بيروجيا، التى سافر إليها في الصيف التالى ليقيم مجددًا عند سنيورا كاجينى أيضا. 

وفى هذه الفترة بدأت رحلته مع المخابرات الإسرائيلية، حيث كان في أحد الأيام يلعب البلياردو بالجامعة والتقى شابًا ذكيًا يجيد العربية بطلاقة مدهشة ويتحدث الفرنسية والإيطالية والإنجليزية أيضا إلى جانب إجادته لبعض ألعاب الحواة التى بهرت طلاب جامعة بيروجيا وأدهشت سمير للغاية وقدم الشاب نفسه باسم «سليم» وسرعان ما توطدت الصداقة بينه وبين الإسكندرانى وأخبره أنه في أوروبا من أجل عقد بعض الصفقات التجارية التى تتطلب سرعة التحرك ليبرر اختفاءه الكثير عن بيروجيا، حيث كان هذا الشاب يظهر ويختفى على فترات غير منتظمة ودائما يصطحب في معظم الأحيان فتيات فاتنات وينفق عليهن في سخاء واضح على غير عادة الطلاب هناك. 

أفعال غريبة

وعلى الرغم من انبهار سمير بهذا الشاب في البداية إلا أنه بدأ ينتابه القلق من أفعاله الغريبة خصوصا بعد أن أخبر أحدهم الإسكندرانى أن هذا الشاب ليس عربيًا، وأنه يحمل جواز سفر أمريكيا مما وتره أكثر وزاد من حدة شكوكه، وحينها قرر أن يراوغ سليم هذا حتى يعرف ما يخفيه خلف شخصيته التى تأكد أنها غير حقيقية ويتخفى خلف شىء ما حتى كان يومًا قال له فيه سليم: «طبيعتك تدهشنى جدا يا سمير فأنت أقرب إلى الطراز الغربى منك إلى الطراز العربى كيف نشأت بالضبط؟» 

وهنا وجدها سمير فرصة سانحة لمعرفة نواياه فاستغل معرفته الجيدة بطبائع المجتمع الأوروبى واليهودى التى اكتسبها من أمسيات سطح شارع عبدالعزيز وابتكر قصة سريعة اختلقها خياله بدقة وسرعة وادعى أن جده الأكبر كان يهوديا وأسلم ليتزوج جدته لكنه يميل إلى أصله اليهودى مما دفع والده إلى الهجرة للقاهرة حيث عرف أمه ذات الطابع اليونانى وتزوجها وأنه أكثر ميلا لجذوره اليهودية منه للمصرية وسقط سليم في الفخ واندفع يقول في حماس:» كنت أتوقع هذا.. أنا أيضا لست مصريا يا سمير أنا يهودى»

بعد ذلك قدم سليم صديقه سمير الإسكندرانى إلى رجل آخر يدعى جوناثان شميت «وهو ضابط بالموساد الإسرائيلي» ثم اختفى سليم تماما بعد أن انتهت مهمته باختيار العنصر الصالح للتجنيد وجاء دور جوناثان لدراسة الهدف وتحديد مدى الاستفادة منه. 

وأدرك سمير أنه تورط في أمر بالغ الخطورة، ولكنه لم يتراجع وإنما مضى يقنع جوناثان بكراهيته لنظام عبدالناصر ورغبته في العمل ضده حتى عرض عليه جوناثان العمل لصالح ما أسماه بمنظمة البحر الأبيض المتوسط لمحاربة الشيوعية والاستعمار مقابل راتب شهرى ثابت ومكافآت متغيرة وفقا لمجهوده وقيمة الخدمات التى يمكنه تقديمها، وبالفعل وافق سمير على الفور وبدأ تدريباته على الحبر السرى والتمييز بين الرتب العسكرية ورسم الكبارى والمواقع العسكرية ثم طلب جوناثان من سمير التطوع في الجيش عند عودته إلى مصر وأعطاه مبلغا كبيرا من المال ومجلة صغيرة للإعلان عن نادٍ ليلى في روما مطبوعة فيه صورته وهو يغنى في بعض السهرات كتبرير لحصوله على المال. 

لقاء الرئيس

وعاد سمير إلى بيروجيا ليستقبل شقيقه الوحيد سامى الذى حضر ليقضى معه بعض الوقت قبل سفره إلى النمسا وقضى سمير فترة إجازة شقيقه كلها في توتر شديد وروى لأخيه القصة كلها ونصحه شقيقه بالحرص الزائد والتوجه فور عودته إلى مصر إلى المخابرات العامة ليروى لها كل ما لديه، وكان هذا ما قرره سمير بالفعل، ولكنه في الوقت ذاته كان يصر على ألا يخاطر بما لديه من معلومات وبألا يبلغ بها سوى شخص واحد في مصر وهو الرئيس جمال عبدالناصر نفسه. 

وبالفعل فور عودته إلى القاهرة تم الاتصال بالمخابرات العامة وبمديرها صلاح نصر الذى بذل قصارى جهده لينتزع ما لديه من معلومات، ولكن سمير أصر في عناد شديد على ألا يبلغ ما لديه إلا للرئيس عبدالناصر شخصيا وبالفعل قد كان. 

وبعد شهر تقريبا وذلك ليتحرى جهاز المخابرات عنه وبعد علمهم أنه اختلط ببعض الأجانب ومن الممكن أن تكون لديه معلومات تخص إسرائيل، واستمع الرئيس جمال عبدالناصر للاسكندرانى في اهتمام شديد إلى القصة التى رواها سمير وشاهد مع مدير المخابرات تلك الحقيبة التى أعطاها جوناثان له بجيوبها السرية والعملات الصعبة والحبر السرى وغيره من أدوات التجسس التى تطلع إليها الرئيس كلها، ثم رفع عينيه إلى سمير وقال له:» أعتقد أن دورك لم ينته بعد يا سمير.. أليس كذلك ؟» فأجابه سمير: أنا رهن إشارتك يا معالى الرئيس ودمى فداء لبلدى ». 

ومنذ هذه اللحظة بدأ سمير يعمل لحساب المخابرات المصرية وتدرب على وسائل التعامل وأسلوب التلاعب بخبراء الموساد، واستوعب الأمر كله في سرعة وإتقان. 

وعلى الرغم من أن والده كان يعلم بأمر ذهابه إلى المخابرات فور عودته من إيطاليا إلا أن المخابرات المصرية أقنعت والده أن القصة كانت مجرد شبهات بلا أساس، وأن ابنه بالغ كثيرا في أمر لا يستحق وطلبوا من سمير أن يخفى عن والده تماما أمر عمله معهم حتى يحاط الأمر بأكبر قدر ممكن من السرية، ولكن والده لم يتقبل غيابه الطويل ولا عودته ذات ليلة متأخرا فثار في وجهه وطرده من المنزل وسمير لم يستطع تبرير موقفه أمام والده للحفاظ على السرية. 

وطوال الوقت كان سمير يشكو في خطاباته إلى جوناثان من احتياجه الشديد للمال ويهدد بالتوقف عن العمل لو لم يعملوا على إخراجه من ضائقته المالية، وفى الوقت نفسه كان يرسل لهم عشرات المعلومات والصور التى جعلتهم يتأكدون من أنه عميل عظيم الأهمية ويستحيل التضحية به لأى سبب من الأسباب فطلبوا منه استئجار صندوق بريد وأخبروه أنهم سيتدبرون أمر تزويده بالنقود المطلوبة. 

ووصله بالفعل مبلغ ثلاثة آلاف دولار إلى صندوق البريد داخل عدة مظاريف كلها من داخل مصر لتعلن عن وجود شبكة ضخمة من عملاء إسرائيل تتحرك في حرية داخل البلاد، وبدأت خطة منظمة للإيقاع بالشبكة كلها، ولكن الإسرائيليين استدعوا سمير وطلبوا منه السفر بسرعة إلى روما، وهناك أخضعوه إلى استجواب شديد الصعوبة انتهى إلى مضاعفة ثقتهم به ونجح في اختبارهم وعاد إلى مصر بأوامر وتعليمات وطلبات جديدة، فاستأجر شقة في شارع قصر العينى وأرسل يطالب جوناثان بالمزيد من الأموال لتغطية النفقات ومصاريف تأسيس الشقة وأعلن خوفه من إرسال الأفلام التى يلتقطها للأهداف الحيوية خشية أن تقع في أيدى رجال الرقابة فأرسل إليه جوناثان رقم بريد في الإسكندرية وطلب منه إرسال طرود الأفلام إليه وسيتولى صاحبه إرسالها إلى جوناثان نفسه. 

وهنا بدأت خيوط الشبكة تنكشف وتظهر شيئا فشيئا، وتم اكتشاف أضخم شبكة تجسس عرفها التاريخ في بدايات القرن ومعظمها من الأجانب المقيمين في مصر، والذين يعملون بمختلف المهن ويحملون جنسيات مختلفة. 

وليس هذا فقط فقد استطاع سمير إقناع المخابرات الإسرائيلية بإرسال واحد من أخطر ضباطها إليه في القاهرة وهو موسى جود سوارد الذى وصل متخفيا، ولكن المخابرات المصرية راحت تتبع خطواته في دقة حتى توصلت إلى محل إقامته والى اتصالاته السرية برجلين هما رايموند بترو، الموظف بأحد الفنادق وهيلموت باوخ الدبلوماسى بإحدى السفارات الأوروبية والذى ينحدر من أم يهودية ويتولى عملية إرسال العمليات إلى الخارج مستخدما الحقيبة الدبلوماسية بشكل شخصى، وألقت المخابرات المصرية القبض على موسى وتحفظت عليه دون أن يعلم أحد وتمت السيطرة عليه ليرسل خطاباته بنفس الانتظام إلى الموساد حتى تم كشف الشبكة كلها والإيقاع بكل عناصرها، واستقال على إثرها مدير المخابرات الإسرائيلية. 

وكانت ضربة قاضية للموساد الذى قرر الانتقام من سمير الإسكندرانى عن طريق تصفية شقيقه سامى لكنهم فوجئوا بأن المخابرات المصرية قد أرسلت أحد أفضل رجالها لإعادته من النمسا قبل كشف الشبكة.