الأربعاء 28 يوليو 2021
رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
عبد الرحيم علي
رئيس التحرير التنفيذي
داليا عبد الرحيم
رئيس مجلس الادارة والتحرير
عبد الرحيم علي
رئيس التحرير التنفيذي
داليا عبد الرحيم

آراء حرة

حسين يعقوب.. الكذب "بما لا يخالف شرع الله"


أمام القاضي والكاميرات، وبعد سنوات طويلة من الإفتاء والمحاضرة، وقف الداعية السلفي محمد حسين يعقوب زاعمًا أنه لا يعد نفسه من العلماء كي يفتي بجواز أو حرمة الانضمام إلى الجماعات الإسلامية المسلحة، وهكذا أخرج نفسه من ورطة كانت لتقلب عليه كل من في قلبه هوى تجاه السلفية الجهادية، لكن الواقع أنه كتب لنفسه شهادة وفاة بين جماهير الشعب الذي اكتوى بنار الإرهاب لسنوات.
أقوال يعقوب أمام القاضي كشاهد في قضية "داعش إمبابة" قد يراها الجمهور كذبًا صُراحًا، لكن المتطرفين الذين داهنهم يعقوب يعرفون جيدًا كيف صاغ الداعية السلفي الشهير إجاباته "بما لا يخالف شرع الله".
أولًا، وعلى الهامش، يعرف كل سلفي أن جماعة الإخوان عليها مآخذ من علماء السلفية، وبالتالي لم يكن صعبًا على يعقوب أن يقول إن سيد قطب ليس فقيهًا، وهو صواب بالمعنى الاصطلاحي لكلمة "فقيه"، كما أنه لم يمسك الذئب من ذيله بقوله إن حسن البنا أسس الجماعة للوصول إلى الحكم، لأن البنا نفسه قال هذا، وفي كل الأحوال يعرف الكل أن جماعة الإخوان صارت ورقة محروقة على المستوى التنظيمي في مصر.
ثانيًا، وهو المهم: علامَ أسس يعقوب شهادته لتكون كذبًا حلالًا؟ الإجابة من العقل السلفي هي "المعاريض" و"التقية" وهما سلاحان يعرفهما المطلعون على كتب التراث جيدًا.
في المرويات ما يبيح الكذب بالتورية باسم "المعاريض". والمعاريض لغة هي أن يقول القائل كلامًا، يُظهِرُ منه معنًى يفهمه السامع، ولكن القائل يريد معنى آخر يحتمله الكلام، ويسمى هذا الكلام تعريضًا أو توريةً.
وبينما لم ترد في السنة ضوابط لاستخدام المعاريض، قال النووي في الصفحة 380 من كتاب "الأذكار" (طبعة دار الفكر ببيروت): "قال العلماء: فإن دعتْ إلى ذلك مصلحةٌ شرعية راجحة على خداع المخاطَب، أو حاجة لا مندوحة عنها إلا بالكذب - فلا بأس بالتعريض (...) إلا أن يُتوصَّلَ به إلى أخذ باطل أو دفع حق، فيصير حينئذٍ حرامًا".
وقد ساق ابن القيم في كتابه "إغاثة اللهفان" بعض الأمثلة من "تعريض" السلف، منها ما جاء في الصفحة 381 من الجزء الأول، وفيه يقول: "ذُكر عن حماد -رحمه الله- أنه إذا أتاه من لا يريد الجلوس معه، قال متوجِّعًا: ضرسي ضرسي، فيتركه الثقيل الذي ليس بصحبته خير".
ويقول أيضًا: "كان الإمام أحمد في داره ومعه بعض طلابه منهم المروذي، فأتى سائل من خارج الدار يسأل عن المروذي - والإمام أحمد يكره خروجه - فقال الإمام أحمد: ليس المروذي هنا، وما يصنع المروذي ها هنا - وهو يضع إصبعه في كفه ويتحدث، لأن السائل لا يراه".
أما "التقية" فهي مصطلح "شيعي" معناه أن يُظهِر المتكلم غير ما يُبطِن، وقد يقول غير الحق، ويستدلون على استحلال هذا النوع من الكذب بآية "لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً" (آل عمران 28). وأيضًا بآية "إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ" (النحل 106).
وفي حين أن السنة يشنعون على الشيعة في مسألة التقية، فإن ردودهم لا تبين أكثر من أنهم يختلفون في المسمى فقط، أي إنهم لا يعتمدون مصطلح "التقية" ويستخدمون مصطلح "المعاريض" بدلًا عنه، فالبغوي يقول في تفسيره لآية "إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً" إن "الله نهى المؤمنين عن موالاة الكفار ومداهنتهم ومباطنتهم إلا أن يكون الكفار غالبين ظاهرين، أو يكون المؤمن في قوم كفار يخافهم فيداريهم باللسان وقلبه مطمئن بالإيمان؛ دفعًا عن نفسه من غير أن يستحل دمًا حرامًا أو مالًا حرامًا، أو يظهر الكفار على عورات المسلمين" (تفسير البغوي 1/ 292).
وأما آية "إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ" فقال فيها ابن جرير: "فتأويل الكلام إذًا: من كفر بالله بعد إيمانه إلا من أُكرِه على الكفر، فنطق بكلمة الكفر بلسانه وقلبه مطمئن بالإيمان، موقن بحقيقته، صحيح على عزمه، غير مفسوح الصدر بالكفر، لكن من شرح بالكفر صدرًا فاختاره وآثره على الإيمان، وباح به طائعًا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم"، وقد ذكر ابن جرير أن الآية نزلت في الصحابي عمار بن ياسر، الذي كان المشركون يعذبونه حتى يسب النبي وينطق بالكفر (جامع البيان 14/182).
ويدأب الشيعة على التلويح بأن التقية موجودة عند السنة أيضًا، ويضربون المثل للتقية بكذبات النبي إبراهيم التي جاءت في القرآن، وكذلك يشيرون إلى أن مذهب الشافعي يرى أن الحالة بين المسلمين إذا شاكلت الحالة بين المسلمين والمشركين حلّت التقية محاماةً عن النفس، وهذا ما أورده الرازي بالفعل في مفاتيح الغيب (8/ 13)، كما يشيرون إلى أن إمام أهل السنة أحمد بن حنبل عمل بالتقية في مسألة "خلق القرآن"، وهو ما جاء بالفعل في تاريخ الطبري (5/ 19).
نعود إلى حسين يعقوب وشهادته المريبة أمام القاضي، فسواء أكان ما يؤمن به هو "المعاريض" أم "التقية"، فقد أظهر أنه ليس عالمًا كي يفتي، وقال إنه مجرد "مجتهد"، على اعتبار أن المجتهد لا يفتي، لكن الحقيقة أن مصطلح "الاجتهاد" يُستخدم عندما تكون أمام "العالِم" مسألة لا يجد لها في الشرع دليلًا بنص أو بقياس، فيلجأ إلى "الاجتهاد"، وعليه قيل إن للعالِم إذا أفتى وأصاب أجرين، وإن أفتى وأخطأ أجرًا واحدًا.
أما قوله بأنه لا يستطيع أن يقول إذا كان الانضمام إلى الجماعات الإسلامية المسلحة "صح أو خطأ"، فالتعريض فيه واضح كالشمس، فهو بالفعل "لا يستطيع" لكن ليس لجهله، بل ليحفظ مكانته بين الإسلامويين، فليس معقولًا أن من قضى عمره في قراءة التراث ونقله إلى الجمهور، لا يعرف الأدلة التي يستحل بها الجهاديون دماء الناس، ولا يعرف الأدلة التي تُدين هؤلاء الجهاديين.
ومن التعريض أيضًا في كلام يعقوب أنه استخدم لفظتي "صح وخطأ" بدلًا من "حلال وحرام"، وبهذا أخرج المسألة من السياق الشرعي إلى السياق الشخصي، فقد يكون الحلال خيارًا صحيحًا في وقت ويكون خيارًا خطأ في وقت آخر، كأن يكون الراغب في الانضمام إلى الجماعة المجاهدة عائلًا لوالديه، كما جاء في حديث عبد الله بن عمرو "جَاءَ رَجُلٌ إلى النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَاسْتَأْذَنَهُ في الجِهَادِ، فَقَالَ: أحَيٌّ والِدَاكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَفِيهِما فَجَاهِدْ"، والحديث أخرجه البخاري (3004) ومسلم (2549).
كل ما سبق من كلام الداعية السلفي كان في إطار حديثه عن الجماعات الأخرى، لكن أسئلة القاضي التي مسته مباشرة فكان جوابه دائمًا "لا أعلم".. لكنك تعلم أن "من قال لا أعلم فقد أفتى" يا شيخ يعقوب.