الثلاثاء 27 يوليو 2021
رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
عبد الرحيم علي
رئيس التحرير التنفيذي
داليا عبد الرحيم
رئيس مجلس الادارة والتحرير
عبد الرحيم علي
رئيس التحرير التنفيذي
داليا عبد الرحيم

ثقافة

عماد غزالي: القصيدة الثمانينية تطوير حقيقي للمنجز الشعري

الشاعر عماد غزالي
الشاعر عماد غزالي

ينتمى الشاعرعماد غزالي إلى جيل الثمانينات الأدبي وإصدار اول مجموعة شعرية له بعنوان " أغنية أولى " بعد تخرجه من كلية الهندسة، جامعة عين شمس وشارك في تأسيس مجلة "إيقاعات" التي صدر منها عددان أوائل تسعينيات القرن العشرين وقدمت عددا كبيرا من الأصوات الإبداعية الجديدة وقتها.حول رحلته ومسيرته الأدبية التقته البوابة وكان الحوار التالي.
درست الهندسة واتجهت للادب كيف كانت رحلتك وهل ثمة تناقض؟
في مجتمعاتنا العربية وفي مصر خصوصا، لا يُتاح كثيرا للإنسان اكتشاف ذاته وطبيعة ميوله في سن مبكرة، وهذا ما يفسر إلى حد كبير شيوع ظاهرة الأدباء المهندسين والأطباء والمحامين وفي مختلف التخصصات الأخرى. وبالنسبة لي، فقد كنت أمارس القراءة وعمري 10 سنوات دون مؤثرات خارجية، ثم اهتممت أكثر بالقراءة الأدبية بعد ذلك بسنوات ثلاث، مصحوبة بكتابة الخواطر والقصائد المبكرة. لكنني لم أكتشف قوة ميولي الأدبية إلا مع المرحلة الجامعية في أوائل الثمانينيات، ومع الاحتكاك بهواة وموهوبين آخرين. لم ينبهني أحد في ذلك الوقت إلى أن الأدب يمكن أن يكون هواية واحترافا وأن الأفضل لي أن أدرس دراسة أدبية. كنت متفوقا جدا في المواد العلمية، ربما أكثر من اللغة العربية وغيرها من المواد الأدبية التي كنت أحصّلها بمزاجية عالية ولا ألتزم حرفيا بالشروح التي توردها الكتب المقررة، لهذا فقد كنت أحصل على درجات أقل في تلك المواد، وهي كما ترى مفارقة حقيقية تشير إلى خلل ما في الأسلوب التلقيني السائد في العملية التعليمية.
أفادتني دراستي العلمية في التعامل مع الأدب بجدية شديدة وبشكل منهجي منظم، حتى أن الإلمام بعروض الشعر الكلاسيكي مثلا لم يمثل أي عائق لي حيث تعاملت معه بشكل رياضي كمّي جعلني أهضمه بسرعة كبيرة. كذلك وضعت يدي على ماينقصني لأمتلك أدواتي بشكل فعال، بالإضافة إلى الطاقة الكبيرة التي تفجرها الدراسة العلمية وتوجهها نحو القراءة الكثيفة والتهام المعرفة. ومن هنا أظن أن دراستي العلمية قد أفادتني أدبيا بشكل كبير، حتى ذلك التمزق الذي يعيشه المبدع بين طبيعة دراسته وعمله وبين موهبته فإنه يشكل دافعا كبيرا للتحدي والمحاولة المستمرة لتحقيق الذات، وهي كما ترى جوانب إيجابية. كما أعتقد أن دراستي الهندسية أضافت لي نظرة خاصة في التعامل مع العمل الأدبي المقروء أو المكتوب، فدائما ما أحرص على اكتشاف البنية الخاصة للنموذج الأدبي، وأحرص على أن يتوفر لقصيدتي ذلك اللون من البناء والإحكام الفني.
يبقى أن المبدع الذي يعمل في مجال عملي بعيد تماما عن مجال إبداعه يواجَه دائما –خصوصا مع تقدم العمر– بإشكالية وقته الموزع، ويظل حلمه إذا استمر مشروعه الإبداعي أن يتمكن من التفرغ التام له.
ماهى العناصر التي هيأت وساعدت في تشكيل تجربتك الإبداعية؟
البداية كانت الاتجاه منذ مرحلة مبكرة من العمر لاكتساب الثقافة المعرفية والأدبية، والنهم الذي كنت أشعر به وأنا أنكبّ على قراءة التراث الإبداعي قديمه وحديثه. ثانيا: العزلة التي كنت أشعر بها وأنا أجد نفسي أسير اهتماماتي الخاصة التي لا يشاركني فيها أحد ممن حولي من الأهل والأصدقاء. ثالثا: الأسئلة الكبرى التي انبثقت في نفسي حول إشكاليات الوجود والمجتمع الإنساني والحضارة والدين والثقافة، تلك الأسئلة التي دفعتني إلى خوض تجارب عميقة صهرتني، مثل تجربتيْ الحبّ والتصوّف، مرورا بتجارب أخرى كمجابهة الموت الذي ينتزع الأحباء تباعا، ثم رصد الأحداث السياسية التي تعصف بالإنسان العربي وتحاول أن تلغي وجوده وتهمّش مخزونه القيمي والحضاري. وفي النهاية الحساسية الخاصة التي تحرّك استجاباتي لكل ما يحيط بي من تناقضات واختلالات في المفاهيم والأسس والظواهر التي تقوم عليها الحياة في مجتمعي.
ما طقوسك في الكتابة؟
ليست لي طقوس كتابة خاصة، سوى التوتر الشديد الذي يصيبني حينما أدخل في كتابة قصيدة، فأجد نفسي لاهيا عما حولي متفرغا تماما للانتهاء منها. ويعرّضني ذلك لكثير من المشكلات العملية والحياتية ولا أجد مُعينا سوى أسرتي الصغيرة، زوجتي وأبنائي، الذين استوعبوني وأصبحوا لا يعرقلون رغبتي في الانفراد بنفسي. أحيانا أكتب في الصباح الباكر أو أثناء العمل أو في فترة ما بعد العصر. وأكثر الفترات قسوة عليّ، هي تلك التي تلي الكتابة الأولى للنص، حيث أستجمع كل قواي النفسية والذهنية للوصول به إلى الحالة قبل الأخيرة، التي يمكنني معها عرضه على أصدقائي. ومن خلال المناقشات الكثيرة التي تتم تكون الصورة الأخيرة للنص. ومن الفترات التي لا تُنسى أيضا فترة إعداد أيّ ديوان للنشر، ففي تلك المرحلة أُعيد النظر في كل النصوص لأبدّل وأحذف أجزاء أو نصوصا كاملة ليكون للديوان في النهاية شكل أرضى عنه باعتبار أنه يمثل مرحلة فنية وجمالية مختلفة عما سبقه. في فترات إعداد أي ديوان أعاني كثيرا من التوتر والاحتدام والرغبة الشديدة في إنجاز العمل. فيما سوى ذلك فإن طقسي الأساسي هو حالة من الاسترخاء تتميز بالمتابعة والقراءة المتأنية للإبداع المعاصر، وأحيانا أعود إلى فترات تراثية معينة أعيد النظر فيها، كما أن الرواية من أهم الأجناس الإبداعية التي أحرص على متابعتها وأقرؤها بمتعة كبيرة، وأتابع أيضا كتابات كثير من الكتاب الجدد أو غير الذائعين في الوسط الثقافي من خلال شبكة الإنترنت (فيس بوك والمجلات الإلكترونية).
مارؤيتك لما قدّمه جيلُ الثمانينيات للمنجز الشعري؟
يجب في البداية أن أوضح أن هذا التقسيم الحاد للأجيال يفتقر إلى الدقة الكافية. فالفروق الفنية بين الأصوات الشعرية وطبيعة المنجز الشعري يمكن أن تكون أساسا أفضل للتصنيف.
لكن لو عرّفنا إجرائيا جيل الثمانينيات بأنهم الشعراء الفاعلون على الساحة الذين بدأ تواجدهم وظهورهم عبر النشر بدءًا من حقبة الثمانينيات من القرن الماضي، فيمكنني القول إن هذه المجموعة أو هذا الجيل، استطاع التواصل مع النماذج البارزة للشعرية العربية الجديدة منذ جيل الريادة مرورا بالأجيال التالية، كما حاول تجاوز المأزق الذي وصلت إليه القصيدة في مصر على أيدي شعراء السبعينيات (حالة التوتر الحادة التي سببوها بطبيعتهم الهجومية الرافضة، بالإضافة إلى النموذج الشعري شبه المغلق المتجه إلى التجريد والعزلة الذي قدموه فتسبب مع عوامل اجتماعية وثقافية وسياسية أخرى في عزلة تامة للشعر وانفصال حاد بينه وبين المتلقي). وهنا يجب التأكيد على أن التوصيفات السابقة تخص المشهد الشعري في منتصف ثمانينيات القرن الماضي حين بدأتُ تواجدي الأدبي، وتتحدث عن حال القصيدة السبعينية وقتها، أما الآن فقد تمخضت تلك التجارب عن اختفاء أسماء ورسوخ أسماء قدّمت مشاريع إبداعية مهمة.
جاء جيل الثمانينيات وطالع هذا المشهد فسعى إلى تجاوزه عبر منجز إبداعي بدأ بإحداث عملية التواصل التي أشرت إليها، إذ نجد القصيدة الثمانينية تطويرا حقيقيا للمنجز الشعري في الخمسينيات والستينيات وليست رفضا باترا له، كما أنها استفادت من الملامح التي رأت أنها إيجابية في التجربة السبعينية، فالشاعر الثمانيني بطبيعته متواصل مع آبائه والأجيال السابقة عليه. ثم يعود لعدد من الأصوات المهمة في هذا الجيل فضل التطوير الجذري الذي حدث بالاتجاه إلى قصيدة النثر التي تكاد تتسيد المشهد الآن. ولم يكن هذا التحول على أيديهم شكليا، إنما كان مصحوبا بتغيرات شاملة في بنية القصيدة وتشكيلها وجمالياتها، ابتعادا عن الإنشاد والبلاغة المألوفة والتحليق الصوفي والمجاز اللغوي المعقد، وصولا إلى بلاغة جديدة تقدم الشاعر الفرد والإنسان البسيط بتفاصيل عالمه وتجاربه الخاصة، عبر لغة سردية وصور بصرية (وهي غير الصور البلاغية) تشكّل مشهدا، وأصبحت الصورة جزءا من عالم متكامل تقدمه القصيدة لتومئ إلى مرماها بما يقارب مفهوم الكنائية، لذا أسميها الصورة الكنائية. كما تشكّل على يد هؤلاء الشعراء لون من السرد الشعري الذي استفاد كثيرا من تقنيات السينما والرواية الحديثة والفن التشكيلي في بعض النماذج ووصل إلى درجة كبيرة من النضج الآن.
هل تعدّ القصيدة العربية نوعا من العزف المنفرد، أي أنها تعتمد على الذاتي والشخصي ؟
الشعر الإنساني كله هو نتاج لهذه الذاتية الشخصية. طبيعة الشعر هكذا، فهو غناء الإنسان الفرد في مواجهة عالم لا يعترف بالشاعر ولا يرضى عنه الشاعر. ولو أعدنا قراءة التراث الشعري العربي أو العالمي لما توقفنا إلا أمام التجارب الخاصة التي تعبّر عن موقف إنساني ذي طابع ذاتي أو شخصي: (تجارب الحب والتأمل الوجودي والانفعال بالجمال والاستجابة للغرائز أو التسامي بها ومواجهة الموت والمرض والتعبير عن عاطفة الأبوة أو الصداقة أو حتى السخرية) ولسقطت كل التجارب الأخرى التي تمجّد السلطة وأصحابها أو تهجو وتمدح تكسبا وانحيازا لجانب المنفعة أو تلك الكتابات التي تتأثر بالدعاية السائدة وتكون مجرد صدى لها.
كيف ترى تحولات اللغة الشعرية في قصيدة النثر ومفهوم المجاز:
قادتني تحولات اللغة الشعرية، واكتسابي التدريجي للحساسية الجمالية الخاصة بقصيدة النثر إلى تأملات خاصة في مفهوم المجاز الشعري، وكيف يمكن تخليصه من التجريدية والذهنية البغيضة. عاونتني القراءات الفلسفية حينما طالعت عرضا شائقا لفلسفة "ديفيد هيوم" للمفكر الراحل "زكي نجيب محمود". كان هيوم يفرق بين المدرك الحسي وصورته في الذهن، فيسمي المدرك الحسي: الانطباع، أما صورته في الذهن فيسميها: الفكرة. ويقسم بذلك الإدراكات العقلية إلى "الانطباعات الحسية والشعورية" وهي الأكثر وضوحا والأقوى أثرا لأنها ناتجة عن التجارب والخبرات المباشرة، ثم "الأفكار" وهي الأقل وضوحا والأضعف أثرا لأننا نستعيدها على مسافة من الانطباعات القوية. أما الأفكار التي لا تستند إلى أي انطباعات ناجمة عن التجارب والخبرات الحسيةو الشعورية فهي ليست أفكارا على الإطلاق ولا يُعتد بها.
تأملت كثيرا في هذه الفكرة الفلسفية الناصعة التي مثلت الجذر العميق للوضعية المنطقية التي اجتاحت التفكير الفلسفي، فوجدت فيها وجها جماليا جاذبا، وبدأت أدرك لماذا أصبحت أنفر من تلك النصوص التي تراكم المجازات بآلية شديدة، ولا يراعي كاتبوها وجود خيط شفيف من الانطباعات أو الأفكار التي يمكن ردها إلى الخبرات النابضة الحقيقية وإلى الحواس واللحم والدم. وهذا اللون من الكتابة الشعرية هو الناتج من التقليب في النصوص والمعاجم واللهاث وراء التوليد البلاغي البارد وتدويره، وتقديم مهارة ذهنية لا يمكنها أن تنفخ روحا في أي كتلة كلامية.
من تلك النقطة، بدأ يتسلل إلى نفسي الوعي بالجوهر العميق لجماليات القصيدة الجديدة. كل مجاز لا أجد بين طرفيه تلك العلاقة التي تربط بين الخبرة الحسية أو الشعورية المباشرة والمغزى الجمالي أو الشعري أو الرؤيوي أصبحتُ أعتبره استهلاكا وإعداما للكلام، وتفريغا للنص من كل شعرية محتملة.
سطور وجوائز
ولد عماد غزالي في 19 أغسطس 1962 في حي حدائق القبة بالقاهرة وتلقي تعليمه بمدارس "خالد بن الوليد الابتدائية"، "الدويدار الإعدادية"، "النقراشي الثانوية" العسكرية، كوبري القبة وكلية الهندسة، جامعة عين شمس، قسم القوى الكهربائية (1981-1985).
صدر أول كتاب للشاعر عماد غزالي بعنوان أغنية أولى "مجموعة شعرية" سنة 1990
وشارك في تأسيس مجلة "إيقاعات" التي صدر منها عددان أوائل تسعينيات القرن العشرين وقدمت عددا كبيرا من الأصوات الإبداعية الجديدة وقتها.
الجوائز:
حصل على جائزة الدولة التشجيعية في الشعر سنة 2000
وجائزة اتحاد الكتاب المصري عن أفضل ديوان شعر عربي فصحى سنة 2005
كما حصل على جائزتان من الهيئة العامة لقصور الثقافة أوائل التسعينيات عن أفضل ديوان شعري وأفضل قصيدة.